كيف تصنع جاهلا؟ – ج8


 

يمضي في طريقه الإلهي المرسوم مسبقا في اللوح المحفوظ!، حيث أنه مُعين قدريا على كوكب الأرض بأن ينطق بكلام الله عز وجل – لأنه من أهل الذكر – ومن ثم له كل الحق بحكم وظيفته في أن يفسره بما يفتح الله عليه من علم، ويفتي بين الناس بحكم أنه عالما من علماء الأزهر الشريف!.

والسؤال الذي يكشف عن منطق الدولة المصرية قديما وحديثا في ضم مؤسسة الأزهر ضمن مؤسساتها واعتبارها كيانا يمثل الإسلام الرسمي على الرغم من أنهم يدعو إستقلالها، ومن ثم استخدامها سياسيا.. هو كيف لهذا “الشيخ /العالم” أن يُعينه الله على خلقه – ضمنيا وكما يعتقدون- ناطقا بكلامه ولا تُعينه الدولة شيخا ناطقا أيضا بكلمتها هي الأخرى؟.

حيث أن الحاكم هو الآخر – وبطبيعة حال الأفكار التجهيلية العتيقة – مُعينا تعينا قدري الوجود، وتحفظه عناية السماء على الأرض،وتجري على لسانه قرارات سياسية مصيرية أرادها الله في الأزللتحقق مشيئته!، لذلك لا يعوق “الشيخ الأزهري” الخروج على الشعب المصري – أو على العالم بالأحرى – عبر وسائل الإعلام المتعددة في أي وقت ويتحدث في أي موضوع دون أن يعلق على كلامه أحدا أو يسأله حتى عن تخصصه – لا سمح الله – وكيف لأحدأن يناقش أو يجادل حضره “الشيخ العالم”؟!، فقانون إزدراء الأديان يقف على الأفواه بالمرصاد لكل من تغويه نفسه وينتقد الخطاب الديني للشيوخ أو يدخل معهم في جدل عفوي بسيط أو علميعقلاني أراد التحرر من نمط خطاب وفقه الأوليين الماضوي الذي يتنافى حضاريا مع ما وصلت إليه الإنسانية، ويطمح في تفعيل فلسلفة الدين بين عوام الخلق. والإجابة على السؤال المستفز الذي يدور في رأسك – يا عزيزي – الآن هي.. نعم الجهل هو الصانع الأول للسُلطة.. هكذا قولا واحدا.

والأمر يخرج من الحدود المصرية وليس منغلقا عليها فقط، فأغلب الدول العربية تتخذ من مؤسسة ما ركيزة دينية تحمل صفات الأزهر وتمنحها سلطته داخل حدودها لتتكئ عليها لتمرر ما هو سياسي خلالها، فالدين بشكل عام – على المستوى الأيدولوجي وباعتباره مكون رئيسي من مكونات الشعوب الثقافية – والإسلام بشكل خاص يتشتت عبر الإحالات والإستمالات ويتقنع في أشكال مختلفة بهذه الممارسات.

ولولا التشزرم الديني الإقليمي المنعكس والمحقق على ما تدعيه الدول بأنها تنتمي لمنهجية إسلامية صحيحة، ماكان لمأساة”الجهل” أي وجود واقعي، وعلى جانب آخر تكون المذاهب الدينية”مرحلة تأسلم المتأسلم” متعددة الفلسفات والطقوس والمزاج السياسي داخل الإطار الجغرافي للدولة الواحدة على أسس مخالفة للدين الإسلامي الرسمي للدولة بطبيعة الحال، أو بمعنى آخر لولا إنها خالفت صحيح الدين الرسمي ووحدته وفلسفته ماكانت هي!.

فكل تلك التمزقات ساهمت في رسم خرائط متعددة للإسلام ونفت عن الخارجين عنها في حالات كثيرة عن الدين والملة وكفرته على المستوى الديني، وجاز إتهامهم بالعمالة أو الخيانة على المستوى السياسي، فظاهرة “الإسلام المطاطي” تلك هي المسؤول الأول في تجهيل المسلم للإسلام، وخلق الصراع “الديني / السياسي” في المنطقة العربية برعاية رجال الدين ورجال الساسه.

والأمثلة على هذا التمزق كثيرة وتطفو على سطح العالم العربي، فالوهابية المتمثلة في المملكة السعودية – مثلا – بكل ما تحمل منهجيتها الوهابية من عنف ودموية موروثة تتهم الشيعة المتمثلة في إيران بنفس الإتهامات!، ويدور بينهم صراع ديني سياسي عسكري على أرض اليمن، والعراق، وسوريا، و…، فالمراقب الذي يقف على مسافة واحدة بين أطراف الصراع يرى أن المذهبين لا يختلفوا – كما يبدو في الواقع – في دمويتهم وعنفهم!.

وهذا الحديث لا يمس من قريب أو من بعيد قناعات الشعوب بما تتبعه وتعتنقه من إختيار ديني أو مذهبي فطبيعة سلسلة “كيف تصنع جاهلا؟” محاولة لفهم آليات الجهل التي تخلقها الأنظمة السياسية بإقحام ما هو ديني في ما هو سياسي محض مستغلة عاطفة الشعوب لتحقيق مكاسبها.

وما سبق ذكره أعتقد أنه يكاد يفسر بعدا من أبعاد ظاهرة الربيع العربي وفكرة تفتت الدول العربية من الداخل قبل موجة الثورات الشعبية التي غزت المنطقة العربية، والتي كانت تأمل في أن تسترد حريتها، والتي تحولت بسرعة فائقة إلى حروب خلفت ورائها محو مدن عربية بأكملها.

لا تعليقات

اترك رد