الشعر برهة دهشة تترجم النور


 

“لسائلي أإلهٌ أنتَ؟ قلتُ بلى!” (سعيد عقل)

لكي نفهم عمق قول سعيد عقل، ينبغي أن نتبيّن أوّلاً معنى الألوهيّة الشّعريّة حتّى ندرك المرحلة الّتي يصل إليها “الشّاعر”. ومتى بلغنا عمق الحالة الشّعريّة تلمّسنا ماهيّة الشّعر الّذي يصعب تعريفه كمعادلة حسابيّة أو كلفظ مرادف للنّظم الشّعريّ. فالنّظم الشّعريّ أمر وأمّا الشّعر فأمر آخر. يحتاج النّظم الشّعريّ إلى معانٍ وأوزان وعقل ومهارة كيما خرج القصيدة تحفة لغويّة موزونة. بيد أنّ الشّعر هو لحظة استحضار النّور المنسكب في قلب الشّاعر. ويحتاج بالدّرجة الأولى كياناً ممتلئاً بالصّمت حتّى يتمكّن الشّاعر من سماع صوته الدّاخليّ والانفتاح عليه فيكتبه الشّعر وتكون القصيدة.

النّظم الشّعريّ مرحلة من مراحل الشّعر إلى أن يبلغ الشّاعر حالة خاصّة جدّاً يخضع لها عن غير وعيٍ، ففجّر من أعماقه القصيدة. وإذا كان النّظم الشّعريّ يحتاج للعقل أي للوعي، فالشّعر يكتب الشّاعر في لحظة غير واعية. وأعني بذلك أنّ الشّاعر يخضع للشّعر وليس العكس. ويسسلم للحالة الشّعريّة الّتي سيطرت عليه وكأنّي به يطيع إلهاً ليبلغ الخلاص. وكلّما أمعن في الطّاعة تماهى مع الشّعر بل أصبح هو الشّعر. من هنا ندر الشّعراء، وقليلون من تماهوا مع الشّعر حدّ الالتحام به، وما عادوا يحتاجون للّقب ليعرّف عنهم، بل كانت أسماؤهم بحدّ ذاتها لقباً يرمز إلى الشّعر. والأسماء الّتي ما زالت تحتاج للقب “شاعر” كيما تعرّف عن نفسها، ما برحت تلامس أولى درجات الشّعر مهما بلغت عظمة نصوصها من فخامة لغويّة وفصاحة بلاغيّة.

“الشّاعر” رسول إلهيّ، نور من أنوار الله المتمدّدة في العالم، يحمل في ذاته الفلسفة واللّاهوت والعمق الكونيّ. لا يقف عند حدود البوح، ولا يعبّر عن مشاعر أو عاطفة، بل إنّه يسهم في تجسيد الجمال الّذي يسعى إليه كلّ إنسان. يقول الجبران خليل جبران: “ليس الشّعر رأياً تعبِّرُ الألفاظُ عنهُ ، بل أنشودةٌ تتصاعدُ من جرحٍ دام ٍ أو فم ٍ باسم .” لا بدّ من الألم الّذي يؤرق كيان الشّاعر، لكنّه الألم الوجوديّ، لا الحزن المعطّل للحركة الوجدانيّة والمربك للتّأمّل الإنسانيّ. إنّه ألم العشق الّذي يرقي بالشّاعر إلى فوق لينظر إلى العالم بإنسانيّة حرّة ومتجرّدة. ما يعني أنّ الشّعر هو لحظة اسحضار العشق والتّفاعل معه، ليتجسّد الإبداع وتتجسّد الكلمة. يشرح المفكّر والأديب اللّبناني جورج الأشقر الجمال بقوله إنّه لحظة تجسّد الكلمة. وإن لم تجسّد الكلمة فأي معنى لها؟ وأين تكمن قوّتها إن بقيت مجرّد حروف تطوف على سطح المشاعر الإنسانيّة.

الشّعر لغة من نور تربط الشّاعر بالقارئ. من هنا يمكن القول إنّ القارئ يتفاعل مع الشّاعر وجدانيّاً أوّلاً ثمّ عقليّاً. فلحظات الصّمت والدّهشة الّتي تلي قراءة قصيدة ما تعبّر عن تفاعل لحظيّ آنيّ بين الشّاعر والقارئ. فالشّاعر في لحظة تجلٍّ جسّد الكلمة، وفي برهة دهشة ترجم النّور، وما إن يتلقّف القارئ النّص الشّعريّ حتّى يمتزج بهذه اللّحظة، كلّ بحسب قدرته واستيعابه الرّوحيّ أوّلاً ثمّ العقليّ. والشّاعر هو الّذي جمّد الوقت وأخضعه للحظة الدّهشة المجلّية، فبات الشّعر قوّة خلق جماليّة تتجدّد بقوّة العشق المتمدّد في كيان الشّاعر.

فإن كان الشّعر عن الوطن، أو الحبيبة، أو الوجود، أو الطّبيعة… لا بدّ من أنّه يرتبط بالاستنارة العقليّة الّتي يولّدها الشّعر، وإلّا استحال مجرّد بوح يعبّر عن ما يرى ويشعر، في حين أنّ الشّعر هو انبعاث الكلمة من جوف النّور لتلج أبعد ممّا يمكن.

“حين أشعر أنّني فِي عالمٍ مغسولٍ بالضّوء أدرك عندها أنّ ما أكتبه هو شعر!” (رقيّة البريدي). الشّعر النّور، الاستنارة الرّوحيّة والعقليّة، الّتي ترتقي بالشّاعر إلى عالم الجمال، عالم الشّعر. العالم الّذي يتوسّط السّماء والأرض. والشّاعر الحقيقيّ هو ذاك الممسك بأطراف السّماء والنّاظر بعناية إلى الأرض. المتشوّق إلى العلا والمتمدّد في العمق ليرتقي بالقارئ ويلبسه الجمال. واستناداً إلى قول رقيّة البريدي فالشّاعر لا يخترع الشّعر، ولا يؤلّف القصيدة، بل إنّه يعطيها الحياة الكائنة في عالم الشّعر. يجسّدها كلمة واحدة تتفرّع منها المعاني. فالقصيدة كلمة واحدة وإن دلّ شكلها على تعدّد الكلمات. أشبه بالجسد الواحد المتعدّد الأعضاء. يخضع الشّاعر للشّعر فينجب قصيدة ذات روح واحدة.

إنّ خضوع الشّاعر للشّعر أشبه بخضوع الأنبياء والرّسل، ينقلون الوحي ولا يمسّونه. كذلك الشّعر لا يُمسّ ولا يبدّل ولا يحرّف. بمعنى آخر، القصيدة كروح واحدة لا يجوز المساس بمعناها الأصيل كما خرج من قلب الشّاعر. كما أنّ فهمها يتدرّج من القلب إلى العقل، على عكس فهم النّصوص الأدبيّة الأخرى. لأنّ الشّعر يسرّب إلى الأعماق أوّلاً ثمّ يتصاعد نحو العقل ليمتلك الكيان الإنسانيّ كله.

الشّعر أعظم الفنون لأنّه يحملها في ذاته على اختلاف أنواعها. فهو الحامل النّغمة الموسيقيّة، والرّسم بالكلمات، والنّحت في صخرة الوجود، والرّقص في أثير الكلمة، وتوق الجمال إلى الجمال، وانبعاث اللّغة من حضرة الله إلى دهشة الخليقة.

لا تعليقات

اترك رد