هل العراق قابل للتقسيم ؟!

 
الصدى - هل يقسم

اولا:
منذ احتلال العراق عام ٢٠٠٣ واندلاع الصراعات السياسية الداخلية ، التي وصّفها الغربيون بالطائفية والإثنية ، ذهبت أوساط غربية عديدة سواءعلى مستوى القرار او مراكز التفكير والإعلام الى ان الحل يكمن في فكرة تقسيم البلاد الى ثلاثة دويلات او دول ، ومن اجل تأصيل الفكرة أعيد انتاج الرواية التي تبنتها في فترات سابقة أوساط أكاديمية، غربية و أمريكية بشكل أساسي ، في الفترة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية ومضمونها كما يلخصها علي الخضيري ، مستشار عدد من السفراء والقادة العسكريين الأمريكان خلال فترة الاحتلال ، في مقالة له في مجلة (Foreign Affairs ) في عددها لشهر أيلول ٢٠١٥ أشار الى “ان العراق الحديث لم يشهد سلاما داخليا شاملا او استقرارا منذ إنشاءه عام ١٩٢٠. لقد حكم سلاطين الامبراطورية العثمانية هذا الإقليم باعتباره ثلاث ولايات منفصلة ، وقد ادار حكاما مستقلين عن بعضهم ولايات الموصل في الشمال وبغداد في الوسط والبصرة في الجنوب ….. وبعد الحرب العالمية الاولى ….. تقرر ان يقوم البريطانيون بترسيم فضاءا لنفوذ مصالحهم النفطية في بلاد النهرينMesopotamia ” . اي ان العراق الحديث هو صنيعة بريطانية وتمت صياغته كدولة موحدة وفقا لمتطلبات المصالح الإمبريالية البريطانية ، ولم ينتبه الخضيري الى ان نصّه هذا يحمل شيئا ونقيضه اذ يستخدم لفظة Mesopotamia كناية عن العراق دون ان يشير الى انها تسمية سادت منذ اكثر من ألفي عام في كتب المؤرخين اليونانيين لتشير الى اقليم طبيعي مميز عماحوله من الجغرافية العامة للمنطقة وهي ذات اللفظة التي استخدمها الجنرال مود القائد البريطاني الذي دخل بغداد محتلا عام ١٩١٧كناية عن العراق . كما فات السيد الخضيري ان تسمية العراق ، الاسم المحلي لما سماه اليونانيون بلاد النهرين ، قد تكون الاسم الوحيد في التاريخ الإنساني الذي يشير الى اقليم جغرافي طبيعي بعينه منذ ثمانية آلاف عام تقريبا باستثناء تعديلات غير جوهرية على حدوده الطبيعية .

اما اذا عدنا الى مقولة الولايات الثلاث المنفصلة فسنعرف من خلال قراءة سريعة للتاريخ ان المعلومة غير دقيقة . فقد أدير العراق معظم العهد العثماني باعتباره اقليما واحدا من الناحية الإدارية باستثناء فترة قصيرة اعتمد خلالها نظام الولايات الثلاث من اجل أضعاف نفوذ ولاة بغداد ثم جاء الحكم المملوكي الذي وحد العراق تحت إدارة بغداد واستمر هذا الوضع خلال فترة الإصلاحات وتعزيز المركزية لتسهيل إنفاذ هذه الإصلاحات التي باشر بها الوالي الاصلاحي المشهور مدحت باشا ، وقد كان اسم بغداد يستخدم في أوساط الادارة العثمانية كرديف للعراق حتى خلال فترة نظام الولايات الثلاث وفقا للمؤرخ التركي ( ابوبكر كيلان ) في أطروحته عن ( الأصول العثمانية للعراق المعاصر ) .

لقد اثبتت دراسات حديثة ان العراق شكل خلال القرون الثلاثة التي سبقت الاحتلال البريطاني عام ١٩١٧ منظومة اقتصادية- تجارية ، من شماله حتى جنوبه ، ارتبطت ببلدان حوض المحيط الهندي وان مدنا عراقية كبرى وطرق مواصلات رئيسية قد تم تأمينها لخدمة هذه المنظومة ، ثم جاء النفوذ السياسي و التجاري الغربي بعد ذلك ، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر بشكل خاص ، ليحول بعضا من اتجاهات هذه المنظومة التجارية نحو الاسواق الأوربية لكنه من جانب اخر عزز الروابط الاقتصادية الزراعية – التجارية لأنحاء البلاد المختلفة بإدخاله ثورة في نظام المواصلات البرية والنهرية والبرقية ونشأت مصالح تجارية للزعامات القبلية وتجار المدن مما ساهم في تفكيك العزلة التي عاشتها بعض أنحاء البلاد بعد التخريب الذي عاشته منذ الغزو المغولي .

هذا عن الإقليم ، اما عن السكان فقد حاول أكاديميوا الغرب ، ولا ادري اي صدفة جعلت معظمهم من اليهود ،اختراع أشكال عديدة من التصنيفات الدينية و المذهبية والإثنية تحيل البلاد ، وفق رأيهم ، الى كيان هش لايمكن إمساكه الا من خلال ديكتاتورية او فك ارتباط هذه الاطياف عن بعضها لعجزها عن التعايش وفق مبادئ التسامح وقبول الاخر . في هذا المجال يعتبر مؤرخا يهوديا اسرائيليا من المراجعين التقدميين ومن مواليد العراق هو بروفيسور أوكسفورد ( أفي شلايم )في كتابه (War and Peace in the Middle East ) ان من اخطاء بريطانيا وهي تصنع العراق انها لم ترسم خطوطا تعزل الأكراد عن العرب والشيعة عن السنة دون ان يتنبَّه الى ان أهله اليهود عاشوا في العراق ألفي عام واعتبروه وطنهم وان هجرتهم لاسرائيل كانت ضرورة وليس اختيارا . وإذ لا اريد التوسع في مناقشة التأصيل الأكاديمي لفكرة التقسيم على أساس التنوع الاثني والطائفي لكنني مجبر على الإشارة الى ان ما ينطبق عليه وصف الدولة وحيدة العرق او الديانة لايتعدى أربعة او خمسة دول بالكاد ينطبق عليها التوصيف وهي دول تعيش على هامش النظام الدولي وليست باي قياس علمي او منطقي أمثلة تحتذى .

هنالك بالاضافة لذلك نوع من التضليل العلمي المتعمد الذي يشاع حصرا حين تناقش المسالة العراقية وهو الاستخدام الملتبس لمفهوم الدولة القومية الحديث (Nation State ) فهذا المصطلح يشير حصرا الى النظام الدولي الذي أنشأته معاهدة وستفاليا عام ١٦٤٨ اثر حرب الثلاثين سنة الدينية التي دمرت دول أوروبية اذ اعتمد مبدأ الدولة الوطنية على أساس جغرافي ووفق ذلك نشأت الهوية الوطنية الحديثة المستندة للجغرافية كأساس للحقوق والواجبات لمواطنيها بغض النظر عن توجهاتهم العقائدية والدينية او انتماءاتهم العرقية وبذلك أصبحوا رغم تبايناتهم في هذه المجالات أمة في نطاق جغرافي محدد واستنادا اليه ، هذا المبدأ يقدم بشكل مضلل وملتبس حين يتعلق الامر بالعراق .

ان الامر الأهم بعد كل ذلك هو الانتباه الى التضليل المعيب الذي مارسه الأكاديميون الذين زعموا ان العراق صنيعة تشرتشل وبريطانيا ومصالحها النفطية ، فهذه المصالح كانت مضمونة بموجب اتفاقيات امتيازات النفط الموقعة مع الدولة العثمانية وأي كيان بديل تقع أراضي الامتيازات ضمن سيادته سيكون ملزما بها ايا كانت هويته او وضعه القانوني سواء دولة واحدة أو دول عدة ، اي ان المصالح البريطانية لم تصنع العراق الموحد والادعاء بعكس ذلك له اغراضه .

التاريخ يعلمنا ان العراق ككيان جغرافي وبشري قديم بما يكفي ليتجاوز في العمر اغلب دول العالم القائمة اليوم وإذا أردنا تجاوز التاريخ القديم فلايمكننا الا الإقرار بان العراقيين الحاليين يعيشون على ارضه منذ خمسة عشر قرنا ، اما الدولة الحديثة في العراق فقد صنعتها ثورة العشرين العراقية الكبرى وقرار عصبة الامم بانهاء الانتداب البريطاني وإعادة ولاية الموصل له .

العراقيون لم يغفوا ليلة الثلاثين من حزيران ١٩٢٠ ليصبحوا وقد اكتشفوا عراقيتهم في الرميثة ، نقطة انطلاق الثورة ،ضد الاحتلال البريطاني ، ليعقبها انتفاضة البلاد من شمالها الى جنوبها ومن شرقها الى غربها وبمشاركة جميع أبناء ” بلاد النهرين ” الذين حملوا سلاحهم وراياتهم تحت مسمى العراق . لا الاسم ولا الهوية قد اكتشفا ذلك اليوم ولم يكونا مِنّة من تشرتشل او إمبراطوريته بل منحة التاريخ لابناء البلاد على مد العصور وهي مصدر إلهامهم في ذلك اليوم الذي ان اختلفوا على اي شيء ، لكنهم لايختلفون عليه .

وكذا الحال في قرار عصبة الامم بإعادة ولاية الموصل الى العراق فقد جرى وفقا لحيثيات أخذت بالاعتبار واقع الروابط الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية المستمرة بين تلك الولاية وباقي أنحاء العراق .

إذن يمكن القول بالإجمال ان وقائع جغرافية واجتماعية وتاريخية شكلت مايمكن وصفه بالهوية العراقية وهي منتجة لنوع محدد من الثقافة بخطوط متمايزة عما حولها من أقطار تمثلت في مكنون من التراث الشعبي ابتداءا بالأمثال الشعبية وحتى أشكال لعب وَلَهْو الأطفال ، ومنح الاستقلال وانهاء الانتداب لم يكن تأسيسا لكيان بل إقرارا وكشفا واعترافا بحقه التاريخي في الوجود .

ثانيا :
لماذا يكتشف الأكاديميون الغربيون ان العراق وأقطار اخرى في الشرق الأوسط ، عربية حصرا ، تحتاج كياناتها الى اعادة نظر ؟!

هذه المقولة تسود الأوساط الثقافية والسياسية منذ الحرب العالمية الثانية وبعدها بقليل وقد أصبحت لها ابعاد ستراتيجية ذرائعية منذ نهاية الحرب الباردة جسدها بشكل خاص شيخ المستشرقين الغربيين المعاصرين البروفيسور برنارد لويس في العديد من مؤلفاته واوجزها في مقالته المشهورة ( Rethinking the Middle East) المنشور في مجلة( Foreign Affairs )بعددها الصادر في سبتمبر عام ١٩٩٢ ، وخلاصتها ان بلدان الشرق الأوسط فقدت القدرة على رسم مستقبلها والتحكم بأقدارها منذ عام ١٧٩٨ ، تاريخ احتلال نابليون بونابرت لمصر ، وان هذا الشرق الأوسط قد استسلم للآخرين منذ ذلك التاريخ ليرسموا له واقعه ومصيره ، وأصبحت نصوص هذا المستشرق ذات قدسية خاصة لكل من تصدوا للحديث او البحث في شؤون المنطقة .

في عام ١٩٩٦ قدم عدد من المفكرين والباحثين الأمريكان – اليهود ، المدافعين بحماسة عن المشروع الصهيوني في الشرق الأوسط ، دراسة مشهورة الى رئيس الوزراء الاسرائيلي عنوانها (Clean Breack :A New Strategy for Securing the Realm ) دعوه فيها الى بذل الجهود لدفع الولايات المتحدة للقيام بعمل عسكري في منطقة الشرق الأوسط أولى أهدافه احتلال العراق واعادة صياغته “Redefine Iraq” لان مستقبل الوضع في هذا البلد ، وفق تقديرهم ، سيؤثر بشكل كبير جدا على التوازن الستراتيجي في المنطقة [هذه الدراسة منشورة ومتيسرة على الإنترنيت ] . وصدف ان ثلاثة منهم سيتبوؤا مراكز قيادية خلال إدارة بوش الابن، فأصبح دوجلاس فيث وكيلا لوزارة الدفاع للشؤون السياسية وكلفت دائرته بإدارة العراق بعد الاحتلال اما ريتشارد بيرل فقد راس هيئة التخطيط في البنتاغون التي قدمت التوصيات حول ضرورة احتلال العراق لمنع وقوع أسلحة الدمار الشامل بيد التنظيمات الإرهابية تحت زعم علاقة وثيقة للعراق بها . اما الثالث فهو ديفيد وورسمير فقد تولى مهمة معركة العلاقات العامة للترويج لافكار المجموعة على المستويين الأكاديمي والاعلامي .

بعد الاحتلال مباشرة كانت المهمة هي خلق فراغ في السلطة وتفكيك بيروقراطيا الدولة الاساسية وخاصة الأمنية وبذلك تم خلق المناخ لإعادة الناس الى مربع الولاءات دون الوطنية ، وهي وصفة تحدث عنها مسهبا البروفيسور نوح فيلدرمان اليهودي من أصول عراقية والذي أنيطت به مهمة تأمين النصوص القانونية لهذا الغرض تحت ستار مهمته مستشارا قانونيا لوزارة العدل العراقية . كانت هذه الخطة قد أعدت واعتمدت من قبل مكتب دوجلاس فيث تحت عنوان ” اجتثاث البعث ” التي تنسب خطا لاحمد الجلبي الذي لم يكن سوى واجهة للمشروع .

تم تأسيس النظام السياسي الجديد في البلاد على أساس التوزيع الاثني والطائفي في بلد لايعرف على وجه الدقة توزيع سكانه وفق هذه المعايير كما أخذت المحاصصات الطائفية والعرقية تطغى على كل شيء وأصبحت التفسيرات وفق هذه المعايير تطغى على كل ماعداها فأصبحت مقاومة الاحتلال تفسر على انها تمرد سني ردا على انتزاع السلطة منهم ، وهي سلطة يعرف الجميع انها كانت ملكا لشخص واحد . لقد لخص الرؤية الامريكية للوضع الرئيس جورج بوش في مذكراته المنشورة تحت عنوان ( Decision Points ) بالقول ان البلاد كانت تعيش توترات طائفية وعرقية منذ إنشاءها بعد الحرب العالمية الاولى بسبب استحواذ ” أقلية سنية ذات حظوة ” ،وهي لاتتجاوز١٥٪‏ من السكان ، على السلطة والموارد وحرمان الأغلبية الشيعية والأكراد منها ، وعلى هذا الأساس تصرفت سلطة الاحتلال لكنها واجهت حقيقة ان جميع أنحاء العراق هي مناطق عيش مختلطة وهذه حقيقة اتبتها تقرير بيكر – هاميلتون .

جاءت بعد ذلك تفجيرات قبة مرقد الإمامين العسكريين في سامراء ووفقا لقائد أمريكي فقد كانت عملية مدبرة لتأجيج حرب طائفية تبعتها مباشرة موجات تطهير طائفي متبادل اثارت دهشة الكثيرين اذ لم يسبق ان شهد العراق مثيلا لها . جاءت الاستجابة الامريكية مباشرة بالحديث عن قضية التقسيم بلغت ذروتهاعام ٢٠٠٦ في إصدار قانون تقسيم العراق اقترحه السناتور آنذاك بايدن (نائب الرئيس الحالي ) وقد فاقم صدور هذا القانون من الصراعات الطائفية وبدا واضحا ان الهدف منها هو تطهير المناطق المختلطة وخاصة بغداد من سكانها السنة بشكل أساس بسبب ان الطرف الشيعي كان يحظى ، ومن خلال الأحزاب والمليشيات الطائفية ، بقوة الدولة وسرعان ماجاء الرد بصيغة حركات سنية راديكالية مثل القاعدة ثم داعش وأصبحت نخب السياسيين تقدم نفسها للجمهور على أساس الهوية الطائفية .

هذا ليس حديث مؤامرة بل وقائع حصلت وعشناها في حياتنا .

المهم في الامر ان موضوع التقسيم لم يعد حديث الأوساط الأكاديمية في الجامعات ومراكز التفكير بل سياسات وبرامج عمل تتبناها حكومات الدول ذات التأثير في الساحة العراقية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإيران وحتى اسرائيل كما بدأت تأخذ شكلا اكثر تهذيبا في أوروبا تحت ستار حماية الأقليات وتوفير الحماية لها من خلال خلق ملاذات آمنة بشكل أقاليم او دويلات .

ثالثا :
السؤال البديهي والمشروع هو : هل ان التقسيم ، برغم كل مايجرى حتى الان ، يشكل حلا للنزاعات الطائفية وهل هو ممكن من الناحية العملية ؟

تاريخيا ، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية ، جرت عمليات تقسيم لبلدان موحدة بلغت حوالي ١٤-٢٤ عملية تقسيم (حسب نوع التعريف لكلمة تقسيم ) وهذه العمليات تمت اثر نشوب اكثر من ١٨٠ حرب أهلية في أنحاء مختلفة من العالم ولم تثبت ايا من هذه العمليات انها كانت حلا ، بل على العكس زادت اما من حدة الصراعات او اسست لصراعات جديدة في داخل الكيانات الناشئة ، وكلا الحالين يبدو مرجح الحصول في العراق المقسم .

ان آية عملية لفرض التقسيم على العراق ستقود الى فوضى سكانية عارمة وستؤدي حتما الى عمليات نزاع مسلحة خصوصا في مناطق الاحتكاك بين الأقاليم او الدويلات العتيدة ويمكن ملاحظة ذلك في وضع مدينة كركوك باعتبارها حاليا تمثل نموذجا تطبيقيا لعملية التقسيم . هنالك ثلاثة مجموعات إثنية هي الأكراد والعرب والتركمان والفوارق بين اعدادها ليست كبيرة الى الحد الذي تشكل فيه احداها أغلبية طاغية ولكل منها امتدادات الى خارجها وعندما تحين لحظة الحقيقة فان الجميع سينظر الى محيط كركوك بحثا عن العون لتعزيز نفوذه في المحافظة .

من الناحية النظرية فان تقسيما لايؤدي الى نزاعات داخلية يقتضي صياغة أقاليم ذات نقاوة إثنية او طائفية او على الأقل ان تكون هنالك أغلبية طاغية لأحد المكونات الاثنية او الطائفية ، وان تحقق ذلك فلا احد يستطيع ضمان ان لاتكون هنالك صراعات داخل الاثنية او الطائفة الواحدة وقد راينا ذلك يحصل في منتصف التسعينات في منطقة الحكم الذاتي حيث سادت حالة من القتال الداخلي بين حزب الاتحاد الوطني الذي يتزعمه جلال الطالباني والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارازاني ولم ينته الصراع الا بعد تدخل بغداد عسكريا في الإقليم ولنا ان نتصور ماقد يحصل في المستقبل ايضا في ضوء مانراه من صراعات داخلية على السلطة تتمثل في أزمة اختيار رئاسة جديدة للإقليم . في ذات الاتجاه نشاهد اليوم في بغداد وبقية أنحاء العراق ذات الأغلبية الشيعية تفجر الصراعات المسلحة بين الأحزاب التي تدين بذات المذهب مثل الصراع بين حزب الفضيلة وحزب الدعوة في البصرة وبين التيار الصدري وتحالف دولة القانون في أنحاء مختلفة من جنوب العراق وفي بغداد خاصة مع وجود المليشيات المسلحة لدى جميع الأحزاب دون استثناء ، وكذا الحال في المحافظات التي توصف بالسنية و المشتعلة منذ بداية الاحتلال .

ينبغي كذلك ان ناخذ بالاعتبار ان الصراعات التي تتم تحت اللافتات الطائفية حاليا في العراق هي انعكاس لصراعات إقليمية . ان تأسيس دولة كردية في شمال العراق ، بغض النظر عن الموقف الاخلاقي او الحقوقي ، قد يقود دول الجوار ذات الأقليات الكردية الى استخدام القوة لمنع قيامها او انتقال عدوى الاستقلال الى اكرادها. لنا ان نرى العمليات العسكري التي تقوم بها تركيا حاليا ضد الحركات الكردية السورية التي تنشد الاستقلال او الحكم الذاتي ، كمالاينبغي ان ننسى الموقف التركي السلبي الرافض لمبدأ الحكم الذاتي لاكراد العراق منذ قيامه . و سيؤدي قيام كيان شيعي مستقل في جنوب العراق الى تعاظم النفوذ الايراني بشكل يزيد من حدة الصراع العربي الايراني الراهن وقد يؤدي الى حروب اقليمية لا احد يعرف الى ماقد تؤدي اليه . وكذا الحال مع نشوء اقليم سني . ان جميع دول المنطقة ستشعر بالتهديد الذي يمس وجودها مباشرة ، كما ستجد نفسها متورطة في نزاعات لانهاية لها حول النفوذ في الكيانات الجديدة من اكبرها مثل تركيا وايرانوالسعودية الى أصغرها مثل الإمارات وقطر وشبكة تحالفاتها الدولية و الاقليمية .

اضافة للصراعات الإقليمية وداخل كل كيان جديد هنالك إمكانية شبه مؤكدة لقيام صراعات بين الكيانات الجديدة حول الموارد المنتشرة على طول البلاد وعرضها ولكن بدرجات متفاوتة مثل الموارد المائية والثروات النفطية والغاز والمعادن .

اضافة للنزاعات الداخلية ومابين الكيانات الجديدة ودوّل المنطقة وربما العالم هنالك اعتبارات عملية تجعل قضية التقسيم قضية معقدة الى حد استحالة التحقيق .

الاول يتعلق بطبيعة العراق الجغرافية ، ففي الوقت الذي يجري فيه نهرا دجلة والفرات ، مصدر المياه الرئيسي ، من الشمال الى الجنوب وكذلك الحال مع طرق المواصلات الكبرى فان التوزيع المفترض للسكان على أساس الهوية الطائفية والإثنية يأخذ شكلا افقيا الامر الذي يجعل من مصلحة الجميع العيش في كيان واحد لتأمين الأسباب التي تضمن إمكانيات عملية وحقيقية للتنمية والتطور وأنهم سيكتشفون ان حاجتهم لحكومة رشيدة فاعلة هي اكثر من حاجتهم لاعلام ذات ألوان مختلفة وان قضيتهم الاساسية هي قضية سياسية ولاعلاقة لها بالدِّين او الأصل العرقي .

الاعتبار الثاني يتعلق بطبيعة النظام الاروائي النهري . تاريخيا أديرت منظومة الري النهري في العراق بشكل مركزي لان اي نوع اخر من الادارة امر مستحيل من الناحية الفنية وان انشاء أنظمة ري فرعية على مقاس الكيانات الفرعية العتيدة امر مستحيل دون سلطة إدارة مركزية للموارد المائية تتيح للجميع إمكانية الاستفادة العادلة والعملية في عالم يتجه بشكل عام نحو الشحة المائية .

الاعتبار الثالث يتعلق بكلفة التقسيم . من اي مصادر يمكن تأمين موارد قد تصل الى مئات المليارات من الدولارات لإتمام عمليات ترانسفير لسكان يعدون بالملايين واعادة توطينهم وفقا لهوايتهم الطائفية والإثنية . ان ربع سكان كردستان على سبيل المثال يعيشون خارجها منذ عقود في مدن كبرى مثل البصرة والرمادي وديالى وفي العاصمة بغداد والامر اكثر تعقيدا بالنسبة للسنة والشيعة حيث يعيش أبناء الطائفتين متجاورين في ذات الأحياء في المدن وحتى في الأقضية والنواحي وربما القرى وهذا امر لاحظه بشكل خاص التقرير الذي اعدته لجنة بيكر – هامبتون التي اوفدها الرئيس بوش في وقت مبكّر بعد ظهور مشاكل الاحتلال وكانت نتائج بحثها صادمة قياسا على المعلومات التي توفرت للإدارة الامريكية وهي تتخذ قرار الغزو . ان كلفة التقسيم المالية ، لو توفرت ، يمكن ان تخصص في ظل حكم رشيد للشروع بعمليات تنمية واسعة النطاق على غرار ماجرى في عقد التنمية الذهبي ١٩٧٢-١٩٨٢تؤمن رفع المستوى المعاشي للسكان بدل إهدارها على عملية كوموفلاج سكانية مصطنعة لا أساس لها في تاريخ البلاد بل ستكون تحديا لمسيرته الطبيعية .

ان بوادر مبشرة تطغى على سطح الأحداث في العراق خلال الفترة الاخيرة تشير الى ان وعي الناس يتجه بشكل متزايد نحو ادراك ان مشكلتهم الاساسية كانت مشكلة الادارة السياسية وغياب الحكم الرشيد ووقوع البلاد تحت أشكال متنوعة من الأنظمة الشمولية التي تخلو من تأمين آية فرص لمشاركة حقيقية للناس في إدارة شؤونهم وتعميق شعورهم بالانتماء الوطني .

وختاما ينبغي الإشارة الى حقيقة تاريخية وهي ان العراق لم يشهد تقسيما في تاريخه باستثناء الفترات التي وقعت اجزاء منه او كله تحت احتلال اجنبي وان حقيقته الجغرافية الطبيعية كانت أقوى من كل محاولات التقسيم الى حد دفعت مؤرخا كبيرا مثل جورج روو الى القول ان العراق ” يشكل وحدة كبيرة ومنسجمة ومميزة جغرافيا وتاريخيا وثقافيا ” وان انفراطها امر مستحيل ،،،،،،،

لا تعليقات

اترك رد