أحزان القمر .. تراجيديا وطن

 

مثل غيره من القاصّين ، يحاول ان يؤكد يوميات زمن مقيت عاشها وتركت انطباعاتها في ذاكرة حزّتها الاحداث المأساوية التي ادمنها ( عبدالرضا المادح ) في مجموعته القصصية ( احزان القمر ) التي شكلت انتماء حيّا لتلك الروح العراقية الحالمة بفسحة أمل علّها تنقذ ، ما بقي من فكر انساني يهدهد أوجاعه ، فلم يكُ هنالك خلاص ٌ منها إلا بتدوينها للأجيال القادمة علهم يجدون فيها ضالتهم ، والدرس الذي لا يمكنهم ان يقعوا فيه ،
في ، قصة ( 8 شباط ) : نجد القاصَّ يركّز على البطل الذي اطلق شاربيه وحرص على العناية بهما ، الى درجة الافراط انه كان يغسلهما بالشامبو بعد كل وجبة طعام ، هنا اشارة الى رجل الامن او المخابرات الذي عرف عنهم انهم يهتمون بالشارب وإطلاقه دلالة منهم الى ما اشرنا له ، ولما يكسبه الشارب من علامة فارقة على الوجه من تجهّم وقسوة وظلامية وخشونة ، وهم يتتبعون أثر حياة المواطنين في كل شاردة وواردة ، يصطادون ما يصدر منهم من أخطاء تجاه الثورة والحزب الحاكم ، أو يدفعونهم الى الاهداف التعبوية التي يرغب بها القائد الضرورة والحزب انذاك ، ليزجوهم في أتون الحرب التي لم تترك أثرها إلا والمقابر تشهد بذا ، انه بطش دفاتر الرقابة الامنية المخابراتية الصارمة من أجل الوصول الى سدّ ثغرة النقص التي يعاني منها اكثر من انخرط في هذه المؤسسات الأمنية والمخابراتية : ( أطلق شاربيه وحر على تقليمهما وتسريحهما امام المرآة غير مرة ، حتى صارتا تشبهان الرقم ثمانية 8 .
كان يغسلهما بالشامبو بعد كل وجبة طعام ، ليزيل ما علق بهما من طعام ومخاط ونيكوتين ، ولكي يجعلهما أكثر بهاء كان يمسدهما بكريم الشعر ليزيدهما بريقا ً.
حمل دفتره الصغير وانطلق في صولة جديدة في ازقة المحلة يبحث عن فرائسه ، ليزجها في الجيش الشعبي دفاعا عن الوطن والقائد الضرورة .
امتلأ الدفتر وخلت الطرقات من الشبان مع كل خطوة كان يردد مع نفسه ، لم يفلت من يدي إلا الخونة اعداء الثورة الذين اختفوا وكأن الارض ابتلعتهم ! )ص 7
بينما في ، إدلر والقمر : يعمد القاص ( المادح ) الى استرجاع الاحداث المحرّضة على السأم والملل الحياتي التي يواجهها اكثر ابناء الشعب العراقي ، وخلال سنوات منصرمة عجاف ، محاولا تقليل الضغط النفسي / أزمة المعاناة الداخلية المكبوتة بترهلات خانقة .
لقد شكّلت لديه هذه القصة فسحة للخروج مما هو به ، فإدلر المدينة الروسية ومصيفها الواقع على البحر الاسود ، كانت تلقي بظلالها عليه ، فجمال الطبيعة حيث الاشجار والأزهار وصفاء الجوّ ، وسحر البحر وأمواجه المتلاطمة بالأجساد التي اندست فيه ، وهي تشبق هذا الجنون ، بتعارف مع احدى السائحات على الشاطئ والأحاديث المتبادلة التي ما انفكت إلا ومشاعرهما تمتد الى مبنى الفندق الي نزلا فيه ، أنها تسجيلية تنمّ عن أفق يتسع مع الروح الهائمة بالجمال والطبيعة .
هذه اللحظات المكثّفة التي سرعان ما تلاشت بـ : ( فزّ من نومه غارقاً بعرق جسده على اثر انقطاع الكهرباء في عز الصيف الحارق ، اختنق برطوبة الجوّالساخن ، خرجت زفرة من اعماق روحه على شكل صرخة مكتومة :
– اعيدوني الى الجنة . ) ص 13

لم ارَ في أسلوبه سخرية أو تهكم البتة ، إنما وجع واقع جعله يقاسي نوبات غضب وسخط وتذمّر ، فالواقع شيء والحلم شيء آخر ، نلجأ اليه حينما نتعرض للضغط النفسيّلواقع مرير وجافّ ، حينما يكون المستحيل ضدنا ، نفرغ ما في جعبتنا من همٍّ ثقيل بقارورة حلم ٍ صغيرة .. علها تكون الجنة التي سلب منها قسراً ، فلم يمتلك بعد ذلك وسائل العودة اليها ، سوى انه متقبّل لما وقع به .
في ، الرضعة الأخيرة : يحاول القاصّ أن يدخل في بيوتنا بأسلوبٍ يسلط فيه الضوء على المشكلات الحياتية البسيطة التي تتحوّل الى كومةٍ معاناةٍ متأزمةٍ ، أزمة بيتيّة من نقطة الفراغ ولدت ، الحاجة الى ( الماء ) الذي هو سرّ الحياة وديمومتها تحوّل الى أداة تحريضية ، نتائجها ( الموت ) ، الزوجة تطلب من زوجها جلب الماء ، لأن الأطفال عطشى ولابنتها الرضيعة بسبب ما يتعرض له البلد من حرب ودمار وانقطاع وصول الماء الى البيوتات ، الأب يحاول تلبية لنداء زوجته مكرها ، لأنه قد لا يعود سالماً ، بسبب القصف والقذائف التي تتساقط على المدينة ، والتي لم تفرق بين الانسان والحيوان ، هذا ما اشار اليه القاصّ كنوع من التشاركية : ( خرج حاملا سطلاً فارغا وهو يتمتم بعصبية وبكلمات غير مفهومة تشبه الهذيان ، سار في الزقاق ببطء متخذا من الجدران المتشققة حاجزا ترابيا ، وحشة المكان زادت من توتره ، سمع ازيز قذيفة مرت من فوقه ، كوّر جسده كالقنفذ الى اسفل جدار ، مرّ بقربه كلب يركض مرعوبا العصافير تطايرت باتجاهات مختلفة كأنها شظايا ، سمع صوت الانفجار البعيد نسبياً ) ص 15

لم يكُ البطل ذا حظ وافر ، فجهوده في الحصول على الماء سرعان ما ذهب ادراج الريح ،فالماء ولى هاربا من ( السطل ) من خلال ثقبٍ في القعر ، ليضع القاصّ حوارية ختمت بمشهد مأساوي : ( اختلط صراخهما ببكاء الاطفال ، مشهد طغى على ازيز قذيفة أخرى ، خطفت يده سكينة ، لتنغرس تحت نهدها الذابل ، صرخت وارتمت الى الخلف ، تمدد جسدها الى جانب رضيعها ، القت عيناها بعينيه المتوسلتين …. ) ص 16
أما في ، الطنطل : تصوير عن التمسك بالخيال والخرافة والأساطير وعدم الخروج من نطاق تأثراتها علينا ، فالانفتاح – كما يصفه القاصّ – : ( احداث يومية يومية تعيد نفسها في حلقة مغلقة من الزمان ، تستعصي الانفتاح على مستجدات الحياة . ) ص 18
حديث طفولي دار عن سبب اختفاء جهاز التلفاز من مكانه ، وإذا / بالحديث يتحوّل الى وصف الكائن الخرافي ( الطنطل ) وتشبّث العقل الطفولي بهذا الشيء : ( – طويل القامة .. يصل طوله احيانا أعلى من نخلة ، له يدان طويلتان ، اذنان كبيرتان ،انف طويل ، ويقال انه يرق الاطفال من الازقة في الليل ويختفي بلمح البصر … ! ) ص 18
على الرغم من الحداثة والتطوّر في مجالات الحياة إلا اننا ما زلنا نعيش في العصر الطفولي ، فما بين جهاز التلفاز وبين الطنطل جدلية يضعنا القاصّ أمامها ، بين التطوّر وبين البقاء رهين الخرافة والخيال وعدم الانسلاخ منها ، إنها سذاجة من يربط فكره يقع فريسة سهلة في ظل التطوّر .
القصّة فيها روح تندّر ودعابة وسخرية واضحة الطرح ، إضافةً الى ميول القاصّ الى زجّ العاميّة فيها : ( – اوصفه لنا .. ! / – أثول … ) ليكسبها روحاً تحاكي الحدث .
في ، إنعاكاسات : نقف امام رؤية اخرى للحياة ، رؤية المتناقضات التي تثير فينا الضحك والسخرية مما نحن فيه ، المرايا التي ابتاعها بطل القصّة ، وبإشكالها المتخلفة انعكاسيا ، وضعته في مواقف مختلفة : ( وقف امام المرآة الاولى فانفجر ضاحكا ،جسم نحيف طويل ، كعمود كهرباء ، أنف طويل كموزة بنية اللون ، اذنان استطالتا …. ) ص 21
بينما ينظر الى المرآة الثانية ، ليجد نفسه يتحوّل الى : ( جسد مضغوط بكرش كبير متهدّل الى قدمين قصيرتين ، انف مفلطح عرضه اكثر من طوله وأذنان اشبه بأذني فيل . ) ص 22

عند الثالثة : ( الجسد متموّج ، الرأس مضغوط ، الصدر ممطوط ، البطن قصيرة ، منطقة العجز طويلة والقدمان قصيرتان . ) ص 22

المرآة الرابعة : ( جسد مكوّر ككرة برأس دبوس ، سقط على الارض مغشيا عليه من شدّة الضحك . ) ص 22

عندها ندرك ان القاصّ يحاول ان يوصلنا الى ان هذا الاشكال والمتناقضات لن تغيير من حتمية الفناء والموت ، الحياة عبارة عن اشكال مختلفة تغرينا أحيانا وتضحكنا وتسلينا وتدخل الفرح تارة اخرى ، لكنها لا تشكّل لنا مفرّاً من نهاية الموت ، لأنه واقع لا محالة : (استهوته اللعبة حتى انقطع عن العالم ليغرق في امواج ضحكه كل يوم ، …… في المرة الأخيرة افاق من غيبوبته بقميص ابيض بلا اذرع ، يضايقه ويمنعه من الحركة ، حّق بعينين مرعوبتين ، غرباء بملابس بيضاء ، اراد ان يضحك فلم يجد المرايا . ) ص 22

في ثوب الخلود : نتشبّث بخيوط الأمل ، بالبحث عن العشبة التي تمنحنا الخلودوالحياة الابدية ، ذلك الخيال اللطيف الذي ساقه الينا كلكامش في رحلته ومحاولته الحصول على عشبة الخلود ، إلا إن ( الحيّة ) استطاعت أن تسرقها منه ، وبذا كان لها البقاء : ( – أنت يا كلكامش العظيم ، كيف سمحت للحية أن تسرق العشبة من يديك! ؟ واصبحت تجدد شبابها كلما شعرت بالشيخوخة تزحف نحوها .
– آه .. ماذا لو عثرت على جلدها وصنعت منه ثوبا لي ، ربما يمنحني الخلود !؟ ) ص 23
إن القاصّ يحاول أن يزجّ ما نقرأه في تراثنا وموروثنا الأدبي عن عشبة كلكامش ، ليؤكد ان فكرة الحياة والموت ، غير مناطة بالعشبة بقدر ما ان الكون كله يتبع لنظام متكامل ،النهايات الحزينة ، هي التي تحرّضنا عن البحث للهروب ، مما قد يجعلنا فريسة سهلة للانقضاض .
أما في ، جليد الاوهام : فيسلط القاص الضوء على معاناة حقيقة تعرض لها اكثر الهاربين من سطوة الحروب والدمار ، وانغماس الانسان العربي في بودقتها ، مما شكلت محرّضا قويا على الهجرة والغربة ، دون الاكتراث الى ما يتعرضون له خلال رحلتهم القاسية المبهمة ، في وسط المخيمات التي تمّ احتجازهم فيها بدأت انطلاقة السؤال عما يخبّئه له المستقبل من مفاجآت ، الاخبار والمتناقلة تثير القلق والتشويش ، فالأحداث يوما بعد يوم تتأزم دون انفراج ، لكن ما استوقفتني هذه الحوارية البسيطة التي حملت هماً كبيراً كان متنفّساً لآلامنا وأحزاننا ، أن الانسان بلا وطن لا قيمة له ، : ( في لحظات الوداع قال لصديقه بإصرار :
– لن اعود أبدا ً لوطن أذلني وأساء لكرامتي .
– لا تتسرع إنه حكم مشاعر ملتهبة .
بعد نصف عام التقيا في مدينة صغيرة وسط غابة ، فوجه وحيدا حزينا مهموما ، لا يعرفه حتى الجيران .

– أكرع همومي ، من كأس الغربة كل ليلة ، فلا أشعر بالدفء ، تجترني ذكرياتي ويؤرقني الحنين ..
– آه .. يا وطني . ) ص 29
القاصّ ( المادح ) في مجموعته القصصية ( احزان القمر ) يركّز على يومياتِ إنسان تجرّع المرارة والغربة والقهر والموت ، دون ان يلذّ بلحظات تنعشُ ذاكرته بحياة هانئة وارفة ،فجاءت قصصه ، بسرد توافق مع ما يحاول ان يوصله الينا ، بلغة سهلة واضحة المعالم ،بعيدة عن التكلّف والاصطناع ، لم نجده يميل الى زجّ اللهجة العامية فيها إلا ما ندر هنا وهناك ، لأنه كان حريصاً على ايصال ما يفكر به للآخر .

………………………………………………..
• عبدالرضا المادح : قاصّ تولد البصرة 1955 ، ماجستير تكنولجيا المكائن ، له : درب التبانة / مجموعة قصصية 2010 ، احزان القمر / مجموعة قصصية ، نشر العديد من القصص والمقالات في الصحف والمواقع الالكترونية .
• أحزان القمر : عبدالرضا المادح ، مجموعة قصصية صادرة عن دار فيشون ميدياللنشر – السويد – فكشو ، الطبعة الاولى 2013 .

شارك
المقال السابقنهب الأموال والممتلكات
المقال التالىالجهل آفة الحضارات وصانع نهايتها !!
حامد عبدالحسين حميدي .. شاعر وناقد عراقي من مواليد 1969 العراق - العمارة . حاصل الجامعة المستنصرية - كلية الاداب - قسم اللغة العربية ، تخرج فيها 1992/ 1993. يعمل مدرساً للغة العربية . عضو اتحاد الادباء والكتاب في العراق / المركز العام . عضو اتحاد الادباء والكتاب في ميسان . عضو البيت الثقافي العربي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد