انحطاط العقل العربي


 

يعاني العقل العربي منذ عقود طويلة من التكرار والإجترار والجمود والخوف والقهر، فهو عقل دوغمائي سطحي لا يستطيع اتخاذ القرارات أو مواجهة التحديات المعرفية والعلمية والفلسفية. فبين العقل الحر والإرادة الانسانية كيمياء ورغبة تفاعلية، وعندما تقوى الإرادة يستجيب العقل ويأتي النجاح بالعمل والجهد والتفكير، بينما اذا ضعفت ووهنت تلك الإرادة, ذوى العقل وتبلد، وهكذا نحن منذ قرون وتحديدا بعد فشل عصر النهضة العربية الأولى، وتفوق الغرب علينا بكل المجالات.

ومرد ذلك بحسب العديد من المفكرين والفلاسفة هو وقوف العقل العربي عن التطور بعد الحداثة والعولمة والعقلانية. فالجابري أعلن بصراحة أن العقل العربي قام بـ”إلغاء الزمان والتطور” عن طريق رؤية الحاضر والمستقبل، من خلال الماضي، فهو فكر لا تاريخي ذو “زمان راكد “لا يتحرك ولا يتم”

ويقول الجابري ايضا “إن العقل العربي يفكر بطريقة معيارية.. أي إنه يَختزل الأشياء في قيمتها فتضيق ولا يبقى لها مجالاً للتحليل أو بعد النظر. إنه قليلاً ما يتمكن من فعل العكس وهو التفكير بطريقة موضوعية وتحليل الأشياء من حوله. ”

ويقول الفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت” عن العقل: انه اعدل الاشياء قسمة بين الناس، ولا يكفي ان يكون للمرء عقل، بل المهم ان يحسن استخدامه”. ويقول مراد وهبة: “على مدار التاريخ، جاء عجز العقل العربي عن تجاوز الماضي نتيجة لهيمنة المحرمات الثقافية على الذهنية العربية، إذ يرفض العقل العربي التعرض لمثل هذه المحرمات وتناولها بعقل ناقد لأنه ملتزم بالماضي، وحيث أن المحرمات الثقافية من إفراز الماضي سيظل العقل العربي يفكر في إطارها.” وأكاد أجزم هنا وبعد تعرضي للعديد من المحاكمات والقضايا ضد أفكاري ان هذه المحرمات الثقافية ماهي الا الدين والجنس والسياسة.

هذه الرؤية تحتم علينا أن نتساءل عن دور العقل العربي اليوم في ظل الصراعات الدينية والمذهبية والسياسية التي تشهدها المجتمعات العربية؟ فالثورات العربية التي انطلقت منذ أكثر من خمس سنوات لا يمكنها أن تنجح في غياب تام للمفكر والمثقف العربي، لأن نجاح كل ثورة في ساحة المعركة، يرتبط بمدى نجاحها على مستوى الفكر، وهذه احد معالم الثورة الكوبيرنكية، وهي جعل كل ما هو حسي خاضع لما يمليه العقل، فحتى الدين يجب النظر إليه بمنظار النقد، بل ينبغي جعله عقليا حتى يصبح ذو طابعا روحانيا فقط، لأن أغلب الصراعات القائمة اليوم في مجتمعاتنا تجد أساسها في رحم الدين، بالتالي فالحل لابد وأن يكون من داخل الدين.

ولكن ألا يحتاج نقد الدين الي مساحات هائلة من الحريات والديمقراطية وثقافة التنوير؟. فلا يمكن أن نبدأ خطوات التفكيك والحفر الآركيولوجي دون ان نمتلك البيئة التى تساهم في خلق الاصلاح؟!!..وهذه اليوم أكبر المعضلات التى يواجهها من يريد اصلاح الدين أو النظر الي داخله النصي والفقهي والتراثي.

فلا تزال تجربة التنوير العربية تعاني التخبط والفشل لأنها تركز على المسائل الفقهية الهامشية، أي الحلال والحرام، دون ان تدخل في عمق النص الديني المؤسس وهو القرآن والوحي والله.. فدون تجديد قراءته ووضعه في صيغة الزمان والمكان الحاليين، لن نستطيع خلق خطاب ديني مستنير يستهدف التنمية الدينية والاستنارة العقلية.

إن الصيرورات الراهنة، الثورات العربية – تقدم الغرب – انحطاط العقل العربي.. تشكل ضرورة كبرى بإعادة طرح النظريات والمشروعات الفكرية، مشروع الجابري وأركون وطرابيشي وابو زيد وغيرهم، من خلال قراءة التحولات المعاصرة في البنى الثقافية والأخلاقية العربية، لأن الحاجة إلى الوقوف على التحولات من وجهة نظر الفكر العربي ومنجز مفكريه الضخم واستكمال مشاريعهم في ضوء التطورات الحديثة، قد يسهم في تشكيل رؤية حقيقية وصادقة عما يحدث للعقل العربي، خاصة وان اشكالية انحطاط العقل العربي، تأتي دائما عبر سؤال:

هل انحطاط العقل العربي جاء إفرازا لعوامل المؤامرة والاستعمار والعولمة الغربية، أم أنها مسألة داخلية محكومة بآليات ذاتية علينا أن نتحمل كافة تبعاتها، وأن نتهم انفسنا أولا بانحطاط العقل العربي؟.

إن أزمة العقل العربي تصدر عن خلل في عملية الوعي العام، وهذا إنما يأتي من التناقضات التي تحياها المجتمعات والشعوب وفق تراكيب مصنوعة بتأثير عقلية رجال الدين والفقهاء في مسار عقلية الأنا.

ما نحتاج اليه اليوم، كأفراد ومؤسسات وأنظمة سياسية، للخروج من نفق الإنحطاط هو القطيعة مع ثقافة القداسة المطلقة التي منحناها للدين وللفقهاء الذين يحتمون بثقافة اهل القبور ويحاربون أي فكر تنويري وتطلع حداثي. فنحن في أمس الحاجة الى ثورة علمية وفكرية تخرجنا من أتون التطرف والارهاب والجمود، وهذا امر يتطلب ارادة علمانية، واصلاحا ديمقراطيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وصحوة تنويرية تشارك فيها انظمة التعليم، والعلماء والمفكرين والمثقفين والكتاب، ووسائل الاعلام بمختلف اشكالها. ولكن الأهم من ذلك كله هو وجود الرغبة في التغيير والتطور .. فالشعوب المتقدمة اليوم هي شعوب أدركت ذلك فخلقت مستقبلها، بينما الشعوب المتخلفة هي شعوب استسلمت للخوف والوصاية فصنعت بؤسها ودمارها.

2 تعليقات

  1. كلمة انحطاط كلمة قاسية بحقنا حبذا لو ابدلة بكلمة ازمة او نقد او تاملات او عروج ولفتنا كريمة النقطة الثانية ضاع العرب بعد سقوط الدولة العباسية ونهض العرب واغتيلة الثورة العربية الكبرى الولالى بقيادة الشريف حسين وصودرة الثورة العربية الثانية او قل النهضة العربية الثانية بقيادة عبد الناصر وميشيل عفلق وما زال العرب يكررون نفس الخطاء وهو اقتباس التجربة الغربية ولو اعتمد على نهضة عربية اسلامية لنجحت واسس دولة كالدولة الاموية او العباسية او الفاطمية ولكن القوميين اقتبسوا التجربة الفربية عبد الناصر وميشيل عفلق والاسلاميين حركة الاخوان المسلمين وحزب الدعوة اختاروا اسلاما امميا ففشلت التجربيتين

  2. أخوكم من الجزائر : مشكور على المنشور و شكرا للمفكر على صراحته و الله العلي العظيم أم معظم الأزمات التي يعاني منها العرب أسبابها الدين .ينظرون إلى إلى كل القضايا بنظرة دينية حتى لو كانت تحتاج إلى فلسفة و علوم دقيقة ….
    العرب يعيشون في أوهام و من أكبر اوهامهم أن لهم وطن عربيا فقسموه إلى مشرق عربي و مغرب عربي أي شمال افريقيا و لو نعود إلى تاريخ الفتوحات الاسلامية نجدهم أحتلوا هذه البلدان من خلال غزوات و غزنا في اللغة العربية معناه احتل او أخذ و استولى على ما ليس له .
    عربوا أمما باسم الدين و جردوهم من هويتهم الأصلية و صارت تلك الأمم تعيش دون هوية . اين الحضارات السابقة في الشام ؟ السريانية ، الأرامية ؟ ….أين الحضارة الأمازيغية في شمال افريقيا ؟ طفل عندنا في شمال افرقيا يدخل إلى المدرسة مزودا بأربعة ألاف كلمة حسب الاخصائيين في اللسانيات يدخل إلى المدرسة و يبدأ تعلم لغة أخرى جديدة من جديد و أنه لم يتكلم من قبل …..و يضيع كل ما تعلمه منذ ولادته إلى غاية دخوله المدرسة …….

اترك رد