هل من قوّة تقف في وجه القدر؟

 
اللوحة للفنان سالم عودة

كم أشعر أنّ صباحي أجمل بوجودك… لذا سيبقى اسمي واسمك معًا، كما يليق بهما. فحبّنا هو سرّنا حبيبتي، هل ما تزالين مندهشة من لقائنا بعد سنين الغياب؟ لن أتوقّف عن إدهاشك لأنّك جزء منّي، وتفاصيلي الصّغيرة هي أنت، حلمي كان وسيبقى أنت، منذ كنت برعم ياسمين وكبرتِ، أحبّك.
صباحاتي صارت أبهى لأنّك فيها، في أنفاسي، أحضاني، قلبي..
طعم آخر للحياة مثخن بأنفاسك…بعطرك في أجمل أمسية أقضيها معك، بعد بحثي الطّويل عنك دون يأس أو ملل.. وكان رائعًا أنّك استمتعت بنهارك بعد أن بقيت صورتي لديك كما كانت.
أجنون قلم أم رحمة قدر، كان ذلك الصّباح الذي كتبتُ فيه عن ذلك الزّمن!.. وصلتني حروفك الأولى بعد أن قرأتِ، وسمعت همساتك الأولى.. صرختُ بأعلىصوتي، وفاضت العبرات فلم أجد إلا الصّمت.
ماذا سأقول لك يا امرأة كساني حنيني إليها جنونًا؟ وإذا بها تأخذ تدريجيًّا ملامح مدينة وتضاريس وطن، وإذا بي أسكنها في غفلة من الزّمن وكأنّني أسكن غرف ذاكرتي التي افتقدتك من عصور…
(عندما أبحث في ذاكرتي اليوم عبر عصور مضت، أجد أن لقائي الأول بك هو الشيء الوحيد الخارق للعادة، الشيء الوحيد الذي لم أكن لأتنبأ به أو أتوقع نتائجه عليّ، لأنني كنت أجهل وقتها أن الأشياء التي تبدو عادية، قد تُولد من رحمها أيضا كثير من الأشياء غير العادية.)
ماذا كنتِ قبل تلك الأعوام حين اخترقتِ حياتي، عندما خططت في دفتري في ذلك الصباح عندما رأيتك تنهضين من نومك كلمة واحدة.. أحبّك..، ترى؟ أكانت لحظتها جنون روح أم حكم قدر، فأعود وأقول لك نفس الكلمة بعد عقود من الزمن.
لماذا أكتب إليك الآن؟ لو تعلمين ما أصعب أن نبدأ الكتابة في العمر الذي يكون فيه الآخرون قد انتهوا من قول كلّ شيء، ففي مثل هذا العمر لا يكتب القلم حروفه بل تسكبها الرّوح.
أنظر إلى صورك في هذا المساء، فيستيقظ الماضي بداخلي مرتبكًا، يستدرجني إلى دهاليز الذّاكرة، أحاول أن أقاومه ولكن.. هل يمكن أن أقاوم ذاكرتي هذا المساء؟ أنظر إلى صورك، أقبّلها وأتوقّف طويلاً عند عينيك، أبحث فيهما عن ذكرى اعترافاتي الأولى أمامك.
يا لهذه الذاكرة التي عندما رأت صورك، لم تأتني بالتقسيط وإنما هجمت علي شلالا جرفني إلى حيث لا أدري من المنحدرات، وكيف لي لحظتها أن أوقفها دون أن اصطدم بالصخور وأتحطم في زلة ذكرى؟
كان لقاؤنا الأوّل بعد غياب ذات يوم ربيعيّ مثيرا للدّهشة، لم يكن القدر فيه هو الطّرف الثّاني، بل كان منذ البدء الطّرف الأوّل، أليس هو الذي أتى بنا من مدن أخرى ومن زمن آخر وذاكرة أخرى ليجمعنا في لحظة؟
حين رأيتك في ذلك اليوم كان فيك شيء ما أعرفه جيّدًا، شيء ما يشدّني إلى ملامحك المحبّبة إليّ مسبّقًا.. في تلك اللحظة وكأنّ الحبّ الذي تجاهلني سابقًا، قرّر أخيرًا أن يمنحني أكثر قصصه جنونًا، فكان حبّك قدريًّا وربمّا سيكون حتفي.
وسيكون الغد لحزن وفراق مدفوع الأجر مسبقًا من شلاّلات دموع منسكبة.
(

* من كتاب أطياف متمردة للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات/ الأردن

لا تعليقات

اترك رد