جنوح

 
لوحة للفنانة هناء بكتاش

تابعت سيرها في الاتجاه الذي كانت تمضي اليه… مرتدية تلك الابتسامة الصفراء ، عانقتها الريح هامسة … الايام حبلى… تصدعت انفاسها لحظة ارتطامها بتلك القضبان معصوبة العينين مغلولة اليدين تنتظر ذاك المحقق الذي تعودت ان تراه عند كلقضية تُتهم بها . دخلت غرفة التحقيق .. تطاير العَصبُ أثر الصفعة التي تلقتها . جلست وقد سال الدم من فمها من تلك الشفاه المكتنزة التي لطالما حاول تقبيلها عبثا.. رافضة أياه تدفعه سدى وهو يبتسم سانال منك يوما … كانت ضعيفة البُنية .. كيف لفتاة مثلها ان تحاول التملص منه..؟ هو طويل القامة مفتول العضلات وحش لا تستأنس له دواب البر .. هذا ما جعله سببا منأسباب قبوله بتلك الوظيفة. فكيف بتلك الفتاة..! ما إسمك..؟ إسمي ؟ ألم ألم يدون أمامك..؟ تلقت صفعة ثانية وهي تردد اسمها .. إسمي نور تأريخ ميلادي نسيته يوم وضعتني أمي وماتت لحظة الولادة ولم تعرف بأنها ستكون أُما لو لم تمت …
أخذتني احدى قريباتها كانت عاقرا لم ترزق الا ببضع خيبات أمل.. اما والدي لا اعرف عنه شىء سوى اسمه… كمال ترك والدتي التي لم يتزوجها حين عرف بأنها حامل . أعيش مع قريبتها التي اصبحتُ أمي مُذ ولدت . نعيش وكما تعلم في منطقة شعبية والحال من بعضه كلنا معدمي الحال نعيش بما نكسبه من صدقات حيث نتسول .. وماذا بعد…؟ هل لك صلة بحازم وزمرته..؟ من حازم ..؟ لا اعرف احدا بهذا الاسم. صدقني كل ما اعرفه هو انني انهض صباحا لأخرج الى الشارع لأجمع المال.. أمي انسانة مقعدة لا تقوى على الوقوف منذ فترة طويلة تعرضت لحادث سيارة جعلها مشلولة تكلمي لا دخل لي بهذه الترهات تكلمي والصفعات تأتيها من كل حدب وصوب . تنهمر دموعها تتماهى بالدم وعرق وجهها المالح كأنها خلطة اختص بها وجوه المظلومين أولئك الذين لا حول لهم ولا قوة… سوى التضرع للرب ان يسخر عباده عليهم بقطعة نقود او بضعة لقيمات… ساد الصمت برهة وهي تحاول مسح دموعها بتلك الخرق التي ترتديها.
– علمت بأنك ومجموعة تخرجون صباحا مرتجلين من سيارة بيضاء يقودها سائق كبير السن ادرد وشعره أشعث هل تعلمين منهو وما اسمه..؟
– نعم حسن . قالوا لي ان ادعوه حسن اقصد من برفقتي .. هو المسؤول عن ايصالنا الى تلك الأزقة الخربة مقابل القليل من النقود . هو ايضا رجل فقير سيدي . تلك الغرف الظلمة الرطبة العفنة. نفترش الارض المغطاة بصناديق الكرتون … نغتسل كل شهر ونرتدي هذه الخرق التي تراها لكنه في الآونة الاخيرة لم يفتك ان يأخذ كل ما نجمعه ويعطي كل منا كما يقول ماتستحقون.. هذا كل ما اعرفه سيدي
– ………………………..
كانت نور سمراء حمراء كأنها غجرية أتت من بلاد بعيدة وتلك العيون الغائرة تسحر الناظر بالرغم من رائحتها الكريهة . سأدعك تذهبين الان … لم ينته التحقيق بعد… خرجت وبعد ان اطمأنت رمقته بنظرة اشمئزاز بالرغم مما لاقته من صفعات … كان يوما شاقا لها
رغم تكرار تلك التحقيقات لم يصل ذاك المحقق لشىء يدله على حازم .. كانت تراوده الشكوك حول نور والزمرة التي تتسول معها وحسن… تململت نور من نومها على طرقات صوت الباب استيقظي يا نور …. حسن ينتظرنا لا أستطيع النهوض من السرير وشرائف الحرير تلك وسادة ريش النعام هذه كانني اطفو في بحر عائم في بقعة من هذا العالم. ألا يحق لنا عزيزتي…؟ لناخرج الْيَوْمَ.. دعيني وشأني.. كان حسن شديد الغضب … من تكون لانتظرها نصف ساعة .. الويل لها سأعلمها درسا غدا .. من تظن نفسها تلك الغجرية الماجنة..! استيقظت نور عند الواحدة ظهرا لم تقو على حمل جسدها متثائبة .. كم هو مريح ذاك السرير… ووسادته. كأن حلما سيتحقق يوما. …
كانت تتوق لتغير حياتها ذات يوم قريب وتكون سيدة مجتمع وان كانت الْيَوْمَ متسولة… تظن بان جمالها سيكون سبب سعادتها.. قد يكون الجمال احيانا نعمة… وأحيانا نقمة. ..
لم تتناول نور الْيَوْمَ شيء سوى قطعة من الخبز مع قليل من الشاي . شعرت بصداع شديد. ما هذه المهمة….!
بعد مضي ثلاثة شهور والحال كما هو تخرج نور والمجموعة برفقة حسن وهم يتسولون في مختلف الأزقة . و يجمعهم حسن كالقطيع ويرميهم كما ترمى الزبالة …القمامة
كلٌ الى جحرهِ. وفِي احدى الصباحات وحسن والمجموعة في سيارته البيضاء المبعجة تعطلت الفرامل وفِي هذه الأثناء وإذا بالمحقق يرى نور واقفة على ناصية الشارع اثناء ذهابه للعمل.. التفت اليها.. لم تك تنتبه اليه كأنها في ملكوت آخر .. أوقف سيارته … آه انت ثانية ماذا تفعلين هنا…؟! رمقته بنظرة ساخرة قائلة : أبحث عنك ..استشاط غضبا .. عني..؟
نعم عنك هل هناك شىء سيادة المحقق ألا ترى بأم عينيك … نحن هنا بانتظار ان يقلنا حسن لجمع بضع دراهم..لم يروق له طريقة حديثها معه الْيَوْمَ أيقن بان هناك شىء لابد للوصول اليه لن تفلتي مني … هناك شىء ما يدور برأسك يا نور لم تصدقن يالقول لابد ان أصل للحقيقة يوما تثير شكي…
وفِي يوم نحس لنور أم يوم سعد للمحقق . حين دخل احد البارات ليحتسي الخمر وإذا بنور ترتدي قبعة وملابس فاخرة وبيدها سيكار.. تجالس احدهم على طاولة في زاوية بعيدة عن الأنظار وبيدها كاس من الشراب لم ينتبه ما كان نوعه وما المهم في ذلك …. الْيَوْمَ الصيد وفير … كان يردد ستكون خير بداية ومسك نهاية… لمعرفة هذه الفتاة التي لطالما حيرته طيلة شهور جلس المحقق بعيدا كي لا تراه مراقبا نور ومن معها على تلك الطاولة الغنية بالمشروبات والطعام . كانت تقهقه بصمت كي لا تجذب أنظار من حولها… ترى الحذر على وجهها مرسوما ببعض المساحيق ذاك الحذر الذي لا يفهمه إلا اصحاب الشأن . وبقي المحقق يراقب نور عنبعد لعدة أسابيع بل تجاوزت الثلاث شهور. وهنا الطامة الكبرى ……! وبعد الاتفاق مع صاحب البار الذي بدا خائفا وطائعا رهن إشارة المحقق والكشف عن هوية المحقق تبين بانه يعمل في احدى المؤسسات الاستخبارية تم وضع جهاز تنصت تحت الطاولة إياها … حيث تبين بان نور تعمل لدى مؤسسة دعارة من جهة تحت حماية حسن الذي اتضح فيما بعد بانه قوادا واُخر ىجاسوسة لدى احدى الدول المجاورة مع حازم الذي كان مسؤولا عنها والذي دخل البلاد باسم وجواز مزور نور التي لم تك بأكثرمن مومس تسير باشارات من حسن وتتجسس على بلدها وتبلغ حازم كل شاردة او واردة عن بلدها.. حازم ذلك الذي لا يدر كأحد حقيقة اسمه ومن يكون ثم كان ذات صباح بلا ملامح ، حين برحت نور حجرتها وهي تلملم شعرها الغجري وتسير ببطؤ كمن لم ينل قسطا من نوم ،وهي تردد ان الايام لحبلى … أوقفها المحقق وألقي القبض عليها وحسن الادرد.. لم يك لحظتها لحازم علم بما يجري . وكان المصير نفسه ينتظر حازم .. حين صادق زعيم البلاد على اعدامها وحازم وحبس حسن بتهمة الدعارة والسمسرة وتنكرت دولتيهما وتصدعت العلاقات ودارت الدوائر، نور وحازم محض جثمانين هامدين ركنتهما ذاكرة الايام ..
رممت العلاقات … وظلت الشكوك والظنون والريب كما هي……… وظلت الايام حبلى برصاص لن ينقطع صوته حتى يوم الحساب

لا تعليقات

اترك رد