العراق .. من المقاومة الشعبية الى الحشد الشعبي

 

تميز العهد الملكي في العراق بالاتجاه نحو تاسيس دولة على وفق الاسس العلمية المعترف بها في الادارة العامة ، وذلك عن طريق خلق مؤسسات تخصصية تدير مرافق الدولة . وبالرغم من ان التجربة الديموقراطية لم تكن بالمستوى المطلوب حيث قد اكتنفها الكثير من الممارسات الخاطئة الا ان التداول السلمي للسلطة كان سائدا آنذاك . ولم يكن الملك يتدخل كثيرا بشؤون الدولة
ان تجربة الحكم آنذاك كانت حديثة العهد لان العراق كان قد عانى من التخلف والاستبداد ردحا طويلا من الزمن تحت سلطة الدولة العثمانية . ولذلك
شاب هذه التجربة الاخطاء واحيانا الفساد السياسي . واذا كان الشعب قد ضاق ذرعا بالحكم فان ذلك يعود الى الطموح الكبير الذي زاد من سقف توقعاته ، فاتهم الحكومة بالقصور وهو لايعرف محدودية الموارد المالية وقتها
هذه المقدمة لابد منها حتى نعرف ان الدولة كانت تعتمد على مؤسسات . ولم تكن بحاجة الى اجراءات استثنائية لتحشيد الشعب ، الا في حالات الطوارئ مثل الفيضانات التي كانت تدفع الدولة الى الاستعانة بالمواطنين لدرء اخطاره . وتنتهي هذه المهمة بانتهاء الحاجة لها
بعد انقلاب او ثورة 14 تموز 1958 اصبح الزعيم عبد الكريم قاسم رئيسا للوزراء . ولشعوره بان بعض اصناف الجيش غير موالية له او انه خشي من مغامرة انقلابية ضده على غرار مافعله هو بالملك . فانه سعى الى تشكيل تنظيمات شعبية مسلحة لحماية حكمه تحت اسم المقاومة الشعبية لصيانة النظام الجمهوري . اي لصيانة حكمه . وقد استغل الشيوعيين المقاومة الشعبية هذه فحاولوا السيطرة عليها ثم احتوائها من قبلهم بشكل نهائي . وانظم الالاف من الشباب والشابات الى هذه المنظمة الجديدة
لقد كانت المقاومة الشعبية تمارس شتى انواع المضايقات والاعتداءات على قطاعات واسعة من الشعب تحت شعار لاحرية لاعداء الشعب . ولم يكن احدا يعرف من هم اعداء الشعب فعلا . وقد كان الاعتقاد السائد ان كل من لم ينضو اليهم هو من اعداء الشعب
وفي عام 1959 شعر عبد الكريم قاسم ان هناك تململا للضباط في الموصل يساندهم بعض الاهالي من العرب . فسمح للشيوعيين بعقد مؤتمر انصار السلام فيها وقد كان هذا المؤتمر تضاهرة شيوعية مضادة لكل من يخالفهم
ولما شعر الضباط بالخطر المحدق باهالي الموصل نتيجة هذا العدد الكبير من الشيوعيين القادمين من بغداد ومحافظات اخرى ، تساندهم بعض الفئات المحلية . قاموا بالعصيان والتمرد ضد رئيس الوزراء عبد الكريم قسم وشغلوا محطة اذاعة محلية تذيع اخبار هذا التمرد او المحاولة الانقلابية . فهب الشيوعيين ومناصريهم بحجة الدفاع عن السلطة ليعملوا قتلا وتمثيلا باهالي الموصل وعلق الشباب والشابات على اعمدة الهاتف . وقد دب الرعب في المدينة التي استباحت من قبل الشيوعيين ومناصري الزعيم عبد الكريم قاسم
ثم انتقلت المجازر البشريةضد الموطنين في الموصل الى كركوك وعانى العرب والتركان فيها من تقتيل وتمثيل بالجثث . وكان الشعار السائد آنذاك ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة . اي حبال المشانق التي انتشرت في كل ارجاء المدينتين المنكوبتين
في وقت لاحق سألت احد قياديي الحزب الشيوعي عن اسباب العنف المفرط هذا ، وفقدان السيطرة على الشارع . فاجابني ان الغوغاء او العناصر الجاهلة من الشعب هم الذين قادوا تلك المرحلة وقد كان المفترض ان الحزب الشيوعي هو الذي يقود الجماهير وليس العكس
هذا ملخص بسيط لممارسات المقاومة الشعبية التي استباحت الشارع العراقي خلال فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم ، تحت ذريعة حماية الثورة ونظام الحكم
بعدها وفي يوم 8 شباط من عام 1963 قام البعثيون بانقلاب دموي ضد الزعيم عبد الكريم قاسم . وتصدى انصاره ، ومؤيدي الحزب الشيوعي لهذا الانقلاب فتم قمعهم بقسوة . حيث تم استخدام الطائرات والدبابات في ضرب وزارة الدفاع التي كان الزعيم متواجدا فيها . كما ضرب المتظاهرين المؤيدين له بالطائرات ايضا . بعدها تم اعدام الزعيم عبد الكريم قاسم . ثم اعلن عن تشكيل الحرس القومي كميليشيا شعبية لحماية النظام الجديد . وانتظم فيها الالاف من البعثيين والقوميين . وقد كان السبب في تشكيلها هو الخشية من الجيش الذي لم يكن في وقتها مواليا تماما للحكم الجديد وهي نفس الذريعة التي شكلت على اساسها المقاومة الشعبية في زمن عبد الكريم قاسم . وقام الحرس القومي البعثي بجرائم لاتقل بشاعة عن جرائم المقاومة الشعبية ضد الشيوعيين المعتقلين وضد المناوئين لهم في السجون وفي النوادي الرياضية التي اتخذت كمقرات للحرس القومي ومعتقلات لانصار الشيوعيين . والقاسميين
وهكذا تجددت مظاهر العنف والقوة المفرطة باسم حماية النظام او مكتسبات الثورة كما كان يطلق على انقلاب البعثيين في الثامن من شباط . وعاث الحرس القومي فسادا في الارض كما كانت المقاومة الشعبية تفعل خلال نظام حكم عبد الكريم قاسم . . حتى قام العقيد عبد السلام عارف رفيق درب عبد الكريم قاسم وعدوه بعد ذلك ، بانقلاب اخر ضد رفاقه البعثيين الذين نصبوه رئيسا للجمهورية . ولم يمض على حكم الحزب سوى تسعة اشهر ففط . فتم حل الحرس القومي وتصفية البعثيين ايضا
في عام 1968 قام البعثيون بانقلاب على عبد الرحمن عارف رئيس الجمهورية وابعدوه الى تركيا . وتم تنصيب احمد حسن البكر رئيسا للجمهورية . وصدام حسين نائبا له . فتم تشكيل الجيش الشعبي لنفس الغرض دائما وهو حماية النظام الجديد من اي محاولة انقلابية . وهو ايضا ميليشيا عسكرية تدين بالولاء للنظام الجديد . وفي وقت لاحق الولاء لشخص صدام حسين . وقد استغل صدام هذا التنظيم لتصفية خصومه قبل ان يتطور جهاز المخابرات العامة ليصبح بعدها القوة الضاربة لصدام حسين . ولم يتم حل الجيش الشعبي رغم ضعف الاعتماد عليه بعد تصفية الجيش من العناصر المناوئة للحزب
عاد نشاط الجيش الشعبي بقوة بعد الحرب العراقية الايرانية . حيث حاول صدام خلق حالة من التوازن العسكري مع الايرانيين الذين كانوا يفوقون القوات المسلحة العراقية بالعدد رغم ضعف امكانياتهم التسليحية . فنشر قطعات الجيش الشعبي على طول الحدود مع ايران . كما تم اشراكه في كثير من المعارك . وبالرغم من ان اشراك المواطنين البسطاء في تشكيلات هذا التنظيم الشعبي العسكري كان باسم التطوع الا ان قيادات الفرق والشعب لحزب البعث قد قامت بدور غير مشرف في اختطاف المواطنين من الشارع او من بيوتهم واقتيادهم قسرا للمشاركة بهذه الحرب . وكان نتيجة ذلك قتل وتاسير العديد منهم وهم لاناقة لهم ولاجمل بهذه الحرب التي طبل لها الحزبيين البعثيين تحت شعار حماية البوابة الشرقية للوطن العربي . او محاربة الفرس نيابة عن العرب والعالم ايضا
وهكذا تم اضطهاد المواطنين واجبارهم على الدخول في الحرب عن طريق ميليشيات عسكرية . ولم يسلم الشعب منها حتى بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية . حيث ادخلهم صدام بحرب احتلال الكويت وتم ابادة العديد منهم مع الجيش النظامي
وعند احتلال العراق من قبل الامريكان عام 2003 تحت مسمى التحالف الدولي . واحلال الاحزاب التي كانت تسمى بالمعارضة محل حزب البعث في ادارة الدولة الجديدة . عملت هذه الاحزاب على انشاء ميليشيات عسكرية لها لفرض سيطرتها على الشارع العراقي . وقد ساهمت هذه الميليشيات مساهمة فعالة في قتل وتصفية المناوئىين لها من كل قطاعات الشعب ولم يسلم حتى الادباء والفنانين والمثقفين من التصفية الجسدية بحجة انهم بعثيين او موالين للنظام السابق . وهكذا عادت الميليشيات العسكرية لتضطهد الشعب بحجة حماية الحزب او الحكم الجديد
لم تكن هذه الميليشيات تختلف كثيرا عن المقاومة الشعبية او الحرس القومي او الجيش الشعبي
انها تسميات مختلفة ولكنها تتشارك بالاهداف والوسائل وهي حماية النظام او حماية الاحزاب بغض النظر عن الوسائل العدوانية ضد الشعب العراقي
بعد سيطرة مايسمى بتنظيم الدولة او داعش على بعض المدن نتيجة خذلان القادة السياسيين او تآمرهم على العراق . اصدر السيد السيستاني فتوى الجهاد الكفائي لمواجهة العدو الجديد المفتعل . واستجاب الالاف لهذه الفتوى بدافع ديني او وطني . وقد كانت هذه الفتوى مرهونة وجودا وعدما بالخطر الداعشي على العراق وشعبه . ولكن الاحزاب الحاكمة قد استغلت هذه الفتوى لتضفي بعض الشرعية على ميليشياتها ذات الاهداف المشبوهة والمعادية للوطن والمواطن . والتي ساهمت في حماية الفاسدين وسراق قوت الشعب . ولازالت كذلك من دون وازع من ضمير او او دين . حتى ان السيد الصدر قد سماها الميليشيات الوقحة . وهذه التسمية مخففة بالنسبة للجرائم المرتكبة من قبلها . ويضاف اليها عصابات اجرامية مسلحة تبتز المواطنين باسم الحشد الشعبي . . ولكي ينزه الحشد الشعبي فقد اطلق عليه الحشد الشعبي المقدس . ولا نعلم من اين جاءت القدسية هذه . فيما عدا طبعا المنضوين الى الحشد استجابة لفتوى المرجعية الدينية
لم تكن فصائل الحشد الشعبي تقتصر على الاحزاب الكبيرة فقط بل انشطرت الى كتائب مسلحة بتسميات عديدة مثل منظمة بدر وحركة النجباء وكتائب الامام علي وكتائب بابليون وسيد الشهداء وسرايا السلام وعصائب اهل الحق وسرايا الخرساني والتيار الرسالي وكتائب اسد الله وتشكيلات اسد الله الغالب وانصار الحجة وابو الفضل العباس وقوات الشهيد الاول وحزب الله العراقي وسرايا عاشوراء وسرايا الجهاد والبناء وجند الامام وقوات وعد الله الصادق وجيش المختار وسرايا الزهراء ولواء المنتظر والصادق الموعود والثائرون وكثير غيرهم . حتى ان السيد رئيس الوزراء قد صرح مرة ان هناك اكثر من مائة فصيل تنتسب الى الحشد الشعبي . ورغم ان الحشد الشعبي قد نظم بقانون الا ان ارتباطه بالقائد العام للقوات المسلحة ظل حبرا على ورق وكثير من هذه الفصائل تتبع اوامر قيادات احزابها مباشرة وتنفذ اجندات غامضة . ويبدو انها تنفذ هدفا واحد وهو خلق حالة الفوضى وتشتيت جهود الدولة لتسهل السيطرة عليها . اضافة الى اضعافها لقوات الجيش النظامية واعتبار الانتصارات على داعش على انها انتصارات لها فقط ، غافلة بذلك تضحيات ابناء العراق الغيارى من القوات المسلحة والشرطة الذين استبسلوا لانتزاع اراضي عزيزة من يد طغمة فاسدة تدعي الاسلام
ان منظمة العفو الدولية (امنستي) قد قدمت شهادات عن ممارسات باسم الحشد الشعبي قد ترقى الى جرائم ضد الانسانية قد ارتكبت خلال المعارك او في مناطق مختلفة من العراق . كما ان اعمال قتل وحشية وتمثيل بالجثث قد سجلت على بعض الفصائل الحزبية الحاكمة . مما دعى الناطق بلسان الحشد الشعبي وبعض قياداته الطلب من القائد العام للقوات المسلحة بان تكون مقرات الحشد الشعبي خارج المدن . وكذلك الطلب بالتشديد على حصر السلاح بيد الدولة فقط . وعدم السماح لاي فصيل او ميليشيا بحمل السلاح داخل المدن . ورغم ذلك فانها مازالت تبتز المواطنين وتعتدي على الاملاك العامة وتتاجر بالمخدرات تحت لافتة الحشد الشعبي المقدس .والبعض منهم حتى لم يشارك باي جهد لتحرير المدن من العدو المجرم
ان ميليشيات الاحزاب المتنفذة والحاكمة الحالية لاتختلف في جرائمها عن ماقامت به المقاومة الشعبية اوالحرس القومي والجيش الشعبي . وكلها ميليشيات مسلحة استخدمت اسم الوطن والمواطن لتنفيذ مآربها واهدافها المعادية للشعب
وعلاوة على ذلك فان بعض السياسيين يطمح في العودة الى الحكم عن طريق تبني المواقف الداعية الى عدم المساس بالحشد الشعبي او اعادة تنظيمه للتعكز عليه في الانتخابات القادمة وسحب البساط من رئيس الوزراء او المؤسسات الرسمية للدولة في مؤامرة مفضوحة للاستيلاء على الحكم . ان الضرورة تستدعي اعادة النظر بهذه التنظيمات المسلحة للحفاظ على الدولة ومؤسساتها النظامية من الجيش والشرطة . حيث ان تعدد الفصائل المسلحة سيؤدي عاجلا او آجلا الى التصادم فيما بينها نتيجة للخلافات والصراعات بين الاحزاب الحاكمة للاستحواذ على سلطة الدولة وثروة الشعب المنهوبة اصلا
ان الواجب الوطني يدعونا جميعا لاعادة بناء دولة المؤسسات على وفق الاسس العلمية والحضارية وليس على اسس حزبية انانية ضيقة لايستفيد منها سوى قادة الاحزاب والموالين لها . وان ندع شعبنا العراقي ينعم بالامن والسلام بعيدا عن عسكرة الشعب التي طغت على حياته لفترة تجاوزت النصف قرن وادت الى قتل الالاف من الشباب بحجج خادعة وشعارات براقة لم نجن منها سوى الخيبة والتخلف عن ركب العالم المتقدم

لا تعليقات

اترك رد