أَعْيَانُ خَفِيِّ الْمَعَانِي


 

“الكاملُ من الرجال يكنّى أبا العيون” ابن عربي

لِأَمْرٍ – كان قُدّرَ-أراد الركوبَ من إحدى مُدُن الوَطَنِ القبليّ إلى مَدِينته القصيّة ” العيون الجارية” (1) فما أدرك بُغيتَه، ولِذات الأمر عاود فَدْما من زملائه جَفَاهُ فما رَضِيَه صاحِبًا وطريقُهُ طريقُهُ، ولِذاتِ الأَمْرِ صَمّم مُمعنا في الشّمالِ يَبْغي السبيلَ المِهادَ إلى الجنوبِ.

على مَدْخل مُجْتَمَع القُصّادِ مِن بني مَوْطنه إليه – ولمّا يَجُزْ العتبةَ-سَمِع قائلا ” لنْ نَجِدَ أحْفظَ للأمانةِ مِن…” وانشغل عن تبيّن لاحق الكلام بتعرّف صاحبِ الصوت فإذا هو بأستاذ جامعيّ كان يقعد بين يَدَيه مَقْعَد الدّرس، وإذا بين يَديه هَديّةُ سَنيّةُ مِن لدُن خِدْنِ له كريمٍ: الأسْوَدَانِ، طاب فيهما العذقُ والمَعينُ، وجُمِعَ فيهما الحَرَمَان…

وإذا هو في الطّريق إلى مَهوى فؤاد ذلكم الابنِ الأستاذِ: أمِّهِ المُباركَةِ، يَمْضي فيها صُعُدا يَرتفع ما نأى عن السَّفح.

وهو في مَوْقفه منها؛ وَضُؤت فيها الأمُومَةُ، وخلُص فيها كَريمُ المحتدِ، وشاع بِرُّ عزيزها بها في المكانِ، تجلّت لهُ أعيانُ خفيّ المَعَاني وشُخُوصُها.

وهو في موقفه، وقد علا في الجبل عُلُوّا ونزع بصرُهُ إلى السّماء، وقف على عظمة الإنسان اغتذى جليل القيم فإذا هو عزيزٌ[2] وعزيزٌ[3]، ووقَفَ على تلميذه أَيْداه[4] إذ استخلصَه، وإذ رفعه من مقام المُعلّم الدّرسَ يظنّ الغنى إلى مقام الشّحّاذ يطلب المعنى فيقفوه، وإذ حَباه أن يشهَدَ كيف يتّسع المعنى وتضيق العبارة والأمُّ الرؤومُ ترى في الرّسول إليها ابنَها يقنوها[5] فتُشرقُ منها الأساريرُ لسماع اسمه، والأمّ السّخيّةُ يدُها ما ضنّت بالقِناوة – على ندرتها ورِفعتها- فمتحت منها قِرى ضيفِها، والأمُّ المُباركةُ ترسلُ الدّعواتِ الصّالحات زادًا باقياً ما كان السفرُ…

في طريق عودته، ما انتبه إلى مُنْحَدر الجَبل، كانت العُجوة[6] المُطيّبة بحديث النّبوّة في لسانه، وكان ماءُ زمزمَ السماويُّ المُعْجِزُ الممهورُ بحدبِ الأمومةِ، وحفظِ الله عبادَه، يأخذ مداه في جسده يمدّ قُواهُ بالحياة، وكانت دعواتُها المُرسلةُ ملء سمعه. وكان جميع ذلك ينصُّه[7].

ارتفع وهو يرَى بلسانه وجسده وسمعه، ارتفع وهو يرى بما طالع من نصوص: آيَ القرآن

“وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا “، نصَّ “الصّداقة والصّديق” لأبي حيّان التّوحيديّ:” وقلّ ما نجتمع إلا ويحدّثني عنّي بأسرارٍ ما سافرتْ عن ضميري إلى شفتي، ولا ندّت عن صدري إلى لفظي، وذاك للصّفاء الذي نتساهمه، والوفاء الذي نتقاسمه، والباطن الذي نتّفق عليه، والظّاهر الذي نرجع إليه، والأصل الذي رسوخنا فيه، والفرع الذي تشبّثنا به”، نصَّ الحطيئة:

” وَباتَ أَبوهُم مِن بَشاشَتِهِ أَباً *** لِضَيفِهِمُ وَالأُمُّ مِن بِشرِها أُمّا”، …
ويرتفع عن وجعٍ له قديم يَذكره ما ذكر رثاء أبي الطيّب جدّتَه:
” وما انسَدّتِ الدّنْيا عليّ لضِيقِهَا *** ولكنَّ طَرْفاً لا أراكِ بهِ أعمَــــــــــــى
فَوَا أسَفا ألاّ أُكِبَّ مُقَبِّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلاً *** لرَأسِكِ والصّدْرِ اللّذَيْ مُلِئا حزْمَا
وألاّ أُلاقــي روحَـــــكِ الطّيّبَ الّذي *** كأنّ ذكيّ المِسكِ كانَ له جسمَا ”

ويرتفع بوجعه يذكر جدّته تحفده وهو العجيّ:
تلك الّتي سَبَكَتْ عَنَاقِيدَ الكَلَامِ.
عَلَّهَا صَبِيٌّ عَنِيّ
تلك الّتي وَشَمَتْ عَلَى القَلْبِ المُعَنَّى
حُلُمَ الحَيَاةِ الوضيء

نصوصٌ قد يكون شَرَحَ بعضها لتلميذه في قاعة الدّرس. ولكن ” هل يوجد نصّ في قاعة الدّرس؟”. إنّما النّصّ ما ينشأ في ذات قارئه وهو يعبُر به إلى الحياة، وإنّما العبارةُ مجازُنا إلى ممكنٍ أصيلٍ في الوجود، وإنّما هذا التّلميذُ الصّديقُ، وهذا الابن البارُّ، وهذه الأمُّ الرؤومُ، وتصاريفُ ذهابِ صاحبنا وإيّابِه وجوهٌ بليغةُ من ألوان المجاز، وعيونٌ تكثّرت وتعدّدت، وأحوالٌ وصورٌ تناوبتْه فصار بها كاملا.

[1] مدينة السّارد (تطاوين) وهي تسمية أمازيغيّة تعني: العيون.
[2] منيع.
[3] ذو مكانة.
[4] صنع إليه معروفا.
[5] يكافئها
[6] تمر العجوة من أجود أنواع التّمر بالمدينة المنوّرة ، يميل إلى السّواد.
[7] يرفعه.

لا تعليقات

اترك رد