خريف المرجعية الشيعية


 

يرى الكثير من العراقيين في المرجع الشيعي الاعلى السيد السيستاني صمام امان للوضع العراقي القائم، وهذه العبارة لوحدها تعني ان الوضع على ماهو عليه من تدني وانحراف وتردي إلّا انه افضل ما يمكن ان يكون عليه العراق حاليا، ولم يحصل هذا (الافضل) الا بوجود السيد السيستاني، ولعل العام 2014 شهد اهم حضور و تاثير له ، اذ لولا فتواه بالجهاد لكان العراق قد اصبح كله تحت سيطرة داعش التي راح بعض قادتها ومؤيديها يهددون بالزحف نحو بغداد بعد سيطرتهم السريعة على الموصل ومحافظات اخرى وانهيار شبه تام للجيش ، ولم يكن يدرك السيد السيستاني او المحيطين به ان فتواه هذه وان كانت قد انقذت البلاد فعلا، الا انها وضعته تحت رحمة الميليشيات التي وجدت في الفتوى فرصة سانحة ومجالا رسميا وشرعيا للتمدد والانتشار والتسلط، ومن ثم الاتجاه لتكوين الحشد الشعبي الذي وان اخذ تسمية محلية الا انه في النهاية لن يختلف عما هي عليه صورة الحرس الثوري الايراني خاصة وان اغلب تلك الميليشيات تدين بالولاء للولي الفقيه وليس للعراق، وتاتمر ميدانيا باوامر قائد فيلق القدس الايراني قاسم سليماني..

ويرى العراقيون ايضا ان للمرجع السيستاني الدور الاكبر والتاثير الاهم والكلمة الفصل في كل ما يتعلق بالشؤون التي تخص البلد، ويعرفون رغم انه لم يفعلها لحد الان، انه قادر بكلمة منه ان يزيل الحكومة الحالية بل ويستبدل النظام باكمله، غير ان ما يعلن عن مكتبه انه لايريد زج نفسه بالسياسة وان للسياسة اهلها والقائمين عليها، مع ان خطبة الجمعة المعتادة تحوي فصلا للحديث عن السياسة وما تمر به البلاد اسبوعيا او بالمجمل العام، يتضمن ذلك بعض الانتقادات للسياسات العامة وبعض التوجيهات التي للاسف لم يلتزم بها قادة البلاد، لذا يرى البعض ان موقفه هذا فيه غموض وتناقض كبير اذ ان مسؤوليته الشرعية تقتضي منه حماية شعبه ومريديه مما يجري لهم ومن الاذى والدمار والفقر والظلم والتمييز الذي يتعرضون له بسبب الفساد المستشري باسم الدين والمرجعية..

في الاونة الاخيرة بدات بعض الدوائر تتحدث عن خليفة السيد السيستاني، العراقيون بطبعهم لايميلون لهذا الحديث، فقدسية المرجع لاتعطي لخيالهم فسحة لتصور البديل، غير ان المراقبين في الخارج وخاصة من تلك الدوائر التي تعرف ان العراق يعيش فوق بركان ساخن، تضع الدراسات والخطط لضمان ابقاء البركان هامدا اطول فترة ممكنة، والا فان حممه ان هاج وانفجر سوف تغطي سماء العراق وربما جواره ايضا، ولهذا فان الجميع في سباق لترتيب وضع الخليفة مع معرفتهم الاكيدة بعدم توفر القدرة المطلقة للسيطرة على مشاعر الجموع المقلدة ، الدوائر الاميريكية وفي سياق حملتها لتضييق الوجود الايراني في العراق ومحاصرته ، ترى ان من المهم بل ومن الضروري ان يكون الخليفة خارج السيطرة الايرانية وبعيدا عن هواها، فيما تسعى ايران ومرجعية قم بشكل تقليدي وضمن سياق المنافسة التاريخية بينها وبين مرجعية النجف على جعلها تابعة لها او ضمن سطوتها وتاثيرها، وترى صحيفة نيويورك تايمز في سياق تقرير لها ان المنافسة على الخلافة قد بدأت بالفعل وان الولي الفقية خامنئي يرتب ان تكون مرجعية النجف بعد السيستاني تابعة له..

ترى بعض الاوساط الدينية ان اية الله محمود الهاشمي الشهرودي المقيم في ايران حاليا وهو عضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام و مجلس صيانة الدستور وسبق ان تراس المجلس الاعلى للثورة الاسلامية يخطط للانتقال الى النجف لاعتقاد البعض وخاصة الايرانيين باهليته ليكون الخليفة المرتقب، فيما تعول اطراف اخرى على شخصيات مثل محمد سعيد الحكيم واسحاق الفياض واخرين من المتواجدين في النجف لنيل خلافة السيستاني..

على اية حال اذا كان العراقيون يعتقدون ان لوجود السيستاني تاثير واضح في ضبط ايقاع الواقع الحالي فان عدم وجوده استنادا الى قناعاتهم سيؤدي الى فقدان صمام الامان هذا، واذا كانت الكثير من الفصائل الشيعية رغم وجود السيستاني تعلن ولائها للولي الفقيه في ايران مع الاعلان الخجل باحترام مرجعية النجف، فانها بعد رحيل السيستاني ستترك هذا الخجل وتعلن صراحة عدم ولائها للعراق وحكومته، في نفس الوقت الذي سينفرط فيه عقد الولاءات الشيعية المتنوع اصلا بتنوع المراجع الحاليين وتعددهم..

وهذا الانفراط سينسحب على الساحة السياسية التي يعلم القائمون عليها ان وجود السيستاني هو الضابط الوحيد لايقاع وتحركات الكثير منهم، وهو المانع الاوحد لانحرافات كانت لتكون اكثر خطورة بعدم وجوده، مع انه صمت على خروقات كبيرة وواضحة وفي مراحل حرجة قادت البلاد الى ماهي عليه الان..

واذا ما رحل السيستاني، ومع السيطرة والنفوذ الايراني القائم حاليا فان مرجعية النجف ايلة للتفكك وستكون الفصول القادمة لمرجعية قم وللولي الفقيه حصرا ، مما سيدفع البلاد الى اتون صراعات شيعية شيعية من جهة وعراقية ايرانية من جهة اخرى، ومن المتوقع ان حجم الخلافات الشيعية ذاتها سيزداد ويتسع خاصة وان من المعتاد في الوسط تعدد المراجع وتنوع التقليد..

هذا الفصل هو الفصل الاخير لمرجعية النجف، واذا ما تمكن اي من الايرانيين او الاميركيين من السيطرة عليها فان التعقيد الاكثر توقعا اضافة لماذكرناه هو استمرار وتصاعد الصراع الايراني الاميركي السعودي الذي سيجعل من البلاد ارضا محروقة و ساحة معركة لن تبقي ولن تذر..

4 تعليقات

  1. تحليل منطقي 100%ومع نهاية مرجعية السيد السيستاني ستدخل الحوزة في نفق مظلم الخاسر الوحيد هم الشيعة …

  2. تحية طيبة زميلي الاستاذ حسن متعب المحترم
    ماتطرقت اليه هو واقع حال وحديث الشارع الآن ,مع بضعة ملاحظات اعتقد من المناسب إنْ اذكرها لحضرتكم ومن نبلكم الاستماع إليها مع وافر محبتي
    1- عدم تدخل سماحة السيد السستاني في كل صغيرة وكبيرة في سياسة العراق مابعد 2003م ,وضع حدا لفكرة ولاية الفقيه في زمن وجوده في النجف الاشرف وهذا بحد ذاته دعما لمفهوم الديمقراطية باطارها العام.
    2-تنصيب المرجع الجديد في حال وفاة المرجع الموجود الآى لاسامح الله ,يكون بالطريقة التالية والتي عرفها اباؤنا واجدادنا منقبل ,المرجع الجديد هو المرجع الذي يكلف من قبل القديم بالصلاة عليه اثناء الدفن ولا توجد طريقة أخرى بديلة في هذا الشأن.
    3-شعر العراقيون بالامان مع مرجعية السيد السستاني حين تم تفجير المرقدين المقدسين في سامراء وكانت الاسلحة قد نزلت الى الشارع بشكل رعهيب ومخيف كما تعلم ولكن السيد أبطل هذا الاندفاع بمقولته السنة انفسنا ,والتي على عظمتها يستخف بها بعضهم…
    نعم ربما يكون الخريف قادم مع المخطط الجديد لولاية الفقيه ولننا نءمن بالله وبشعبنا ان لاينقاد إلى هذا الموضوع لانه كارثي…
    محبتي لك لاتنقطع
    جمال سحين مسلم

  3. السيناريو بهذا الشكل داكن ومقبض ومخيف، لأن الصراع الشيعي الشيعي أكثر خطورة من المواجهات مع داعش، وهذا أمر يدركه أي مطلع على الشأن العراقي.. الحاجة ماسة إلى مرجع مؤثر، عربي، خارج عن سطوة قم وطهران… موضوعك جميل ومستفز للتفكير في هذا الشأن الخطير .. عزيزي حسن..

  4. لقد حدثت مثل هذه الأمور أو قريبا منها في تأريخ الحوزة ومرت بسلام لم تسفر عن اقتتال شيعي شيعي ولا عراقي إيراني ولابأس إن نتذكر الأيام الأولى لسقوط النظام وكيف آلت الأمور إلى سيطرة التيار البعيد عن السيد السيستاني ولكن لم تحدث المواجهة وايضاً عند ظهور السيد محمد صادق الصدر أيام النظام البائد وحصل التشاحن الكبير بين أنصار المرجعيات ولكن لم يرتق إلى مستوى الاقتتال كما إن حوزة النجف ستبقى في المقدمة مهما حاول البعض في اردافها خلفاً نتيجة لأسباب كثيرة لمجال لذكرها.
    كل التحية والتقدير لكم.

اترك رد