الصباغ الأعرج


 

الصندوق الخشبي الصغير يستقر بين ساقيه الغير متناسقتين في السمنة والطول ، عيناه تلتصقان بالحذاء المتوسد بين كفيه الصغيرتين … بينما راحت فرشاته تجيء وتذهب باستمرار قدمه اليمنى معوجة بشكل زاوية منحرفة تتحرك دائماً باتجاه الأحذية المتجمعة أمامه . اسند ظهره على حائط الرواق الممتد بشكل مستقيم حيث السلم ذو المقطعين والذي يصل الى الطابق العلوي وقد تعودت أذناه أصوات عديدة .

– تررن …أين الأوراق ؟
– نعم …. نعم
كان ذلك الصوت عالياً وهو يصغي اليه مرات كثيرة ويترك عمله أحياناً ليتابع تلك الخطى المستقيمة والأفخاذ المتنوعة التي تمر من أمامه أو تقف تنتظر الحذاء وكثيراً ما كان يضحكه ذلك الكرش الذي يبرز باستمرار من الغرفة الملاصقة لجلوسه وهو يتجشأ بصوت ٍ غليظ .

– شاي
كان يجد لذة وسعادة عندما تتكاثر عليه الأحذية المعدة للصباغة في الطابق السفلي .

– أه ٍ ما أقسى هذا السلم …انه يعادل جهدي كله , كيف لي ان أتخلص منه ؟ ربما يأتي غيري وحين ذاك سأحرم من هذا الرواق الجميل حيث لا شمس ولا مطر
فقد كان صاحب المقهى يقول له :-

– ستتسخ أرضية المقهى يا أعرج
المطر ينثال بشكل جنوني ورشقات من البرد تلامس قلبه اليافع

( أخ ..أنا أحب المطر وأكرهه )

كان الموظف الذي في الطابق العلوي دائما يفتح كلتا عينيه وكأنه لا يراه الا هكذا وهو يحرك لسانه السليط .

– أعرج …أريدها تلمع مثل القمر .
وتمعن فيه وقال في نفسه ( وهل رأيت القمر ) ؟

كان يخاف من عينيه الزئبقيتين وكان يضحك بينه وبين نفسه ولمرات عديدة يقول ( أنى لي أن أضحك ….هيه ) وحاول بكل جهد أن يبتلع ريقه ويتنحنح وكأن هذا الموظف يدرك ما يقوم به.

– ماذا بك يا أعرج ؟ أخرج كأنك تبتلع فأرة
( لماذا أبتلع فأرة مثلاً …مثلاً لماذا لا تكون شكولاته ) ؟

كان يداري ألمه وهو يفكر في ساقه المعوجة حتى الكاحل وهو ينسى نفسه عندما يتطلع إليها من خلال الباب المفتوحة دائماً ويراها تبتسم في وجهه أحياناً كثيرة وتقدم له مرات أخرى رغيفا من الخبر .

– ياه كم هي طيبة …وما اجملها
نسى أنه أعرج فقد غمرته بالحنين وتضائل أمامه طول السلم والتواءه المزعج . فيدب في جسمه نشاطٌ رهيب ووهج عاطفي مثل ذلك الوهج الذي يحسه من أمه وهي تحتضنه كل مساء عندما يقبل بعد طول عناء ٍ تغسل يديه وتمسح وجهه ثم تمنحه ثلث النقود التي حصل عليها وهي تقول له :-

– ستكبر يا ولدي …أنت تبدو الآن كبيراً وسأشتري لك ساقاً
ويأخذه حلم جميل مثل طيف الشفق وهو يقول :-

– سألعب مع الكبار ..سأكون مثلهم في رمي الكرة سأضربها وسأتقرب للتي أحبها دون أن يهزأ بي الصغار الملعونين وهم يصرخون بيّ .
– أعرج .. هيه …أعرج
حتى أنهم كانوا يدفعونه للتسابق ولكن أي ساق ٍ يمكنها ان تلحق بهم وحتى وهو يلبس البنطلون ليخفي عيوب ساقه العرجاء . كان يكره ذلك البنطلون لان ثنياته تبدو بارزة وتفضحه أمام العيون . لقد أبتلع السنين ولازال يعد السنين سنة بعد سنة أخرى …كان صديقه يقول له دائماً

– اتكأ على كتفي …ماذا بك ؟ …حتى تراك الآن فانا اعرف انت تحبها .
لقد نفر من صديقه الوحيد السليم الساقين وكره نفسه وحتى أمه التي أنجبته أعرجاً . ولقد قالت له أمه مراراً وتكرارا وهي تمسح دموعه :-

– الأمر ليس بيدي يا ولدي …هكذا ولدت .
لقد تعلم البكاء الصامت وهو ينزوي داخل الغرفة وهو يطلق لدموعه العنان وعندما يأتي الليل تغازله غمامة رعناء وينزوي على طاولة بعيدة مفضلة عنده في إحدى زوايا الباب ثم يزداد ثمالة ( هيهات أن أثمل ) كان يشم رائحة النهر ورائحة السمك المشوي على ضفاف نهر دجلة فهو يتطلع دائماً للنجوم التي تدلت على شارع أبي نؤاس وكأنه يسبح في أضواءها وكلما كان يعبر الجسر كان لون الماء قريباً منه حتى عشق لون الماء وسيره المستمر على الجسر الممتد الى الضفة الأخرى فعند المساء كانت عيناه تتعلق بشباك ذلك البيت المتهرئ وهو يشم أبخرة ذلك الخبز الذي يتطاول انفه فيزداد تقرباً إلى الباب فهو عندما يريد أن يكشف عن حبه الشديد أليها وعلى طريقته الخاصة يذهب مدعياً انه يريد أن يشتري منها خبزاً …ربما هي تزدريه ولكن هزته تلك الابتسامة التي أسرته وعاشت معه في أحلامه يوماً بعد يوم حتى كبرت في داخله .. ربما هي صدفة فهو لا يعرف ولكنه سعيد بتلك الابتسامة وقد أحس بخجل شديد عندما وقفت على رأسه أمه تهدأه وتقول له :-

– نم يا ولدي وأطرد الشيطان من عقلك
قرر أن لا يذهب إلى ذلك الباب الذي ينسى فيه همومه اليومية وعشقه المكبوت في صدره وقف على ذلك الجسر الحديدي وكانت أصابعه تلامس سياج الجسر وكان يشعر بنعومة ذلك الحديد الصامت …

( ياه أنا أعرج ….سأعتصر هذه الساق النحيفة العوجاء وسأخنقها حتى الموت )

هو الان يتداعى انه يلتصق بعينيه على وجه الماء الازرق الذي يعشقه ابداً وأستدار نحو ساقه العرجاء :

– أنتِ بؤرة ألمي ؟
لقد تذكر وجه أمه الحنون الحزين , مسكينة تلك الأم ووجها المتغضن .

– من لها بعدي ؟ هل يطلع الفجر ثانية وانا أتصفح ساقي المعوجة انتِ يا أمي تخدرينني بالأمل …وأي أمل ٍ من هذا الرجل ذو الساق العرجاء؟
تقلصت عضلات جسمه ثم ترنح في الهواء واحس ان الماء الأزرق يدخل الى أمعاءه . انتفض بكل قواه رفع يديه الى لا شيء وقد اصبح صفراً ولما استفاق وهو لا يعرف كيف ومتى فقد أنقذه بعض الذين أبصروه وهو يرمي بنفسه من فوق الجسر ولما فتح عينيه رآها تقف مع امه المغرورقة عينيها بالدموع . كانت بمحاذاته تتفرس في وجهه بعينين جف دمعهما قبل قليل بينما أثار العجين لازال على ثوبها الأحمر وبين أصابعها يذكره انفه برائحة الخبز الذي طالما يعشقها وهي تجره الى حلم طويل يراوده بهذا العشق الذي ينتظره منذ أمدٍ بعيد ثم تطلع في ابتسامتها تكبر وتمسح على خده وشعره وهي تقول :-

– هل نسيت ؟ أن أرغفة الخبز تنتظرك ….فلا تنسى
وأحس أن هذه الابتسامة لها ثمن ثقيل لابد ان يحصل عليها في يوم من الأيام فهو الان رجل ينسى ان له ساقاً عرجــــــــــــــــــــــــاء .

لا تعليقات

اترك رد