هل أن خصخصة المؤسسات العمومية هي شر لابد منه ؟


 

عرفت تونس في السنوات الأخيرة ترديا على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية , ووصل هذا التردي الى درجة تدعو الى القلق وتنبئ بأخطار قد تكون كبيرة خاصة في هذه الفترة الحالية , حيث وصلنا في نهاية المطاف الى حصيلة سلبية ووضعية افلاس بامتياز . فقد أضحى الاقتصاد الوطني فريسة للمديونية , وتزايد الانحدار في عجز الميزان التجاري وفي قيمة الدينار التونسي , هذا في وقت تنذر فيه كل المؤشرات والأرقام الرسمية الصادرة , في الآونة الأخيرة , عن المؤسسات الوطنية أو الأجنبية بتدهوروتأزم الوضع الاقتصادي , فضلا باشعال الضوء الأحمر من طرف وكالة الترقيم العالمي “موديز” وخفض تصنيف تونس السيادي من مستوى “ب أ3″ الى مستوى ” ب 1″ مع أفاق سلبية . ومن ثم يتضح بجلاء أن هذه الأزمة التي تمر بها البلاد وما آلت اليه من ضعف معدل النمو وقلة انتاج وفرص الشغل وتراجع الصادرات والتدني المسترسل للأوضاع الاجتماعية , سببه الرئيسي في واقع الأمر , هو جملة من الاختيارات والتدابير التي تم التصفيق لها بالأمس القريب , وأدت في النهاية الى اضعاف الاقتصاد الوطني وجعله على شفا الافلاس والى المزيد من تدني أوضاع أغلب فئات الشعب التونسي !
وفي خضم هذا الواقع , هل توجد سياسات اقتصادية للحكومة الحالية ؟ هل السياسة المالية والاقتصادية في تونس محكومة باتجاه واحد له علاقة بصندوق النقد الدولي ؟ وما الحل لانقاذ الاقتصاد من حالة الاختناق التي يعاني منها ؟ وهل الحل الأفضل اليوم هو خوصصة المؤسسات العمومية لسد الثغرات المالية ؟
لايخفى على أحد أن حكومة الشاهد اليوم في مأزق , نظرا لتأزم وخطورة الوضع الاقتصادي والمالي في تونس وسياسة الاقتراض, التي أنتهجتها الحكومات المتعاقبة وأغرقت البلاد في الديون . وأمام هذه الوضعية العويصة , أصبحت تونس رهينة المؤسسات الدولية , ولاسيما صندوق النقد الدولي الذي يضطر لاصدار تعليمات “اصلاحية” لفك الاختناق الاقتصادي الذي تعانيه بلادنا , بهدف ضمان استرداد ديونه أولا واجبارها ثانيا على الاندماج في نظام الاقتصاد الدولي القائم على تحرير التجارة. وتشمل هذه التعليمات من تخفيض عدد الموظفين وأجورهم ورفع الدولة يدها عن المواد المدعمة وخصخصة القطاعات العمومية وتحرير التجارة الخارجية والاصلاح الضريبي . وهذا ما يفسر سياسة التقشف التي تتبعها حكومة الشاهد, خاصة في مجال الميزانية العمومية عبر تجميد الانتدابات وخفض الدعم . ويبدو أن موقف صندوق النقد الدولي لا يتماشى مع انتظارات تونس , خاصة بعدما نشرالوفد الذي زار تونس خلال شهر جويلية 2017 تقريرا سلبيا ينبئ بعدم صرف القسط الثالث من القرض في موعده .
لهذا أصبحت حكومة الشاهد بين المطرقة والسندان , وبدت مكبلة وعاجزة على استنباط الحلول اللازمة للخروج من حال الافلاس الذي وصلت اليه الدولة أو على الأقل التخفيف من وطأته , وبالتالي الى أين نحن سائرون ؟ وهل الخوصصة هي الحل الأفضل والخيار الاستراتيجي الوحيد لسد الثغرات المالية من خلال التفويت في المؤسسات العمومية التي تعاني من عجز مالي متراكم يفوق 3000مليون دينار ؟
من المؤكد أن أكثر المؤسسات العمومية اليوم في تونس , ومنذ 2011 , تعاني من مشاكل مالية ضخمة , أربكت الحكومات المتعاقبة بتحمل أعبائها من خلال الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية , الأمر الذي ساهم في رفع عجز الميزانية المالية العامة للبلاد . ولا ننسى أن أغلب هذه المؤسسات العمومية تقدم خدماتها في أكثر من قطاع , من أهمها شركات النقل البري والجوي والسكك الحديد وشركات الكهرباء والغازوالمياه والملاحة والتلفزة والاذاعة والطباعة والنشر والصيدالبحري وشركات عقارية والمصارف وغيرها …لذا قيل لنا أن الخوصصة ستساعد الاقتصاد الوطني على الخروج من أزمته , وعلى تجميع شروط الاقلاع وانطلاق صيرورة النمو وتحقيق معدل نمو يمكن من التصدي للمعضلات الاجتماعية القائمة , وبالتالي تحول هذه المؤسسات العمومية الى الخواص, سيزيل على كاهل الحكومة عبء خسائر هذه المؤسسات مما يدفع الدولة بتركيز جهودها لأهداف أساسية , بمعنى آخر أن تلك الخوصصة ستؤثر ايجابا على المالية العامة للدولة , وذلك بتقليص النفقات التي كانت توجه لدعم القطاع العام , ومن ثم تخفيض العجز وزيادة الايرادات المترتبة عن بيع المؤسسات والضرائب التي تفرض عليها بعد تحويلها للقطاع الخاص ,وكذلك تخفيض عبء المديونية الخارجية بتحويل جزء من الديون الى استثمارات .
طبعا لهذه الأسباب , بدت رغبة الحكومة واضحة في خوصصة البعض منها وجس نبض الرأي العام , وبالأساس البنوك العمومية والخطوط التونسية والمؤسسات التي تدير الخدمات الحيوية في قطاعات المياه ” الصوناد” والكهرباء “الستاغ” وكذلك مؤسسات الصحة والتعليم . فهل أن السياسات الحكومية الحالية جعلت من الخوصصة خيارا استراتيجيا لا رجعة عنه أم أمامه عقبات ؟ وهل بهذه السهولة نفوت في مكاسب الشعب التونسي ؟
ومن المعلوم أن الخوصصة ظلت من الاجراءات التي دافع عليها بقوة خبراء البنك وصندوق النقد الدوليين , ومن املاءاته على الحكومات العربية عامة لمنحها القروض اللازمة لعملية التنمية . وتونس طبعا ليست استثناء , فهي تواجه ضغوطا من المقرضين الدوليين وأبرزهم صندوق النقد الدولي , الذي منحها قروض مقابل حزمة اصلاحات في العديد من القطاعات , من بينها تسريح 10 آلاف موظف على الأقل في العام الحالي عبر التشجيع على التقاعد المبكر وبرامج التسريح الطوعي , وهو ما أشارت اليه وزيرة المالية التونسية السابقة لمياء الزريبي , وحتى الوزير المستقيل الفاضل عبد الكافي , بأن الحكومة تعهدت بخفض تكلفة الأجور الى 14% على الأقل بنهاية 2017 , واعتزامها التفويت في بعض من حصصها وأسهمها من البنوك العمومية للقطاع الخاص , وليس مستبعدا كذلك في التفويت في المؤسسات العمومية الأخرى .
لكن هذا التوجه وجد معارضة كبيرة سواء من العمال و والأعوان والاطارات العاملة بهذه المؤسسات , وكذلك من الاتحاد العام التونسي للشغل , حيث أكد الأمين العام “نورالدين الطبوبي ” على رفض الاتحاد لأي تفويت عشوائي في المؤسسات العمومية ويعتبر ذلك خطا أحمر قائلا : ” المؤسسات العمومية ماهيش عطار والا حانوت ….هذه المؤسسات بنت الاقتصاذ والدولة التونسية ولديها مكانتها ” , ودعا الى دراسة واعادة الهيكلة الاقتصادية لعدد من المؤسسات لمجابهة التحديات الداخلية والخارجية , معتبرا أن بعض المؤسسات ان لم تدعم ميزانية الدولة فعليها تحقيق الاكتفاء الذاتي , وعلى الدولة تحمل مسؤوليتها في تعديل وضعيتها .
وفي خضم هذه الخطابات والتصريحات المعارضة والرافضة للخوصصة , ما يؤشر الى بعض المشاكل بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل , التي قد تكون لها جوانب وانعكاسات اجتماعية واحتمال حدوث انفجارات اجتماعية !
مهما يكن من أمر , فان صيغ الخوصصة لم تظهر أي علامة الى حد الآن على تأمين الفعالية الاقتصادية المطلوبة , وكذلك الحدود الدنيا من العدالة الاجتماعية , وبذلك يبدو أن السبيل الأكثر جدوى ليس التفريط في القطاع العام والزج به في مزاد الخوصصة العلني , وانما القضاء على الفساد والنهب وانقاذ قطاع الدولة والبلاد من كليهما , وتمكين القطاعين العام والخاص من العمل معا لبناء مستقبل تونسنا. هذا هو الطريق الذي يمكن بلادنا من مواجهة التحديات مع تحقيق كرامة الوطن والمواطن ! .

لا تعليقات

اترك رد