العيد صناعة بشرية


 

كل عام وأهل الأرض بخير وفرح، وعلى الأرض السلام، أيام فضلها الله على سواها فكانت أيام خير ورحمة وليالي فرح وبهجة. حدد الله أياما بعينها لتكون عنوانا للمحبة والتآلف والتراحم، وإن فرض على الناس أن يكون العام كله رأفة ومحبة، وكل الزمان مودة ورحمة. كم من الأعياد أهلت علينا ثم إنقضت ونحن في خصام وشحناء، وحزن وبكاء، وعداوة وبغضاء؟ كم من الأعياد مرت علينا أشد سوءًا من بقية أيام العام؟ وكم من الأعياد شعرنا فيها بالفرح والبهجة؟ إن الإحساس بفرح الأعياد يرتبط بأيام طفولتنا، وكلما كبرنا فقدنا الإحساس بالعيد وبهجته، واختفى الفرح وضاع السرور، ليس لعيب في الأيام ولا لخطأ في المواقيت، ولا لغياب الأماكن، ولكن لأننا كلما كبرنا زاد حِملنا من الكره وفاض الكيل من البغضاء.

الطفل بنقائه وملائكيته لا يحمل بُغضا ولا كُرها، وحين يكبر تكبر أنانيته، ويزداد حبه للمال، ينبت في قلبه الحسد فيغطي سواد حسده بياض قلبه، وينضج الحقد في صدره فيلتهم خضار محبته، ومع الأيام ومن عام إلى عام يصبح الصدر غابة من كره، وبحر من حقد تغرق أمواجه العاتية كل مراكب الحب، والحب رقيق كفراشات الربيع لا يحتمل كل هذا الطوفان من الكره والبغضاء. كل البشر هكذا إلا من وَطَنَ نفسه على الطيب من القول والفعل، وطَبَع خصاله على الرأفة والرحمة، وعاش الحياة كإنسان، لا يمدن عينيه بحسد أو حقد إلى ما في يد إخوانه. الحق أقول.. أنني في هذا العيد شعرت بالفرحة مع الأصدقاء والفقراء أكثر، إقتربت من المُعدَمين أكثر، فوجدت فيهم الرقة والطيبة وشعرت بالرحمة والمودة التى عدمتها من أقرب الناس، وشعرت بلين الطباع، وشكرهم لله على كل حال، والحمد في السراء والضراء، في الوقت الذي إختفى التواصل بين الأقارب، ولم يعد للود مكان بين الأهل! نحن من يصنع العيد، وبالحب تضحك الأيام، ونحن من يجعل الفرح يغمرنا، وما أروع الحب إذا جاء بلا مقابل، وبدون أسباب، أما من ينتظر الأجر على حبه، فسحقا له ولحبه، وكسي الله أيامه بالحزن والسواد. الحب بين الناس عيد يدوم، والعمر قصير، ومن تشعر اليوم أنك لا تريده ولا تسعدك رؤيته، فقد تتمنى يوما النظر إلى وجهه، وتمسي على استعداد لتدفع كل ما تملك لتراه، ويكون الوقت قد فات وضاعت الفرصة، وسكن من تتمنى رؤيته القبر!

لا تعليقات

اترك رد