الرحالة المخرج عماد عبد الهادي


 

تجوّل المرحوم عماد عبد الهادي طوال 64 عام في ارض امتلكت قلبه واخرى احتوت جسده عليلا ضئيلا متألما متأكلا الى ان انتهى فيه كل شيء ,رحلة الحياة والحب والفن والشعر والسينما والتلفزيون والرسم والتصوير ,كل شيء انتهى وتحول الالم الذي عاشه عماد حبا وفنا منذ ايام الابتدائية مرورا بأيام الاجازة وصولا الى مشيكان وديترويتو يتوقف كل شيء في الشهر الثامن او التاسع او الالف من عام 2013 لتبدأ رحلة اخرى لايهمنا منها شيء الا وهي رحلة الموت القبر . وما يهمنا من رحلته الماضية وعمره الذي ناهز الرابعة والستين سنة هو كيف بني تفكير وذهن الراحل الكبير الذي كان يحلم بعالم اختار منه ان يكون خارقا ويصنع الة عرض سينمائي لكي يحقق اختراق الواقع الذي يتشبث فيه وينطلق منه الى عالم الخيال الذي يمثل عنده المنطلق الحقيقي للواقع الجميل .

فشل في محاولته هذه لكنه لم يفشل كونه شاعرا رغم انه لم ينجح تماما مع عالم التجوال هذا وكان افضل من سابقه حيث ترك اثرا اذ جسّد الخيال الشعري في صور ولوحات ,وكان رسّاما تشكيليا واقعيا في معرضه التشكيلي الذي اقيم في قاعة جمعية التشكيليين العراقيين عام 1972 ,نجح في ذلك نجاحا لم يقنعه ويحوّله الى استقرار من ترحاله المتعب ,وحاول جاهدا ان يحتفل بخلود اخر حينما حاول ان يزّين الحسينية التي شيدها جده في كربلاء برسومات تجريدية عن مأساة الحسين لكنه فشل بفعل ضروفوصعوبات واجهها ولم يستسلم او يستقر, وعاود التجوال من جديد فكان مصورا ناجحا بخزين معرفي لشاعر ورسام ومبتكر ,وكل هذا توقّف وسجد امام ابتكار واحتراف وتشكيل وشعر وسلطة هو فيها الامر الناهي ,هو فيها الاسم الاول الذي يعطي اشارة البدء ويعلن النهاية للفعل الذي رسمه هو بخطوطه الواضحة الجميلة ببناء تشكيلي يميل الى الواقع دون ان ينسى تجوال الخيال داخل هذا الواقع الذي لايرسمه هو ,وقد لا يختاره لكنه مادة يصنع منها خطابه الفني بتمثيليات ومسلسلات اختلفت في مواضيعها بين الواقعية والكوميديا والتعليمية البحتة وكان يبدع فيها لان كل مايحبه عماد عبد الهادي يجتمع فيه, رسما وشعرا وتشكيلا وابتكار,

وحاول ان يجمع كل هذا بترحال من نوع جديد, اذ تحول الى مهنة اراد ان يتميز فيها بذلك النفس الطويل الذي يمتد الى ساعات عرض التمثيلية او المسلسل فكان ناجحا ايما نجاح في القصير منها مثل تمثيليات (ثابت افندي ) و(رائحة القهوة ) وغيرها واستطاع ان يصنع من خلالها اسس وملامح لنجومية الممثل الذي تميز عنده, وتجول معه داخل الصورة ذات التكوين المدروس والمرسوم بذائقة تشكيلي وبروح شاعر وتقنية مبتكر وشفافية مخرج وواقعية محترف حيث نرى الممثل بلقطة كبيرة دلاليا حتى لو كانت تلك اللقطة عامة ماديا لانه يرى دائما ان الممثل هو الذي يحمل عنه هم المعنى والمغزى ويحقق له مايريد عرضه وطرحه للمتلقي.اضافة الى قدرته الفائقة في رسم المكان واستغلال كل زاوية فيه بكاميرا كثير ماتتحرك بثقة وانسيابية وهي تلاحق الممثل الذي يسيربشاعرية, وكأنها تتلمس معالم الطريق بعلامات مرسومة ذهنيا ببناء مشترك ومتفق عليه مسبقا منذ كتابة النص الى مابعد المونتاج لانه يقرا ويسمع ويرى ويعيد تركيب كل شيء بعد ان يسبغ عليه روح الفن والخطاب التلفزيوني الذي يميل الى البناء الحكائي الحواري الذي لايتخلى ابدا عن البناء التشكيلي المتغيّر تبعا لحركة الكاميرا والممثل , فيأتي الحوار سلسا غير ممل وهذا ماتجلّى واضحا في مسلسل (قيس ولبنى ) الذي كتبه (معاذ يوسف ) وهو الكاتب الذي يهتم كثيرا بالحوار ويعتمد عليه في بناء وطرح فكرته .

تحقق ذلكايضا في تمثيلية (الورد في الاكمام)لنفس الكاتب والمأخوذة من احدىحكايات الف ليلة وليلة , اشتغل عماد عبد الهادي في هذا النص وفق حنكة الشاعر احيانا حيث لم يتخلّى عن اية جملة حوارية من النص كما لم ينسى كونه رساما ومخرجا ومتجولا داخل بنية الخطاب الجمالي ساعده في ذلك عبقرية الصورة والمكان وخصوصية هذه العناصر في التعامل مع الغيبيات وكيفية التعامل مع الغيبيات والخوارق في عالم مثل عوالم الف ليلة وليلة رغم ان معاذ يوسف حاول ان يسحب الموضوع الى عالمه واسلوبه هو لكنها بقيت محافظة على روح نصها الاصلي فكانت رحلة غنيّة تجول فيها عماد عبد الهادي بنجاح وتفرّد.

ان هذا النجاح الذي تميزت فيه تمثيليات عماد عبد الهادي والتي تقترب من ان نطلق عليها افلام تلفزيونية لجميع الاسباب التي ذكرناها, ابتسر في بعض الاحيان في المسلسلات التي عملها ومنها المسلسل الكوميدي (ايام الاجازة) الذي حاول فيه عبد الهادي التعامل مع النص الذي كتبه (عبد الباري العبودي ) بطريقة تبتعد عن الابتذال نوعا ما واعتمد على قدرة الممثل في التعامل مع الموقف والمفردة والفعل دون تهريج او تسفيه الحدث ونجح في كثير من المفاصل لكنه ضعف في الحلقات الاخيرة وهذا يدلّ على ضعف في صناعة النص وليس بسبب الاخراج فقط .أما في كيفية التعامل مع النص التعليمي (اشهى الموائد في مدينة القواعد) فلقد حاول عبد الهادي ان يجمع مابين روح الخطابة والشعر في مباشرة المتلقي ومواجهته وجها لوجه دون الميل الى استنتاج دلالي او قراءة للجانب البصري دون ان ينسى جمالية بناء الكادر وكيفية التعامل مع الممثل, لانه يتعامل مع شخصيات المطلوب منها ان تكون ذات اثر من اسمها الى حواراتها,فهي اما ثابتة كالانسه قواعد واما متغيرّه تسمى باسماء الحروف اوالافعال او غير ذلك .

نجح المسلسل وكان لاسلوب عماد عبد الهادي في كيفية التعامل مع الممثل وجودة اختياره له وطريقة عرض الممثل والتكوين ككل سبب في ذلك. وتجوّل عماد عبد الهادي في تمثيليات ناجحة جدا ومسلسلات كثيرة اراها ناجحة لكنها اقل نجاحا, منها (حكاية لها وجهان ,احلى الكلام,الجرح ,صفر زايد صفر ناقص ,النهاية ,عالمكشوف ,شيء من ذلك الماضي ).ومما سبق اخلص الىنتيجة مهمة في تجوال المخرج المرحوم عماد عبد الهادي في انه يميل الى لغة تعبير السينما الواقعية التي تشتبك فيها تعابير اللغة الحوارية والتشكيل والفعل وحركة الممثل وحركة الكاميرا الشاعرية التي تقتفي اثر الفعل بالممثل او من دونه .تجوّل عماد عبد الهادي مابين الديوانية مدينته التي يحبها ومدينة كربلاء التي لم يكمل مشواره فيها, وبغداد التي كانت محطته الطويلة في صناعة منجز رائع, ثم رحلته المميتة الىامريكا التي فقد فيها كل شيء .

لا تعليقات

اترك رد