فيروسات الفساد والثقافة البديلة .. متى يصحو الضمير؟


 

الارواح تمرض كما يمرض الجسد ، مقولة ومثل قديم متعارف عليه في مجتمعنا ، ولكن بعد منتصف عام ٢٠٠٣ بدأت مختبرات صناعة الفيروسات بإنبات انواع جديدة من فيروسات متطورةَ الجينات ولها مقاومة شديدة ضد أية لقاحات أو مصولات ،
لم يكن القصد منها الاعداد لحرب بايولوجية أو سلاح ردع شامل في حرب نفسية ضد عدو محتمل أو افتراضي .. إنها فيروسات ثقافة الفساد التي اصبحت اكثر من ظاهرة منتشرة في العراق بلد الديمقراطية المفترض .
هناك عشرات الآلاف من الخريجين العاطلين عن العمل وحين تتوفر درجات وظيفية للتّعيين ويتقدم اصحاب الشهادات المرموقة والمعدلات العالية يصابوا بخيبة أمل في كل مرة ومنذ سنين طويلة بعدم تعيينهم ، حتى بات اليأس حليفهم والصديق الحميم لهم ، لماذا كل ذلك يحصل ؟
والذي يريد معرفة كيفية تعيينه على اقل وظيفة يقال له :
إدفع (٦٠ورقة أو ٨٠ ورقة ) والمقصود دفع رشوة قيمتها تصل ربما الى عشرة آلاف دولار أي مايعادل اثنا عشر مليون ومئتان وخمسون الف دينار عراقي وحسب سعرف صرف الدولار في ذلك اليوم ، اي ربما اكثر من هذا المبلغ اذا كان الدولار مرتفعاً ، هذا بالنسبة لأبسط حق طبيعي للمواطن الراغب في التعيين في أحدى دوائر الدولة التي يفترض بالحكومة تبنّي قانون الخدمة المدنية وتعيين الاشخاص كل حسب خبرته وشهادته وامكانياته بعد تجاوز اختبار التعيين الخاص ، لكن القانون الحالي هو قانون هيمنة الاحزاب ومافياتها !!
وبمناسبة ذكر الاحزاب فان كثيراً من المشاريع لايتم الموافقة عليها اذا لم تدخل مطابخ الاحزاب وسماسرة الفساد حتى اصبح الحديث واضحاً وضوح الشمس عندما يقول هؤلاء السماسرة بأن أحزابهم بحاجة الى تمويل مالي وهذه خير وسيلة للتمويل وكأنه حق شرعي ثابت ، والعجيب أن من يحكم الان في العراق هي احزاب دينينة ينبغي عليها مخافة الله اولاً ومحاربة المفسدين ، والسعي لاسعاد الانسان العراقي التي طالما نادت بتحريره من الدكتاتورية والظلم والاستبداد ..
لكن الأمر أختلف فبعد ان كان من يدّعي محاربة الفساد حسب نظريته وعقيدته هو الان الفاسد بأمتياز وأخيراً أطلق عليهم الحيتان لما يتمتعون به من سلطة وقوة في افراغ أموال البلد في خزائنهم ومن كل الاتجاهات وليس النفط فقط ، بل حتى المزارع والبساتين التي أصبحت اراضي سكنية بعد ان كانت محرّمة الاّ لغرض الزراعة فقط ..
وصرنا نستورد البصل والثوم من أيران وتركيا وأخيراً نستورد الاسماك الحية بأسعار خيالية بخيسة الاثمان أماتت أسماكنا في بحيراتها وانعدمت ثروتنا السمكية ذات الطعم المميز وأختفى ما كان يُعرف بـ الشبوط والكطان والبني .
ثقافة الفساد الآن فعلاً هي فيروسات شديدة العدوى تنتشر بسرعة مذهلة والكل يتفرج وخاضع لها الاّ قلة من الشرفاء التي تشجب تارة وتتظاهر ضد الفساد تارة اخرى ، والنتيجة هي تهميش واقصاء اصحاب الخبرة والكفاءة والاعتماد على
( الدمج ) في كل شيء .
والدمج هو مصطلح جديد ظهر بعد عام ٢٠٠٣ أيضاً يقصد منه منح شهادة وهمية من جامعة عابرة الحدود لمن لا شهاده له وتنصيبه مديراً أو وزيراً . ومنح رتبة عسكرية لمن لم يدخل الكلية العسكرية أو كلية الشرطة وبما يشاء من الرتب ليكون قائداً عسكرياً ومعه مجموعة من الفضائيين ، وايضاً هذا مصطلح جديد في الثقافة العراقية جلبته ثقافة الفساد .
التساؤل الان هو أما آنَ الأوان من المتنفذين واحزابهم أن يعودوا للعمل بأخلاص ونزاهة وينتموا للروح الوطنية من جديد من خلال ثقافة هي ليست ثقافة الفساد ، ولنقل ثقافة العودة الى الوطن وطلب المغفرة منه والعمل بأمانة ..
أليس بإمكان المرجعية التي أفتت بكلمة واحد لجهاد داعش وانضوى تحتها ألآلاف من الشباب كمقاتلين ضحّوا بانفسهم واموالهم ، أليس لها القدرة ان تقول اتركوا ثقافة الفساد ايها الحاكمون .. اتركوا السلب والنهب وخداع المواطن البسيط وتوجهوا لبناء وطنكم واصنعوا له ثقافة جديدة هي ثقافة النزاهة والعمل بها .
وهنا قد يقول قائل بان المرجعيات الدينية أوضحت للناس بانتخاب الافضل والاصلح ، ولكن من هم الافضل ؟ لماذا لم تُحدَّد اسماؤهم وشخوصهم أمام الملأ في الضوء بعيداً عن خيوط العنكبوت ؟
لم يعد هناك من يريد مختاراً جديداً لهذا الزمان ، المطلوب هو النزيه الرافض للفساد والمحاسب للفاسدين واصبحت هذه أمنية من الاماني العصية على مايبدو مادامت الفيروسات تتكاثر بلا مضادت لها !!

لا تعليقات

اترك رد