نهب الأموال والممتلكات

 

(( الساكت عن الحق شيطان أخرس )) حديث شريف

أنا الدولة ، أنا الشعب ، أنا المصلحة العامة ، تعابير ومصطلحات تكرر في الأنظمة التوليتارية والشمولية ، وفي الأنظمة القمعية والدكتاتورية ، حيث لا يدخل الشعب في قاموس النخب القوية ، ولا يخطر الشعب ببال المتجبرين الذين اعتلوا العروش بعيداً عن المسرح الديمقراطي ، ولا يعترفون بالمصلحة العامة ولا بسلطة الشعب ، ولا بالمواطنة المتساوية ، ولا بالتناوب السلمي للسلطة ، ولا بالحوار والرأي الآخر ، وإنما يقدسون العنف والإقصاء ويبجلون وسائل وأدوات الإذلال والعنف المادي والرمزي .. لقد كان لويس الرابع عشر في فرنسا يقول : ( أنا الدولة ) ، وقبل ذلك يؤكد مؤسس الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان ، الذي حول الخلافة الإسلامية من شورى إلى وراثة أن : (( الأرض لله .. وأنا خليفة الله ، فما أخذت فلي وما تركت للناس فبفضل مني )) .

إن منطق الاستقواء والسيطرة على كل شيء بدافع الغرور والقوة والاستكبار هو منطق باطل يتقاطع مع النواميس والأخلاقيات الدينية والسياسية والاجتماعية .

فالقوة لا تدوم ، ويبقى الحق ناصعاً في كل العصور وإن طمرته الأيادي الخبيثة التي تخاف كل شعاع للحق والنور والفضيلة .

عندما يبتلع رهط من الناس ملكيات المجتمع ويصادرون حقوقه ، ويعتبرون ذلك مصلحة عامة ، فإنهم بذلك يؤسسون تربة لما أصطلح تسميته في علم الاجتماع بـ ( دولة النهب ) .. فانتهاب المال وممتلكات الأفراد على نحو قاهر وملح ، وبدون مسوغات قانونية وحقوقية عادلة ، وتحويلها إلى جيوب أفراد يعتبرون أنفسهم فوق العامة والقانون ، إنهم كامرأة قيصر فوق الشبهات ..إن هذه التصرفات تضعف شوكة العدل والمساواة في المجتمعات وتضعضع هيبة الدولة الحارسة للحق والقانون ، وتضعها على شفير الانقراض .

إننا نعجب كثيراً لمن تدفعهم الشطحات والقوة والغرور للدوس على كرامة الآخرين تحت شعار (( المصلحة العامة )) ، ويلوون عنق الحقيقة ، ولا يفرقون ما بين مصالحهم وأنانيتهم والمصلحة العامة .

فالنهب لا يمكن أن يصب في خانة المصلحة العامة ، فهو يصب في خانة المتجبرين الذين تقودهم غطرستهم إلى الدوس على كل شيء بما فيه المصلحة العامة . النهب يتعارض مع النظام والقانون ويتعارض مع المواطنة المتساوية والضمير الثقافي والأخلاقي والديني .

فالمصلحة العامة ، ليست نهب وسيطرة على كل شبر وفراغ صغير ، وتحويلها إلى أملاك خاصة ، وتعكير الأمن الاجتماعي وتشويه الجمال وخدش الذوق العام ، وتحويل المساحات المنتهبة إلى كتل من الحديد والأسمنت والخرسانات المسلحة والأحجار الصماء .

إن هذه الأفعال تقتل كل لمسه للجمال والأناقة ، وتعرقل كل تقدم حضاري وتفسد كل معاني الرفعة والسمو والنماء في المجتمعات ، فلا يمكن أن نخطو قيد أنملة إلى الأمام في كنف الشفافية وصوب الخير العام والتنمية ، إلا إذا احترمت المصلحة العامة ، وتم كبح جماح الغرائز البدائية والمتوحشة الراغبة في التهام كل شيء ومصادرة حتى الأماني والأحلام .

يقول أحد المفكرين : (( الغاية القصوى من تأسيس الدولة ليست السيادة وإرهاب الناس ، أو جعلهم يقعون تحت نيران الآخرين ، بل هي تحرير الفرد من الخوف بحيث يعيش كل فرد في أمان بقدر الإمكان ، أي يحتفظ بالقدر المستطاع بحقه الطبيعي في الحياة والعمل دون إلحاق الضرر بالغير . الغاية من تأسيس الدولة ليست تحويل الموجودات العاقلة حيوانات أو آلات صماء ، بل إن المقصود منها إتاحة الفرصة لأبدانهم وأذهانهم كيما تقوم بوظائفها كاملة في آن تام ، بحيث يتسنى لهم أن يستخدموا عقولهم استخداماً حراً دون إشهار لأسلحة الحقد أو الغضب أو الخداع ، بحيث يتعاملون معاً دون ظلم أو إجحاف )) .

لا تعليقات

اترك رد