تنابلة السلطان


 

تنابلة جمع تمبل tembel و هي كلمة تركية معناها كسول ، أما تنابلة السلطان فهم طبقة من ذوي و ذوات الكروش المتهدلة و الذين لا حاجة لأحد بهم ، المتسكعين في ممرات و مطابخ و حمامات البايتخت ( قصر السلطان ) ، هذا قريب هذا و ذاك نسيب ذاك ، تناسلوا و تكاثروا في القصر و صاروا يشكلون تهديداً فعلياً لميزانية السلطان ، و يروى أن أحد السلاطين كان يتعثر بهم و هم يفترشون ممرات قصره لا يقوون حتى على نش الذباب الحائم حول وجوههم فأمر في نهاية المطاف حوذي القصر أن يحشرهم جميعاً في عربة و يلقي بهم في عرض البحر ، و لشدة كسلهم لم يعترضوا و لم يدافعوا عن أنفسهم ، سار بهم الحوذي وفي الطريق استوقفه صاحب فرن للخبز وهو رجل صالح سأله عن اكوام اللحم التي تترجرج داخل عربته فأخبره بالقصة ، رق قلبه و حزن لمصيرهم فاقترح عليهم أن يعيشوا في فرنه ينقعون الخبز اليابس في آنية ماء و يأكلونه . استغرق التنابلة بعض الوقت في التفكير بالمقترح قبل أن يلتفت كبيرهم الى الرجل ليسأله : هل التنقيع “علينا أم عليكم ” ؟ قال الرجل : أنا أعطيكم الخبز مجاناً و ما عليكم الا نقعه بالماء و ابتلاعه ، قال التمبل أعرف ، لكن من ينقع الخبز نحن أم أنتم ؟ قال أنتم طبعاً . التفت التمبل إلى الحوذي و قال : تابع طريقك يا عزيزي الحوذي !
ترى كم تمبل رسمي مسجل على قوائم الرواتب العراقية في بلاط البايتخت و كم تكلف استضافتهم ميزانية البلد ؟
عدد اعضاء مجلس النواب 328 عضواً ، راتب العضو 12 مليون دينار ، حمايات رئيس السلطة التشريعية يتجاوز عديدها 100 عنصر وحماية كل من نائبيه 30 عنصرا و أعداد اخرى لكل نائب تصرف رواتبهم للنائب وبذلك يستطيع الإكتفاء حتى بعنصر واحد لو اراد و يحتفظ برواتب الآخرين ، راتب عنصر الحماية الواحد 915,000 دينارا أي أن مجموع رواتب حمايات النائب الواحد 27,450,000 مليون شهرياً ، النائب لا يصرف شيئاً من راتبه فلكل نائب خدمات مجانية تبدأ من ورق الإستنساخ و خدمة الواي فاي و لا تنتهي بمخصصات السكن و الملابس و الإيفاد و الطعام و العلاج (في الخارج طبعاً) ، نائب عراقي زرع شعر رأسه كما قيل ب15 مليون دينار و هو مبلغ تافه قياساً ب 59 مليون أصلح بها نائب آخر بواسيره ، النائبة عالية نصيف ذكرت في لقاء تلفزيوني أن مبلغ 9 مليون دولار صرف للنائبات كمخصصات ” فوط نسائية ” رغم أن أغلبهن تجاوز سن اليأس ، يتقاضى النائب خمسة ملايين إستحقاقات ( لا أدري عن ماذا ) ، و خمسة أخرى مخصصات إستثنائية ( لا أدري عن ماذا ) و 2,900,000 مليون مخصصات ضيافة أي أن نوابنا المحترمين يكلفوننا ما مجموعه 31,706,666 مليون دينار في اليوم الواحد للشاي و النستلة و البسكويت أي ما يقرب من مئة مليون دينار في الشهر ، يتقاضى النائب ثلاثة ملايين دينار بدل إيجار لكن أحد النواب كاد يبكي في لقاء تلفزيوني لأنه يدفع 50 ألف دولار بدل إيجار قصره فما تصنع الملايين الثلاثة ، للنائب 50 ألف دولار لشراء سيارات أي أن سيارات النواب و رئيسهم و نوابه تكلفنا ما يقرب من عشرين مليون دولار ، مخصصات إيفاد السيد النائب 350 دولارا في الليلة الواحدة كمصرف جيب فقط ، حج النائب الى بيت الله يدرج في خانة الإيفاد و هذا العام كلفنا ( إيفاد ) رئيس هيئة الحج مع بطانة من 487 موظفاً مبلغ 6 مليارات دينار . مصاريف مجالس المحافظات لا يمكن حسابها بالمفرد فلنستعرض الإجمالي : مجموع مقاعد مجالس المحافظات 447 مقعداً يصل مجموع رواتبهم و مخصصاتهم الى مليار و نصف المليار دينار يضاف لها نصف مليون دينار لكل منهم للشاي و الحامض تحت بند ( مخصصات ضيافة ) و نصف مليون للبنزين (عجلتان لكل عضو ) و لكل عضو حوالي 20 مليون مخصصات حماية يفترض أن توزع على 20 عنصراً ، اذا وزعت فهي لأقارب العضو المعينين كعناصر حماية و الا فهي له و يتذكر العراقيون مخصصات ” مَحْرَم ” طالبت بها ذات مرة عضوات مجلس إحدى المحافظات حيث لا يمكنهن الذهاب في إيفاد بدون محرم . لم نتحدث عن الفضائيين في كل المؤسسات العسكرية و المدنية ولم نتحدث عن رواتب الرئاسات الثلاث و نوابهم و حماياتهم و الوزراء الذين ينظم السابقون منهم الى نادي المستشارين ” للإستفادة من خبراتهم ” حيث يتقاضون راتب مستشار إضافة لرواتبهم التقاعدية ، لم نتحدث عن المنافع الاجتماعية و هي جهة صرف استحدثت بعد الإحتلال تصرف للرئاسات الثلاث ( الرئيس و نوابه و رئيس البرلمان و نوابه و رئيس الوزراء و نوابه ) يفترض أن تصرف لمواطنين متضررين أو مرضى لا يقدرون على تحمل تكاليف العلاج يطرقون أبواب هذه الجهات ، قالت نائبة أنها بلغت نحو 831 مليون دولار لا أحد يعرف أين و كيف و متى صرفت .
مجلس الوزراء قرر خفض مخصصات الدرجات العليا وموظفي الرئاسات الثلاث و قال ان القرار من اختصاصه حسب الدستور والقانون ولا يحتاج لمصادقة مجلس النواب محملاً وزارة المالية المسؤولية القانونية في حال مخالفتها القرار الملزم ، و مع ذلك لم يحتمل مجلس النواب أكثر من 60 يوماً من تطبيق هذا القرار فقاموا بحملة جمع تواقيع لاسترداد ما استقطع من رواتبهم ، لم تتحمل وزارة المالية المسؤولية القانونية التي ذكّرها بها مجلس الوزراء و لم يسائلها المجلس بدوره .
ماذا بعد ؟
بموجب قانون الأحزاب ستتقاضى الاحزاب الفائزة و الخاسرة أيضاً ” معونة مالية ” و بحسب بعض المصادر فإن الأحزاب و بعض المؤسسات الاخرى كدواوين الاوقاف ومكاتب المفتشين العامين وهيئة النزاهه ..الخ تتقاسم 10 % من الايرادات النفطيه أي ما يقرب من 5 مليار دولار ، وتحصل هيئة الإستثمار على 200 مليون دولار لا ندري أين تستثمرها و تتقاضى كليات الوقف الشيعي و السني 30 مليون دولار لتخرّج لنا نوعين من رجال الدين كل مهمتهم إشعال الحرائق بتحريض أتباعهم ضد أتباع الآخرين
ماذا بعد ؟ لم نتكلم عن رواتب رفحا و ما أدراك ما رفحا ، لم نتكلم عن الصفقات و المقاولات و التسليح و… نتكلم الآن فقط عن تنابلة السلطان .
حباً بالله .. ماحاجتنا لكل هؤلاء و البلد يسير بقدرة قادر ؟ ما نفع 447 عضو مجلس محافظة ندفع لهم مليار و نصف المليار دينار شهرياً في محافظات تُطاولُ أكوامُ القمامةِ فيها أبراجَ الكهرباء الباردة ؟ هل يموت الجندي في قتال داعش و تعيش أمه من بعده في مكب النفايات فقط من أجل أن ندفع فاتورة بواسير نائب او فوطة نائبة ؟ حباً بالله .. أما من حوذي شريف يثور على بايتخت السلطان فيجمع كل تنابلتة و يفرغها بعيداً عنا ؟

شارك
المقال السابقرسالة الى الله
المقال التالىالشاعر والسياسي
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد