منطق التفكير العلمي ومبدأ التجريد في تفاصيل وجودنا الإنساني

 

ترد مفردة (تجريد) بمعنى إزالة ما على المرء أو الشيء أو القضية من أثواب وقشور أو تفاصيل وصفات.. واستخراج الحقيقة الملموسة، كما هي بمبدأ وجودها الأول. وفيما تدل عليه اصطلاحاً في المعاجم تأتي مفردة (تجريد): (ااسماً و\أو مصدراً) لـ (جَرَّدَ).. وفي الصَّرفِ تشيرُ إلى خُلُوُّ الكَلمةِ مِنَ الزَّوائِدِ ومثل ذلك في النحو تشيرُ إلى إزالة العوامِلِ اللفظية من الكلمة؛ وبلاغياً إخراج الشيء من تفاصيله وما يحيط به للتركيز على ما تمَّ اختياره من صفة كأن تقول: هو (وفي أو صادق) فأنت تختار من الشخص صفة الوفاء أو الصدق لتركز عليها.. وتتسع توظيفات التجريد فتأتي فنياً بإزالة تفاصيل كثيرة لرسم لوحة أو تصوير شخصية بما يُراد التركيز عليه… وهكذا فإننا نتابع الأمر، فلسفيا فنجسد عملية التجريد، بمهمة العزل والفصل لصفةٍ أو صفات بصورة (ذهنية) بغاية حصر التفكير وتركيزه فيها أو عليها.

إذن، فتشكيل المجرد واستيلاده يتأتى في ضوء أبعد حال من (تقليل) ما يحيط به من معلومات وصفات لأي وجود أو ظاهرة نرصدهما. إن التجريد يمثل سمة في إطار الحداثة السلوكية، وقد تطوَّر بتطور لغة الإنسان وأدائه الفكري، وبهذا فإنّ الإنسان الذي بات غارقاً في تفاصيل وجوده بات يبحث عن بديل يتجسد في التجريد كونه استراتيجية تبسيط الفعل ومنطق أدائه..

يمكننا التذكير هنا، على سبيل المثال، بتحليل أمر أو إشكالية أو قضية بوساطة الرسم البياني، إذ التخطيط هو تجريد مقصود به تبسيط القراءة والمعالجة وتوضيحها بأوالياتها.

وعَوْداً على بدء فإنّ التجريد يصرف الباحث عن معانيه ودلالاته ومقاصده باتجاه استخدام الدقة الرياضية ونظريات (الكم) التي تؤدي بنا بالضرورة، إلى الاطلاع على سمة التجريد في تلك القيم الرقمية أو في وجود الشفرات (CODES) التي لا تعبر عن (كيف) بعينه – ومن ثمّ بتفاصيله الغارق فيها- بقدر ما تعبر عن سمات مجردة ترسم العلائق بين أطرافها.. حيث (س+ ص= ص+س) في جميع الأحوال الكيفية بتنوعاتها واختلافات وجودها… وحيث مثالنا الآخر يشير إلى ما نريده من (التجريد) بافشارة إلى اصطلاح خطوط الطول والعرض؛ وهي تمثل (مجرد) فرضيات متخيلة لا رسوماً حقيقية ملموسة على الكرة الأرضية…

وأمر التجريد بعد هذا، ليس رغبة خارجية تجاه الأشياء والقضايا، تأتي أو تُستخدم بلا سبب؛ فنحن على سبيل المثال نستطيع أن نسمع مدى موحياً محدداً من الصوت ولا نسمع مديات أقل أو أعلى بقيمتها الموجية… ولهذا عندما ندرس الأطوال الموجية فيزيائياً، سنتعرف إلى أصوات لا نسمعها بالوضع الكيفي المحدود كمياً الدال بكل طيف على معنى بعينه.. ومثل هذا في الأمواج الضوئية التي تتحدث عن وحدة الجوهر الذي نراه ونعرفه في ألوان منفصلة، نضع حواجز بينها؛ فيما التجريد يمكّننا من كسر أحوال الفصل الخارجية التي يجريها بعض غير المؤمنين بالتفكير العلمي ومنطقه.

فالتجرد والنظر بموضوعية إلى حقيقة عالمنا، يجعلنا نتعرف إليه أدق وأفضل بما يساعدنا عل السيطرة عليه تماما وتوجيهه إلى ما يخدم الإنسان.. بينما البقاء أسرى النظر الكيفي العيني يجعلنا أسرى لا نفقه آليات فهم محيطنا وتوظيفه لمصلحتنا لبقائنا حبيسي الخوف من المجهول!

وقيميا سلوكياً، نحن بحاجة للتجريد في تفاعلاتنا مع حدث أو واقعة أو ممارسسة بعينها سواء لنا أو للآخر، ممن لنا علاقة مباشرة او غير مباشرة به. وبحال التجرد نمهّد للحياد في اتخاذ الموقف من الإشكالية وأعمق من مفهوم الحياد نزيل الوقع النفسي الانفعالي الذي ربما يكون سلبيا ضاراً وحتى إذا كان إيجابياً فقد لا يكون سليماً عندما يوقعنا بخديعة أو تضليل… فليس كل ما يفرحنا لأول وهلة يعني أنه مفيد وصحيح وصائب فربما مظهره كذلك وجوهره غير ذلك على النقيض حيث ما يختفي وراء عبثية الاشتغال..

من هنا تكون فعالية التفكير بمنطق العقل العلمي بالاستناد إلى مبدأ التجريد فرصة لاكشتاف الجوهر بسلامة وهدوء وروية…

وهذا لا يقف حصراً في وجودنا الشخصي الفردي بل يمتد إلى عمق وجودنا الجمعي أو علاقاتنا المجتمعية الموضوعية لا الذاتية. هناك التعقيدات غارقة في التفاصيل حد التعقيد؛ ما يشيع العتمة والضبابية وربما التضليل.. وليس بأيدينا سوى تجريد الظواهر ودراستها (رياضياً \تجريديا) كي نتعرف إلى مبدأ وجودها الحقيقي الأول كما هي فـ تسطع أمامنا الفرص أكثر في التعامل وتقديم الحلول.

كنتُ في ثمانينات القرن المنصرم أحلل النصوص الدرامية وأعكف على الوصول إلى جوهر بنيتها. ومبدئياً حاولت توظيف علاقتي بالرياضيات والفيزياء وبقوانين علمية في منطق اشتغالها ووجودها وربما كان ذلك اشتغالاً تأسيسياً مبتكراً، ولكنه بالمحصلة متابعة لعصر بات يدرس كل ظواهره بذهنية وعقلية نوعية جديدة تستند إلى منطق التفكير العلمي..

هنا وجدتني أمام مهمة تجسيد العلمي الأكثر دقة من جهة والأعمق في منهجيته الرياضية وفي استفادته من الطبيعي الفيزيائي فتوجهت إلى اسثمار بعض مفردات سابقة ظلت محدودة ومجرد رموز بسيطة لتعزيزها وتطويرها في تخطيطات مركبة تتسع بشمول البنية الدرامية وأجزائها فجاءت على سبيل المثال البنية الأرسطية وتطبيقاتها والبنى المفتوحة والدائرية والمنبسطة في تخطيطات (تجريدية) تعبر عن ظاهرة البنية وتسمح بالتطبيقات على مجمل النتاج المسرحي الدرامي من دون عوائق أو محدودية وضيق ومن دون فرض قوالب جامدة بل بتضمّن فرص التطوير وإيجاد نتائج مستقلة مضافة على القوانين والتخطيطات النظرية الأولى.

كما وجدتني وأنا أحاول قراءة قضية اجتماعية أو علاقات بين أطرافها أتجه لتجريدها مما يشيع في الوسط من تعامل منطلقاته (الشخصنة) وإغراق القضايا بانفعاليات (ذاتية) وبإسقاطات فردية تضيع جوهر القضية لتنحرف بها إلى تفاصيل خارجها وربما ليس لها علاقة بالأصل سوى بصلات خارجية واهية فيما ينطلق سجال وتتولد صراعات بين أطرافها بالتاسيس على تلك الوصفية وتفاصيلها مما ينتمي للشخصنة بما يثقلها بانفعالات قلنا إنها مترتبات غير موضوعية لا صلة بجوهر القضية لحظة نتعامل معها (تجريديا)…

إن قراءة الأمور بوساطة تبسيطها أقصد بتجريدها من الزوائد وبالكشف عن الجوهر والوجود الأول لها سيساعد بشكل حاسم على التفاعل مع تلك الأمور موضوعيا.. بتجنب الموقف الانفعالي وإسقاطاتنا الخاصة ووضع الحلول العقلية لأية مشكلة..

أرجو أن يراجع كل امرئ منا موقفه في آخر قضية اتخذ بها قرارا في العلاقة مع أحد أفراد عائلته أو أقربائه او اصدقائه أو زملائه، وان يدرس كيف تفاعل مع تلك القضية؛ هل جاء الأمر من بوابة تأثيراته الانفعالية أم من بوابة تجريدها من تفاصيل ما أحاط بها؟

مثلا هل خفف المرء منا من غلواء الآخر وانفعاله وتجاوز ذلك وركّز على جوهر القضية بتجريدها مما لحق بها من تفاصيل ليست من جوهرها؟

ألا يتذكر كل منا سلوكياً أنه لم يفرمل على نفسه وعلى انفعالات لحظة يتداول مع الآخر إشكالية ما؟ أليس هذا مما يخضع المرء لتفاصيل وزوائد تنحرف بالقضية عن أبعادها؟ ألا يتذكر بعضنا أن بعض القضايا التي نفترق بها بعضنا عن بعض نحن متفقين حولها ومواقفنا منها واحدة ولكننا افترقنا لابتعادنا عن طابع القضية مجردة من زوائدها وتفاصيلها ومن ذلك مثلا الانفعالات غير المبررة سوى بضغوط علينا وهي ضغوط من أمور حياتية أخرى غير ضغط القضية المحددة التي نحن بصددها؟

ولابد لنا من جهة التطبيق أن نمضي أبعد بضرب الأمثلة من تفاصيل يومنا فرديا جمعيا كيما نستمد من مبادئ منطق التفكير العلمي أدوات للسير بأوضاعنا إلى أمام وتلكم هي القضية..

آمل بهذه الومضة أن أكون وضعت لمسات أولية لاستيعاب مفردة التجريد اصطلاحاً وأداة للاشتغال الإنساني في إطار مفردات اشتغال منطق العقل العلمي ومنهج التفكير العلمي ومحاور توظيفه ميدانيا في حيواتنا، تاركا لكل منكم إضفاء الأمثلة والمعالجات التي تساهم بتدقيق النظرية وتطبيقاتها.

لا تعليقات

اترك رد