مجلس الدولة في العراق والمخاض العسير


 

كانت البذرة الأولى لتشريع هذا المجلس حينما أشارت إليه المادة 84 من القانون الأساسي العراقي لسنة 1925 ، وهو أول دستور في البلاد بعد قيام الدولة الحديثة في العراق ، حيث أوكلت مهمة تفسير القوانين والأنظمة ، عدا حالة التفسير الدستوري ، إلى ديوان خاص يشكل لهذا الغرض بناء على طلب الوزير المختص وبرئاسة رئيس محكمة التمييز المدنية وعضوية ثلاثة قضاة من محكمة التمييز إضافةً إلى ثلاثة من كبار موظفي الدولة. وبناءاً عليه فقد صدر قانون تشكيل ديوان التفسير الخاص رقم 87 لسنة 1926 ، ثم صدر قانون ديوان التدوين القانوني رقم 49 لسنة 1933 ويتألف هذا المجلس من رئيس ومدونين قانونيين ويرتبط بوزير العدلية.
وبعد التطور في المنظومة التشريعية صدر قانون مجلس شورى الدولة رقم 65 لسنة 1979 الذي حل محل ديوان التدوين القانوني ، وتضمن للمرة الأولى تشكيل القضاء الإداري إضافة إلى التقنين والمشورة القانونية .
ويُلاحَظ إن هذين المجلسين (التدوين القانوني وشورى الدولة) يرتبطان بوزارة العدل ، مما يفقدهما الاستقلالية عن السلطة التنفيذية والتأثر الكبير بما تمليهِ وزارة العدل والحكومة على وجه العموم .
وقد استبشر العراقيون خيراً بعد صدور الدستور الدائم عام 2005 حيث تضمنت المادة 101 منه الإشارة إلى تشكيل (مجلس الدولة) ، وهي بادرةٌ سبقتنا إليها الدول الأخرى منذ زمن طويل مثل فرنسا التي أنشأت هذا المجلس بعد الثورة الفرنسية ، ومصر التي أنشأت هذا المجلس عام 1946 .
ورغم مرور(12) عاماً على صدور الدستور إلا إن العراق عجز عن سن قانون يليق بمكانة مجلس الدولة ، حيث ترددت وزارة العدل كثيراً في تقديم مشروع متكامل ولم تستوعب فكرة استقلال هذا المجلس عنها خصوصاً بعد أن فقدت الهيمنة على المحاكم في العراق بعد التغيير الحاصل عام 2003 وتشكيل السلطة القضائية بأمر بريمر .
وبعد شدٍّ وجذب بلغت تدخلات وزير العدل الأخير الذي لم يكن مختصاً بالقانون بل يحمل شهادة برمجيات الحاسوب حداً لا يمكن تحمله من مجلس شورى الدولة ، حيث أمر الوزير بإخراج المجلس من بناية الوزارة وسحب الحمايات المكلفة بحراسته ، وقد جاءت قرارات الوزير على أثر خلاف اشتد بينه وبين المجلس نتيجة إصدار المجلس قراراً (وفق صلاحياته) مما أثار حفيظة الوزير وقام بتشكيل لجنة تحقيقية بحق رئيس وأعضاء المحكمة الذين أصدروا قرار الحكم .
ونتيجة لذلك جاءت ولادة (مجلس الدولة) بالقانون رقم 71 لسنة 2017 بشكلٍ لا يلبي الطموح حيث سعى المجلس إلى صياغة مشروع مقتضب لا يحمل أية فكرة جديدة عدا الاستقلال عن وزارة العدل بحيث إنه يحيل جميع المسائل المتعلقة بالمجلس الجديد إلى ما ورد بقانون المجلس القديم ، وتبرير ذلك هو تلافي الرفض المتكرر لوزراء العدل لمشروع متكامل لمجلس الدولة .
ولو عدنا إلى قانون مجلس شورى الدولة الذي يطبق على المجلس الجديد لوجدنا إنه يتضمن تقاضي المستشار في المجلس راتباً مقداره 200 مائتي دينار وهو نص قديم جداً منذ التسعينات ولا يُعمل به في واقعنا ، وكذلك يمنح القانون صلاحيات تشريعية إلى ديوان رئاسة الجمهورية في حين أن هذا الديوان فقد هذه المهام بعد التغيير الحاصل عام 2003 وأصبح يدير الشؤون الإدارية لرئاسة الجمهورية فقط التي فقدت هي الأخرى الصلاحيات التي كانت تتمتع بها نظراً لتبني النظام البرلماني أساساً للحكم في العراق .
وخلاصة القول فإننا ندعو (مجلس الدولة) بعد أن تخلص من هيمنة الحكومة ووزارة العدل إلى الإسراع بتقديم مشروع قانون متكامل له على غرار مجلس الدولة في فرنسا و مصر مع الأخذ بنظر الاعتبار خصوصية الوضع الاجتماعي والوظيفي والإداري في العراق ، وأنا على يقين بإن المجلس قادر على هذه المهمة لما فيه من الكفاءات والخبرات شريطة عدم تدخل الأحزاب والكتل السياسية

لا تعليقات

اترك رد