صفقة “الجرود” .. حزب الله إلي أين؟


 

أحدثت صفقة “داعش” حزب الله دهشة وسط متابعي ومؤيدي الحزب رغم خروج الأمين العام السيد حسن نصرالله، ليبرر الصفقة إلا أن كل مبررات نصرالله حول صفقة نقل مقاتلي تنظيم “داعش” ممن الجرود اللبنانية إلي دير الزور السورية وعلي الحدود العراقية أدي الي حالة من الانتقاد للحزب وسط البيئة الشيعية العربية بشكل عام وجماهير الحزب بشكل خاص، وهو ما يعد مؤشر علي بداية جديدة لحزب الله.

حزب الله الذي أسس في بداية ثمانيات القرن الماضي، بهدف تأسيس الدولة الاسلامية وفق مذهب ولي الفقيه في لبنان، ومع فشل في التوصل الي مشروعه تحول الى الحرب ضد اسرائيل للحصول علي شرعية سياسة وشعبية للبقاء كتنظيم مسلح يكبر يوما بعد يوم، ولكن مع اندلاع الصراع في سوريا تحول حزب الله إلي الطائفية ليسقط كل تاريخه في مقاومة العدو الاسرائيلي .

فقد تصاعد دور حزب الله في منطقة الشام، وخاصة مع اندلاع الصراع المسلح علي الأراضي السورية، وظهور المعارضة المسلحة في سوريا ثم تحولت أغلب اطياف المعارضة الي جماعات جهادية، أوجد حزب الله الشرعية الدينية أمام جمهوره للدخول في حرب سوريا عبر “الدفاع عن المقدسات الشيعية مراقد السيدة زينب وأل البيت”.

ولكن مع استمرار الحرب واستنزاف حزب الله في الصراع السوري، وجد الحزب نفسه في أتون حرب لا تنتهي، بعدما صدرت تعليمات من المرشد الأعلي في إيران أية الله علي خامنئي بدخول الحزب الحرب والاستمرار فيها حتي صدور تعليمات من طهران بخروج مقاتلي الحزب من سوريا دون ذلك سيبقي الحزب في الأراضي السورية حتي أوامر جديدة من من الولي الفقيه.

فليس صدفة أن تركيبة الحزب هي تركيبة طائفيّة مذهبية بالخالص- مع تقديرنا الحقيقي لتضحياته في مواجه العدو الاسرائيلي – أي إن عقيدة ولاية الفقيه تحصر الحزب بطائفة واحدة، أو بذلك الجزء من الطائفة الذي يقتنع بنظريّة الخميني في الحكم، والتي ناقضت الفكر السياسي الشيعي على مرّ القرون، رغم تثويره وهز مكامن سكينته ووداعته غير الثوريّة. وكان يمكن الحزب أن يخرج عن قوقعته المذهبيّة لكن سياسيته ابقت اسيرا لارادة الولي الفقيه.

استمر الحزب مدافع ومبرر عن وجوده في الحرب السورية، تقنع الكثير والمتابعين لمشاركة الحزب في الحرب السورية، في ظل تدخل كل الأطراف الاقليمية والدولية في الحرب السورية بطريقة أو بأخري، ولكن جاءت صفقة “الجرود” مع داعش لتكشف عن وجه أخر لحزب الله والذي أصبح دوره واجهة لصفقات ايران في المنطقة.

وبحسب اتفاق “الجرود”، الذي قضى بكشف داعش لمصير العسكريين مقابل أن ينسحب مسلحوه من الحدود اللبنانية الى دير الزور وتحديدا إلى البوكمال، فقد ذكرت وسائل اعلام قريبة من حزب الله أنّ البنود المتفق عليها تقضـي بـنقل مسلّحي داعش وعائلاتهم إلى دير الزور، مقابل تسليم حزب الله جثامين 5 مقاتلين له مدفونين في وادي ميرا في القلمون الغربي السوري وأسيراً وجثماني مقاتلين اثنين في البادية السورية، والكشف عن مصير العسكريين اللبنانيين.

رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي واطراف شيعية عراقية رفضت الصفقة واعتبرتها خيانة لجهود العراقية في مواجهة تنظيم “داعش” الارهابي، بل وتشكل دعم “داعش” بالمقاتلين علي الحدود السورية العراقية مما يهدد جهود بغداد في دحر التنظيم.

أحد الأصدقاء الشيعة العراقيين وصف الإتفاق بأنه يأتي علي حساب العراق، وأن العراقيين لم يكن في حساباتهم السياسية والميدانية نقل عناصر “داعش” من الجرود اللبنانية إلي دير الزور السورية، معتبرا أنه خيانة من إيران وحزب الله للعراق.

صفقة “الجرود” تضع حزب الله في ورطة جديدة بل وتشكل الضربة القاسمة التي تعري الحزب أمام جمهوره ومؤيديه من الشيعة، فشعارات الحزب بعد التفاوض مع ارهابيين في بداية الحرب ضد “داعش” والجماعات المسلحة الأخري، إلى تفاوض مع أهم التنظيمات الارهابية، ليضع العديد من علامات التفاهم حول سياسية الحزب ومدي بقاءه في المستقبل، وأغرب ما في الصفقة هو قتل داعش لأسرى الجيش اللبناني فيما أبقى التنظيم الارهابي على أسير لحزب الله على قيد الحياة وسط استغراب المراقبين!

حزب الله الأن يمر بفترة شيخوخة ومن ثم تغير من حزب مسلح الي حزب سياسي، وذلك لعدة عوامل في مقدمتها شيخوخة القيادة، فاغلب قيادات الحزب الحالية شهدت تأسيسه ولم يكن هناك ضخ دماء جديدة علي مستوي القرار داخل الحزب.

الأمر الثاني كاريزما حسن نصرالله، الامين العام للحزب منذ 1992، وحتي الأن، اي 25 عاما من قيادة الحزب، ونصرالله الأن في الرمق الاخير علي بعد امتار ويترك القيادة، فمن سيقود حزب الله بعده رجل بكاريزما نصرالله,!!؟

الأمر الثالث هو تأكل الصف الثاني في حزب الله بفعل الصراع السوري وتعرض العديد من القيادات لتصفية داخل الصراع في ظروف غامضة، ووفق دراسة استقصائية نشرتها مجلة نيوزويك ، خسر حزب الله نحو 1048 من مقاتليه في سوريا، بين 30 أيلول/سبتمبر 2012 و10 نيسان/ابريل 2017.

ومن ابرز قادة حزب الله الذين قتلوا في سوريا مصطفى بدر الدين قرب دمشق، ويعد بدر الدين المسؤول العسكري الأعلى لحزب الله، وخسر حزب الله قائد عملياته العسكرية على الأرض السورية علي فياض المعروف باسم “أبو علاء البوسنة” بعد معارك مع”داعش”، و سمير القنطار، الذي كان يدير عمليات الحزب في جنوب سوريا، وحسين الحاج المعروف بأسم “أبو محمد الإقليم”، و حسن جفال قائد قوات النخبة في ميليشياته المقاتلة في مدينة الزبداني بريف دمشق، وجهاد مغنية، وغيرهم من قادة “داعش”.

الأمر الرابع هو انخفاض شعبية حزب الله وسط البيئة الشيعية والحاضنة الطبيعة له، في ظل صفقاته علي أجساد ابناء الطائفة الشيعية، وتراجع الإهتمام بخطابات الامين العام حسن نصرالله والتي لم تعد تلقي نفس القبول والمكانة كما كانت في السنوات الذهبية له.

الأمر الخامس وسائل التواصل الاجتماعي وتجربة الحرب السورية، تجعل كثيرا من الشباب الشيعي، بعيدا عن التأثر بسيرة حزب الله والإتجاه إلي الابتعاد عن الحزب.

وبات السؤال ما هو مستقبل حزب الله؟ مستقبل حزب قد يكون شبيه الى حد كبير بمستقبل جماعة القوات المسلحة الثورية الكولومبية “فارك” بتسليم السلاح والبقاء كحزب سياسي، مع مرعاة عامل الاختلاف بين “فارك” وحزب الله، ولكن تاريخ التنظيمات المسلحة يقول أن حزب الله لن يبقي طويلا علي شكله الحالي.

لا تعليقات

اترك رد