المرأة العربية.. القانون والواقع – ج1


 

لقد عجز رواد النهضة عن تحقيق ما يرغبون فيه من تغيير في جذور مشكلة المرأة العربية وتحريرها من ثقافة بئيسة موروثة، إلا أن لهم الفضل في شق طريق صعب لم يستطع المثقفون العرب حتى اليوم تعبيده أو الإحاطة به كما يجب. فالمفكر العربي لا زال عاجزا عن تحديد شكل المجتمع الذي يريده، وعن الإحاطة بالمكونات الأساسية لثقافة هذا المجتمع التي بموجبها نستطيع بناء الإنسان العربي.

في نهاية القرن الماضي، أصبح موضوع وقضية المرأة وإصلاح وضعيتها قضية أساسية في المجتمع العربي. لكن رغم هذا الإهتمام ورغم جل القوانين التي سنت، وعلى الرغم من المكتسبات التي نالتها المرأة لم تغير الواقع تماما . فالمرأة ما زالت تعاني في صمت من عوامل تهمشها وتضيع حقوقها، وذلك بتأثير بعض القوانين والموروث الاجتماعي والفهم والتأويلات الخاطئة للنصوص الدينية.

فنمط التفكير التقليدي مازال مسيطرا على الذهنيات العربية، التي لم تستطع تجاوز الهواجس التقليدية القديمة في النظر إلى قضايا المرأة، وطرح قضاياها بشكل جريء وعادل، لأن الواقع يقول أن أوضاعها لم تشهد تغيرا منذ زمن.

لقد استفاد المجتمع العربي من الثقافة الغربية في بعض جوانبها لكنه لم يستطع الانسلاخ تماما عن الأعراف والتقاليد التي تكبل المرأة وتشل حركة سيرها إلى الأمام. فنحن بحاجة إلى أن نمزج فردية الغرب بعائلية الشرق، ونحفظ علاقة الأسرة مع قوة شخصية الفرد، وننمي مسؤولية الفرد مع بقاء عاطفة الأخوة والمحبة التي تطبع المجتمع الشرقي، أي نبصم على طريقتنا الخاصة في التعامل مع الواقع من خلال ثقافتنا وهويتنا.

فرغم التقدم الحاصل والإمكانات في بعض الدول العربية إلا أن الفجوة بين النظرية والتطبيق والقوانين الموضوعة تتسع في الأمور السلبية، بمعنى أن ما يفرضه القانون تأخذه التقاليد مما يعيق إمكانية إصلاح حال وواقع المرأة العربية المعاصرة.

فمن الناحية الدستورية (نظريا) نجد الرجل والمرأة على قدم المساواة، ومن حيث التطبيق ما يزال الفرق شاسعا بينهما. رغم أن القانون ينص على المساواة الإنسانية بين المرأة والرجل وعدم التمييز بينهما على أساس النوع الاجتماعي. وتضمن للمرأة كما للرجل جميع الفرص للمساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ولكن هذه القوانين غير متاحة إلا على الورق وفي الكتب والندوات والملتقيات المحسوبة على الفكر.

كما أنه لا يليق بنا بوصفنا مجتمع دو تراث عريق ومنهج ديني مستنير، أن نبني مرجعياتنا القانونية والاجتماعية والفكرية على المواثيق الدولية فقط. فالمجتمع العربي-الإسلامي ليس بحاجة إلى مواثيق دولية لإصلاح وضع المرأة، لو أحسن الإفادة من المنهج الاجتماعي للدين الإسلامي.

الحديث عن المرأة يوحي بوجود وضع غير عادل وغير إنساني تعاني منه المرأة، وهذا الوضع يتعلق بموقعها الإنساني أو بمركزها الحقوقي أو بهما معا. فالمرأة حرة من الناحية القانونية النظرية، لكنها في الواقع حرية غير محققة لعدم الاعتراف بكرامتها المطلقة وبشخصيتها الإنسانية المكافئة للرجل. إن ما تعرضت وما تتعرض لـه المرأة العربية من انتقاص في الحقوق، ليس نتيجة نظرة الدين، بل هو نتيجة الفهم والتأويل الخاطئ الذي يخدم مصالح بعض نخب السلطة السياسية.

فدفاعنا عن المرأة في طبيعته ناشىء من الواقع السيىء الذي تعيشه المرأة في أجواء التقاليد والعادات المتخلفة التي تضطهد إنسانيتها وتعاملها كما لو كانت مجرد شيء من أشياء الرجل التي صنعت للاستمتاع، من دون أن يكون لها أي دور فاعل في الحياة.

حتى دورها كأم و رسالتها الإنسانية لا ينظر إليها من قبل المجتمع العربي إلا في دائرة الخدمة التي تؤديها لأولادها بعيدا عن عملية التوعية والتربية والتوجيه. وهكذا تمتد الإشكالية في التقليد الاجتماعي، لتشل حركتها وتجعلها الإنسان المقهور الذي لا يعيش استقلال إرادته بل ظل للآخرين، وأداة استهلاكية لحاجاتهم وغرائزهم، فنحن بحاجة إلى تغيير يختزن في داخله حركة حرية الإنسان ليكون جزءا من تحرير الإنسان الذي تضطهد إنسانيته. ولتعود المرأة إنسانا صاحبة رسالة، تضيف إلى الحياة شيئا جديدا.

لا تعليقات

اترك رد