كارت محروق


 

_ عندما يُفْلِسْ التاجر يلجأ لدفاترهِ القديمة عله يجد فى طياتها ما يُنقذه، وهكذا تفعل أمريكا مع مصر، فلم يعد بيَديها بعد ٦/٣٠ سوى “كارت” المعونة، ولا تريد أن تصدق أنه قد احترق بعد أن قطعت مِصر شوطاً طويلاً على طريق التحرر من سجن تبعيتها،
إلا أن الأمر الذى يدعو للسخرية والاشمئزاز معاً، أنها تتذرع هذه المرة أيضاً بملف حقوق الإنسان وتدهوره فى مصر -على حد زعمها- ونسيت هى ومن يتشدقون دوماً بتلك الشعارات الجوفاء أن فى الوقت الذي تُنَصِب نفسها وصية على حقوق الإنسان في العالم، تقوم بالعديد من الانتهاكات اللاإنسانية بحق البشر على امتداد المعمورة وحتى في الداخل الأمريكى،
فجرائم حقوق الإنسان فى سِجِل أمريكا لا تعد ولا تحصى بدءاً من إلقاء القنابل الذرية على اليابان في مدينتي هيروشيما وناجازاكي إبان الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى التاريخ القاتم السواد في حرب فيتنام وما تلاها من الحروب التي خاضتها وتخوضها فى العراق وأفغانستان وصولاً الى الجرائم البشعة التي نراها على أراضيها وما تقوم به السلطات من ممارسات لاأخلاقية بحق مواطنيها السود والتي يدمى لها جبين البشرية فضلاً عن الإنتهاكات القائمة على التمييز العنصري ضد العرب والمسلمين.

_ فقد وصل التمييز العنصرى فى أمريكا إلى مراحل خطيرة، ولكنها تستطيع وبحفنة من المال شراء ذمم الكثيرين وخاصة حلفاءها الذين نراهم صامتين ولا يتحدثون في مجلس حقوق الإنسان عن ذلك ولا عن برامج التعذيب التي يستخدمها الأمريكيون وعرفها العالم أجمع،

_ فأمريكا التى تُتحف دول العالم بتقاريرها السنوية عن حقوق الإنسان، تستخدم هذه التقارير كشماعة للتدخل فى شئون الدول الأخرى وفرض سياستها الإنتقائية تجاه هذا الملف، فإذا كانت هذه الدول تدور في الفلك الأمريكى فلا ضير إذن من كتابة تقارير تبقى طى الأدراج الصَدِئة للبيت الأبيض، أما إذا كانت هذه الدول تتبع سياسات تتعارض مع المِزاج الأمريكى فلا بد من التلفيق والتسيس والتدليس كما هو الحال مع التقارير الجاهزة لانتهاكات حقوق الانسان التي تصدر عن وزارة الخارجية الأمريكية الخاصة بالحقوق والحريات فى الصين وكوريا الشمالية على سبيل المثال،

_ فأمريكا التى لها تاريخ عريق في انتهاكات خصوصية الأفراد والدول قد نفذت ما عُرف بـ”مشروع بريزم” الخاص بعمليات الرصد والتنصت طويلة المدى وبشكل مكثف على الإتصالات داخلها وخارجها على حد سواء، مرتكبة بذلك مخالفة صارخة للقانون الدولي وانتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان، أما على صعيد التعدى المباشر والعلنى على بلدان ذات سيادة وإزهاق أرواح آلاف المدنيين فحدث ولا حرج و الضربات الجوية بطائرات دون طيار تشهد بذلك والتى طالت كلاً من باكستان واليمن وأفغانستان و العراق وسوريا وغيرها من البلدان، ما تسبب في سقوط أعداد كبيرة من المدنيين،

_ إلا أن هذه الإزدواجية الأمريكية ليست جديدة ولا تفارقها فعادتها في إصدار التقارير التي تدين انتهاك حقوق الإنسان في عديد من الدول، لا تستثنى دولة دون أن تدينها بانتهاكات لحقوق الإنسان على أراضيها، مُنَصِّبة نفسها مجدداً كقاض لحقوق الإنسان في العالم. متناسية ممارسات أجهزة شرطتها مع المواطنين وسحقها لحرية التعبير التي تتشدق بها،
فهل تخبرنا ماذا حل بمنظمة احتلوا وول استريت السلمية؟ وكيف قُمعت واعتُقلت؟ أم تحدثنا عن العنف المتزايد بحق المواطنيين السود حيث لا يكاد يمر أسبوع دون نشر خبر هنا وفديو هناك يظهر رجال الشرطة الأمريكية وطريقة قتلها للسود بطرق وحشية وبدمٍ بارد، وقد رأينا جميعاً حوادث عديدة شهدتها مدن أمريكية في الآونة الأخيرة قُتِل فيها رجال سود برصاص رجال الشرطة مما أعاد إلى الواجهة جدلاً مستحكماً حول العنصرية في أوساط قوات الأمن والمساواة في النظام القضائي وهو الأمر الذى أدى لنزول آلاف المتظاهرين إلى الشوارع في نهاية ٢٠١٤

_ التمييز بحق السود لا يتوقف على جريمة أسبوعية فقط بالرغم أهمية الحدث ولكن تؤكد الدراسات الأمريكية نفسها أن السجون الأمريكية هي الأمكنة التى يتم فيها أكبر تجاوز لحقوق الإنسان في أمريكا ويُعَامَل المُعتقَلين من قِبل موظفوا السجون معاملة مهينة، خاصة السود والمهاجرين والنساء ، الذين يتعرضون لكثير من عمليات التعذيب، وتؤكد الدراسات أيضاً أن السود الذين يمثلون 12% من سكان أمريكا يشكلون 42% من المسجونين، وتعود هذه الفجوة الكبيرة إلى أن السود هم الأكثر فقراً، كما أنهم الفئة الأكثر تعرضاً للظلم في توزيع الناتج الوطنى، وينعكس هذا التمييز العنصرى على النظام القضائى أيضاً، إذ يُحكَم على السود والمهاجرون بعقوبات قصوى فى الدعاوى التي يحاكمون بها، فبرغم ما ترسله الولايات المتحدة الأمريكية من بيانات إلى السلطات الأمنية التابعة إلى دول أخرى تدعوها إلى ضبط النفس والإلتزام بحقوق الإنسان وتعديل الأنظمة القضائية ونشر العدل، نجد أن سجونها تشهد عمليات تعذيب يندى لها الجبين،
_ كما أن الشرطة الأمريكية قتلت وفقاً للأرقام الرسمية 5 آلاف برىء منذ الحادى عشر من سبتمبر ٢٠٠١، أخرهم المراهق “مايكل براون” الذى قتلته الشرطة ببلدة “فيرجسون” رغم عدم حمله لأى سلاح أو ارتكابه أى جُرم.

_ ويشير المتخصصون في هذا المجال أن التعذيب والعنف داخل أمريكا أصبح “نمط تعامل” و ليس مجرد ممارسة عشوائية، فالممارسات اللا إنسانية المطبقة فى السجون تطبق في الشوارع على الفقراء والسود والمهاجرين،
ولا ينجو الأطفال من تلك السياسة اللانسانية، حيث تكشف الدراسة عن تعرض الأطفال لإنتهاكات خطيرة لحقوقهم، حيث يتعرضون للتعذيب أثناء وجودهم رهن الإعتقال، كما أظهرت دراسات حقوقية أيضاً أن الشبان الذين ينتمون إلى الأقليات الإثنية، وخاصة الأمريكيين من أصل أفريقي، معرضون بشكل أكبر لأن يُسجَنوا و يقضوا فترات أطول في السجن من الشبان البيض الذين توجه إليهم تهم بارتكاب جرائم مشابهة، وعلى مدى السنوات الماضية ومنذ استقلال أمريكا، لم تنطفى‏ء نار العنصرية وظلت تتحرك تحت الرماد، والدلالة على ذلك تكرار حوادث العنف العنصرى بين البيض والسود فى أكثر من مدينة أمريكية، وهذا ماتؤكده التقارير الحقوقية التي تشير إلى ارتفاع جرائم الكراهية والجرائم القائمة على أساس عنصرى،

_ وختاماً.. تجدُر الإشارة إلى أن أمريكا تعتبر الدولة الثالثة إلى جانب الصومال وجنوب السودان التى لم توقع بيان حقوق الطفل الصادر عن هيئة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى معاهدة العهد الدولى الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية، ومعاهدة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة و معاهدة حقوق المعوقين وغيرها مما يعتبر سلسلة من الإتفاقيات الأساسية الأممية المتعلقة بحقوق الإنسان التى لم يُصَدِق عليها الكونجرس إلى الآن فى تجاهل غريب،
هكذا هى الحقيقة تبدو جلية ولكنها فقط لمن يريد أن يرى.

لا تعليقات

اترك رد