المنطقة العربية بين الخلافة الداعشية والخلافة الإيرانية


 

تدخل الحملة التي تقودها الولايات المتحدة لدحر تنظيم داعش في العراق وسوريا عامها الرابع التي انطلقت في 8 أغسطس 2014 بطائرتين (إف آي 18 ) من حاملة الطائرات جورج دبليو بوش في الخليج، لتلقيا 500 رطل من القنابل الموجهة بالليز على مقاتلي تنظيم داعش قرب أربيل في شمال العراق تم تعزيزها لاحقا بتدريب قوات محلية لمحاربة المتطرفين بداية في العراق ولاحقا في سوريا.

يمكن يفطن أي مواطن عربي لماذا إذن قام بول بريمر الحاكم العسكري بعد احتلال العراق بتسريح الجيش العراقي رابع أكبر جيش في العالم حتى أصبح العراق وكأنه عاجز عن محاربة مجوعات لا تمتلك طائرات ولا أسلحة استراتيجية فقط من أجل احتياج العراق لأمريكا ولفتوى السيستاني من أجل أن تكون فرصة أيضا للتدخل الإيراني.

كل أزمات المنطقة اختزلت بالحرب على داعش التنظيم الإرهابي الشبحي المصطنع، لكن يتساءل البعض كيف تدعي بأنه تنظيم شبحي مصطنع وسيطر على 104 آلاف كيلو متر مربع وحتى أنه هدد بغداد مع انهيار وحدات الجيش العراقي ودخولها في حالة من الفوضى وارتكب داعش أعمالا وحشية وبربرية، إنه لأمر محير وبعد 3 سنوات على بدء حملة التحالف تمت استعادة 70 في المائة من المناطق التي كانت تحت سيطرة تنظيم داعش في العراق و50 في المائة من المناطق في سوريا، ويتكون التحالف من 69 دولة ومع كل هذا التجييش ضد داعش استمرت الحملة للعام الرابع إنه لأمر محير فعلا.

لكن حينما نرى في نصيحة هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي السابق الإدارة الأمريكية بعدم التعجل في القضاء على داعش وأمثاله في العراق وسوريا تذهب الحيرة، لأن ذلك سيعني إفساح المجال أمام الخلافة الإيرانية وهو اعتراف بأن تلك التنظيمات جميعها من الخمينية والداعشية والقاعدة والطالبانية كلها وجوه لحقيقة قبيحة واحدة لا أقول تأتمر بأمر أمريكا أو بإيران بل إنها صنيعة استخبارات أمريكية وغربية وإيرانية جميعهم اشتركوا في صناعة هذه المليشيات.

لكن كيف جعلت الولايات المتحدة الجميع يشترك بل ويتسابق على قتال داعش ما عدى السعودية التي رفضت مقاتلة داعش دون مقاتلة المليشيات التي تتبع إيران خصوصا

في سوريا، لأنه على وقع هزيمة داعش هناك سباق محموم على الأرض السورية ومزاد أحلام وخطط للنظام السوري الذي يريد إدخال الجميع بيت الطاعة، والكرد يحلمون بدولة كردية ( سوريا الديمقراطية بدعم أمريكي، وتركيا تدعم المعارضة السورية ( درع الفرات ) لمنع تحقيق أحلام قيام دولة كردية، وإسرائيل تخشى ترك سوريا نهبا للجماعات التابعة لإيران وحزب الله.

يبدو أن ترامب وفريقه السياسي أدرك أنه بعد سنتين من الاتفاق النووي الإيراني وسياسة أوباما تسليم مفاتيح الشرق الأوسط للولي الفقيه سيضيع آمال الولايات المتحدة بمنطقة شرق أوسط أمريكي خصوصا وأننا نجد أن فريق أوباما أحدهم روبرت مالي وزميله غوردن ونيفيو المعجبين بحزب الله وحكام إيران والكارهين للعرب والذين يريان بأن ترامب مخطئ في تغيير سياسة أوباما واختارا عنوان لمقالتهما في مجلة ذي أتلانتيك ( الصفقة الأسوأ التي لم تكن كذلك أبدا ) وهما يهدفان منع إيران من الحصول على كميات كافية من المواد الانشطارية الكافية لصنع سلاح نووي مع شراء مزيد من الوقت لحدوث تغييرات محتملة بالوضع السياسي في إيران وسياستها الخارجية حتى عام 2030 وإلا ستتخذ الولايات المتحدة قرارات صعبة تجاه إيران.

وهذا يعني أن الولايات المتحدة ستغض الطرف عن التمدد الإيراني وكأنها حصلت على شيك على بياض لتفعل ما تشاء، وبالفعل أعلنت إيران زمن أوباما أنها احتلت 4 عواصم عربية، وأصدقاء إسرائيل يؤمنون بأن أفضل ضمان لأمن إسرائيل يتمثل بانشغال دول المنطقة عنها بحروبها الأهلية والدينية والمذهبية.

كان وجود داعش مصوغ لنشوء شرق أوسط إيراني لخلق كيانات فاشلة وأحقاد مذهبية ووباء من الجهل والتجهيل وتدمير معظم المؤسسات وهيمنة الفساد، في المقابل ذلك التنظيم الإرهابي داعش أسهمت سياسات طهران وموسكو واشنطن في فبركة وتغذية وإعطاء هذا التنظيم المبرر الطائفي لوجوده.

وكيف أن الجيش اللبناني حرم من هزيمة داعش في لبنان نتيجة خديعة حزب الله التي فرضها على لبنان من أجل أن يبقى القوة الوحيدة المهيمنة في لبنان وليس الجيش، وكيف أن داعش الذي قتل عدد من الجنود اللبنانيين انتقل في باصات مكيفة إلى دير الزور للاشتراك في قتال الأكراد تحت حماية حزب الله والنظام السوري، وكيف أن قتال داعش في تلعفر من دون قيادات، وأين ذهبت تلك القيادات، ولمن تنتمي تلك القيادات التي غررت بالمجاهدين وتركتهم لمصيرهم المحتوم.

يريد حزب الله تثبيت لبنان في المحور الإيراني في المنطقة تحت حماية مذهبية وإيرانية ووصاية سورية التي هي الأخرى تحت الحماية الإيرانية لنسف الشرعية اللبنانية ونسف الدستور حتى يبقى لبنان له جيشان كما في العراق وإيران لنسف الشرعية العربية وحتى لا يبقى جزء من الجامعة العربية التي ترتبط بمصالح عربية، وحتى نسف الشرعية الدولية.

وتريد إيران بديل داعش ليس دولة مدنية ديمقراطية تستوعب الجميع بل تكون على شاكلة لبنان تخضع للنفوذ الإيراني وهيمنة المليشيات والقوى الطائفية، ما يعني تأجيج السنة ونقلها إلى مرحلة أخطر في الدفاع عن الهوية السنية، أي زرع الطائفية في المنطقة لتتسيد إيران المنطقة، وتعيش المنطقة عصور ظلام حقيقية تستدعي الصراعات من رحم التاريخ لتسكن الجغرافيا السياسية الجديدة، ما يعني انهيار ونهاية النظام الإقليمي العربي.

لذلك لم تكن تنتظر السعودية انهيار النظام الإقليمي العربي، كذلك بعدما أصبح مصير المنطقة العربية التي لم تعد تحتل موقعا عاليا في حسابات أوباما الذي تراجع عن معظم ما جاء في خطابه التاريخي في القاهرة عام 2009 وبلغ منتهاه بسقوط الخطوط الحمراء التي توهم كثيرون وجودها التي تركت نظام بشار الأسد بقتل شعبه بالغازات السامة وغيرها، مما فرض على السعودية القيام بصناعة تحالفات عربية وإسلامية أربكت صناع الاتفاق النووي ليس فقط أربكت إيران وهو ما نراه في إعاقة استعادة الشرعية في اليمن والتلكؤ في سوريا وتركها لروسيا التي تحالفت مع الدور السعودي حول أسواق النفط أربك الحسابات الأمريكية.

أوضحت إدارة ترامب أن أولويتها في سوريا تنظيم داعش وليس على الأسد ولا إيران ومنذ الحملة الرئاسية كان الرئيس يصر على العمل مع الروس في سوريا، بل عندما اجتمع ترامب مع بوتين على هامش قمة العشرين قال إن الروس على حق عندما يتعلق الأمر بسوريا، قد يكون بوتين مهتما بخفض تكاليف روسيا في سوريا خصوصا وأن روسيا ستشهد انتخابات رئاسية عام 2018 بعدما حقق بوتين كل ما يريده في سوريا من قاعدة جوية وتوسيع روسيا منشأتها البحرية في طرطوس وتحولها إلى قاعدة أكثر فاعلية وأنشأت مظلة للدفاع الجوي تمتد إلى شرق البحر المتوسط حتى تحولت روسيا إلى حكم في سوريا وليس الولايات المتحدة ما لم يحققه الاتحاد السوفيتي وأصبحت روسيا مقصد لكل السياسيين، وبذلك يكون لبوتين مصلحة في تحقيق الاستقرار في سوريا بالتعاون مع واشنطن حتى لا تؤدي إلى استنزاف أرصدتها المالية.

لكن المشكلة أن وكلاء إيران الشيعية لا يعززون سيطرتهم فحسب، بل يوسعونها لتصل إلى ضواحي دمشق ومحافظة إدلب وشرق سوريا على الطريق السريع بين دمشق وبغداد من أجل إنشاء جسر بري من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان، واحتجت إسرائيل على وقف إطلاق النار لأن إسرائيل ترى أنه يضفي الشرعية على وجود المليشيات الإيرانية في سوريا وربما بالقرب من حدودهم، رغم أن اتفاق وقف إطلاق النار النظام السوري والإيرانيين على بعد 40 كيلومترا من الحدود الأردنية.

رغم أن يوتين يحاول أن يظهر لأصدقائه بأنه يقف إلى جانبهم لكنه لا يستطيع تجاهل مطالب الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية، ولن يحمي المزيد من الجهود السورية المدعومة إيرانيا بالتوسع لأنه سيكلف الخزينة الروسية ومرهقا من عودة التمدد بعد التوصل إلى عدد من اتفاقات وقف التصعيد، ولا تريد روسيا عودة الولايات المتحدة إلى معاقبة النظام السوري مرة أخرى يربك خططها كحكم والتي تتمثل في استئناف الأسلحة الفتاكة للمعارضة السورية.

المفارقة أن الولايات المتحدة عليها ألا تترك فراغا بعد القضاء على داعش في الرقة وبقية المناطق وملئها بالمليشيات الإيرانية الذي يقود مرة أخرى إلى نوع جديد من الطائفية التي يمكن أن تتسبب في ظهور جماعات جهادية أخرى وهي الحالة نفسها التي أدت إلى ظهور داعش في الأساس.

السعودية ودولة الإمارت بدأت تقتنع في التعامل مع العرب الشيعة في العراق ولماذا لا تتعامل كذلك مع التيار الإصلاحي في إيران وفتح باب الحوار للتخفيف من حدة الصراع ومن حدة النزعة الطائفية التي يؤججها التيار المتشدد بل إن العرب جعلوا حسن روحاني مكبل اليدين وجعلوا التيار المتشدد يسيطر على مقاليد القوة الحقيقية وهو الجناح الذي ينتمي له قاسم سليماني القائد الفعلي للمليشيات والمهندس الفعلي للمشروع الطائفي الذي يتولاه التيار المتشدد، والذي يجب أن يكون مكملا للتواصل مع الشيعة العرب وعلى رأسهم مقتدى الصدر لتعزيز المصالح العربية وإخراج العراق من أزمته.

وسبق أن طالبت السعودية في عدة مقالات كتبها كاتب هذا المقال بأهمية احتواء القوميين العرب وعلى رأسهم مقتدى الصدر وحسن نصر الله خصوصا بعد انتصاره على إسرائيل عام 2006 قبل أن تورط إيران حسن نصر الله في مشاريع قومية فارسية بعيدا عن المشاريع العربية، لأن إيران لم تكن راضية عن اتساع شعبية حسن نصر الله عام 2006 في العالمين العربي والإسلامي والتي أذابتها بعد تدخل حزب الله في سوريا ضد قتال الشعب السوري إلى جانب النظام السوري من أجل استمرار حزب الله مشروع إيراني بعيدا عن أي مشروع عربي.

1 تعليقك

اترك رد