حوار مع الدكتور سعدي عبد الكريم


 

من أريج الرافدين يُتَوّج الإبداع المسرحيّ، والشعريّ، والنقديّ

*لقد جُبلتُ بطين الحرف منذ النشء الأول للأحياء*
*الأديب أرفعُ سلطةً، ومقاماً، ورفعةً، ووعياً من السياسي*
*الابتكار وِلدَ من رحم الدهشة*
*القصيدة بنت اللّحظة، والآن، وهنا*

صباح معطر بأريج الرافدين، توائم فيه الشعر، بالنقد وكل ما يتعلق بالآداب والفنون، وهذا ليس بغريب عن قامة أدبية فنية قادمة من بلاد تعاقبت عليها حضارات عريقة ، فرفعت راية المجد على هامات الثقافة. هو من الأدباء الذين أثثوا للمشهد الثقافي فضاء شاسعا حيث خول له تكوينه الأكاديمي أن يحتل مرتبة ليكون رائدا من الرواد الذين ذاع صيتهم في شتى المجالات الفكرية. أبدع بعطاءاته التي صنفته ليتبوأ مكانة ثقافية إلى جانب عمالقة الأدب العراقي، فجاءت سيرته حافلة بإنجازات لاتحصى، حيث تميز بأسلوبه المتفرد ك: ، شاعر، وسيناريست ثم ناقد مسرحي.

بكل نكران للذات، يكتب عن الآخرين بلغته الرصينة و أخلاقه التي دائما يعبر عنها بكلمة: ( من القلب)، وهي إن دلت على شيئ فإنما تدل على تشبعه بدماثة الأخلاق، و التواضع اللذان جعلا منه قدوة للمثقف العراقي الذي يحافظ على أصالة وعراقة بلد يشهد له التاريخ بتجمع المجد و الحضارات.

إنه الأديب الدكتور المبدع سعدي عبد الكريم الذي سطع نجمه في سماء الأدب، والثقافة العراقية الرفيعة المستوى، حيث حمل مشعل الفن والشعر، والنقد، وهي أشياء قلما يستطيع إنسان أن يحمل عبئ مسؤوليتها على عاتقه.

لقد تَملكني الفضول، وأنا أحاول الغوص في أعماق هذه المَلَكة، التي تأسر القارئ، فوجدتني تارة أقرأ شعرا بفضل جزالته، وتعدد صوره، و ثراء معانيه التي تشكل رسائل عالية التعبير، وأخرى أهيم فيها شوقا للكشف عن خبايا تلك العلاقة الوطيدة التي ترتبط بعالم المسرح، والنقد، لأطرح على نفسي هذا السؤال:-

هل من السهل أن يوفق الأديب وهو يجمع بين تلك الصفات؟

والتي إكتشفت بأن الدكتور سعدي عبد الكريم قد أستطاع أن يتحمل مسؤوليتها بكل ثقة، وتواضع، ورزانة فكرية، فما كان عليَّ سوى أن أتنصل من تلك

التخمينات التي تسكنني، وأستعين بجرأتي، وفضولي حتى أتمكن من الولوج إلى عالم هذه القامة الأدبية العراقية الشامخة، وأنا أقف إجلالا لشخصها الكريم.

دكتور سعدي عبد الكريم .. بداية، اسمح لي أن أعبر عن سعادتي الكبيرة وقد أتيحت لي فرصة الحوار مع علم أدبي، ثقافي، ونقدي عراقي كبير، له صيت إبداعي غني عن التعريف، لطالما تمنيت أن أحظى بحوار بسيط يشفي غليل الفضول الذي يعتريني كلما أطلعت على ما تنشرونه، وسأبدأ مع حضرتكم بالسؤال الأول.

نعيمة قادري/ دكتور سعدي عبد الكريم ،كيف تقدمون نفسكم لجمهوركم ؟

ü د.سعدي عبد الكريم/ في البدء، بوديّ الترحيب بكِ، كشاعرة رائعة، وإنسانة راقية، ولأنك أقدمت على هذه المهمة الحوارية الشاقة، فسأستقبلكِ بفضاء من المحبة، وبوافر من التقدير لكِ شخصياً، وللمغرب الحبيب الذي عشتُ فيه لأكثر من ثلاث أعوام، كانت من أجمل، وأبهى أيام العمر. أما عن سؤالك الأول يا سيدتي، فسأجيبك بعد أن أشعل سيجارتي لأنفث دخانها في محاريب الأزمنة الجميلة، والقاتمة الفائتة، لعليّ أجدُ ليَّ منفذا في اختزال ذاتي في بعض سطور:-

ü نعيمة قادري/ أشكر لكم ذائقتكم الباذخة الرقي، في الترحيب دكتور.

ü سعدي عبد الكريم/ وأشكر لكِ دماثة خلقك، ورحابة صدرك سيدتي.أنا يا سيدتي الفاضلة وباختصار، خلقتُ من عالم سرمدي، وجُبلت بطين الحرف منذ النشأ الأول للإحياء، بعدها قذفتني الصيرورة الأزلية من جوفها، فولدتُ في مملكة (أوروك) من رحم عراقي نجيب، وأنا أول إنسان من بلاد سومر، عرف كيف يكتب الحرف، وعلم البشرية جمعاء، كيف تُكّورُ اللفظة، وكيف يُصاغ نسق الجملة، وكيف تُدون الملاحم الشعرية التاريخية، والأسطورية. رافقت (كلكامش) في رحلته للبحث عن نبات الخلود، وصادف أن سرقته الأفعى من أيدينا، ونحن في أزمنة السبات العميق، لذلك تجدين بأن الأفعى تجدد جلدها كل

حين، لتظهر بزي آخر أجمل، لكنها تحمل في رعافها سمّ قاتل، رحلتُ مع (كلكامش) لاكتشاف سّر الخلود، لكنني وقعتُ فيما بعد، في فخ الحروب، ونزق الساسة، ومكثتُ في رحم المأساة أعواما عجافا، حيث الموت المجاني، وتطاير الأشلاء الطاهرة على إسفلت الشارع.

ü نعيمة قادري/ كما هو معلوم أن العالم العربي وللأسف يعيش مخاضا عسيرا، وأن العراق هو البلد المتضرر الذي خرج بحصة كبيرة من الدمار، وقد تكالبت عليه المآسي لعدة سنوات، ورغم كل هذا نلاحظ أن المجال الثقافي بالعراق لا يزال صامدا إن لم نقل أنه يعرف نشاطا مكثفا في ظل ضعف الإمكانيات، كيف يقيِّم الدكتور سعدي عبد الكريم شخصيا هذا المشهد الثقافي؟

ü د.سعدي عبد الكريم/ سجلي عندكِ يا سيدتي في أعلى السطر، في الصفحة الأولى لميلاد شاعر، وأديب، ومثقف، ستجدين بأن شهادة ميلاده عراقية، منذ فجر التدوين، وعلى قول الشاعر الكبير محمود درويش حين أوصى بوصيته الخالدة حينما قال:-

(إذا أردت أن تصبح شاعراً، فكن عراقياً )

وكنا في أوائل الستينات من القرن المنصرم، نتداول فيما بيننا مقولة :

(مصر تكتب، ولبنان تطبع، والعراق يقرأ).

وأرى شخصياً .. بأن المثقف العراقي لازم حدود تغذية موارده الفكرية من خضم معاناته، ومأساته اليومية، لأنه ابنها البار، ولأنه خرج من رحمها المُثقل بالأسى، والتي لازمته حتى آخر نفس في رئته، لذا تجدين العديد من كبار الشعراء، والأدباء في العراق يموتون ولا يملكون مبلغ دفنهم، فهم هكذا خلقوا عراة، ليدثروا بالشعر، وبالحرف، والأديب العراقي الحقيقي لم يداهن السلطة، ولا الحاكم، لان الأديب، والمثقف ارفع سلطة، ومقاما، ورفعة، ووعياً من السياسي، وأنبل منه خُلقاً، وإنسانية، لأنه لا يعرف الكذب، ولا المحاباة، ولا يعرف كيف يسرق، ولا يرقص على عذابات، ومحن الوطن والشعب، أن المثقف العراقي بطبعه إنسان شفيف، يجنح الى السلام، وعفة النفس، ولا يألوا

جهدا في تغيير الواقع المجتمعي عبر خطابة الأدبي بجلّ تصانيفه الأدبية ابتداءً من الشعر، والرواية، والمسرح، والقصة، وعلى المستوى المثقف العربي، نعم عانى ذات المعاناة، والمأساة، لكن الأديب والمثقف العراقي الوحيد الذي عاش تحت وطأة العوز، والفقر، والظلم، والاستبداد ربما عاش المثقف العربي ذات الظروف، وبذات صفات الوجع اليومي، لكن الأديب، والمثقف، والفنان العراقي حصد نواة خريف الوجع الأكبر، لان الحروب المتتالية نخرت جسده النحيل، ونهبت أحلامه المترعات، وحاولت تدمير كينونته البشرية، لكنه كان اصلب، وأقوى من نزق الساسة، فخرج من كل هذا الظلام الحالك، وهو يحلم مشعله الذي ينير به ذلك الليل المدلهم، وليرتقي بالوعي، والعقل الجمعي، وحمل راية التحريض عبر كتاباته، ليرنو من خلالها الى ملامح، ومعالم التغيير المُخلصة.

وعند الرجوع الى فحوى سؤالكِ سيدتي .. ثمة تركيبة إلهية عجيبة يتميز بها الإنسان العراقي بالعموم، والاديب والمثقف على وجه الخصوص، فهو يخترق حدود الواقع، ليرسم له واقعا مثاليا، ربما يكون واقعا قلقا، ومأزوما، لكنه واقع يميل إلى التماهي مع مخياله الخصب، وتاريخه المهيب، لأنه لا يستطيع مغادرة ذلك الحلم الذي يتربص به كل حين، حلم خلاص الإنسانية من فاجعة الموت عبر الحروب، الربيع العربي يا سيدتي كان أطروحة غير ناضجة، وغير ناجعة للخلاص، الثورات تحتاج الى عقول كبيرة، وفكر نيّر، وتنظيم ممنهج يرافق زمكانيتها، الربيع العربي، كان خريفا حلَّ على رؤوس الشعوب، وبالأخص المواطن العادي الذي يرزخ تحت نير الحروب، والجهل، والفقر، لكن المثقف والأديب والفنان العربي بالعموم، والعراقي بخاصة، يستطيع تمزيق تلك الشرنقة ليتحول الى ثائر كبير عبر كتاباته، لأنه المحفز الأول للوعي الجمعي.

ü نعيمة قادري/ د.سعدي عبد الكريم أديب أكاديمي مميز، بشهادة أدباء، ومثقفين، وفنانين كبارا، أين يجد نفسه هل من خلال كونه: كاتبا، ناقدا مسرحيا، أم سينارست.؟

ü د.سعدي عبد الكريم/ تَكوَّنتْ بواكير معارفي في فن المسرح على يَدّ أستاذي ومعلمي الأول أخي الكبير الأستاذ الدكتور ثامر عبد الكريم، علمني كيف امسك بتلابيب القلم، وكيف أتعامل مع الكتاب كصديق، قرأت مبكرا، وكتبت في المسرح والشعر والقصة مبكرا، لازمت منذ طفولتي مكتبة والدي رحمه الله الزاخرة بمصنفات المدونات الأدبية، والتي أغنيناها فيما بعد بكتب الحداثة، وحين كبرت وقفت بإجلال، وإكبار أمام هذه المكتبة الفخمة، واكتشفت بأنها منحتني الكثير من المعارف، والآداب، والثقافات المتنوعة، .. أنا يا سيدتي، ولدت في مدينة الحرية الحبيبة، وشممت عبق جدرانها السرمدية، وأحسست بليل شتاءها القارص، وقيظ صيفها، أنهيت دراستي الابتدائية والمتوسطة فيها، ثم انتقلت إلى مدينة الكاظمية لإكمال دراستي الإعدادية، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة في أوائل السبعينات، وحصلت فيه على دبلوم في الفنون، وأكملت دراستي في دار المعلمين العالية وحصلت منه على الدبلوم في اللغة العربية، وأكملت البكالوريوس في كلية التربية، وبعدها حصلت على الماجستير العالي المعادل للدكتوراه، ونلتُ من جامعة سترات فورد الأمريكية على شهادة الدكتوراه الفخرية في اللغة العربية وآدابها، واعمل محاضراً في مادة فلسفة الفن، وها أنت ترىن يا سيدتي .. ها أنا .. ما زلت على قيد الحياة، رغم أني مسكت بتلابيب الخمسين ونيف من العمر، وعاقبة الخير للعراق، وشعبه، لأننا ننتمي لترابه الطاهر، والذي أنجبنا من رحمه النجيب، لنكون عونا له ولشعبه، لا ندا له، ولا صنوا لعراقته، بل علينا جميعا أن نحني قاماتنا في حضرته كل صباح، لأنه تراب وطن طهور، معطاء.

ü نعيمة قادري/ هل يمكن أن نقول أن كتابة المسرح لدى الدكتور سعدي عبد الكريم، هي محض صدفة، أم ولدت بالفطرة؟.

ü د.سعدي عبد الكريم/ سيدتي الفاضلة .. ليس هناك مكان للصدفة، أو الفطرة، في ملاحق الإبداع، والمعرفة، لأنهما لأيقونتان تكتسبان من نضوج الوعي، والدراسة الأكاديمية المتخصصة، فلا يمكن لأي أحد أن يكتب نصا

مسرحيا، ما لم يكن يعي عناصر فن الكتابة، أو معايير وشرائط الكتابة للمسرح، وحتى أكون صادقا معكِ، لا يستطيع أحد أن يكتب في المسرح، ما لم يكن قد ولد من رحم خشبة المسرح، بمعنى أن يكون قد اشتغل ممثلا، أو مخرجا، أو فنياً، لتكون له هذه الحرفة، والدُّربة في كتابة النص المسرحي، وأعتقد وفق وجهة نظري النقدية .. بأن أصعب فنون الكتابة، هي كتابة النص المسرحي، لما يحتويه من تشابك في مواطن الثيمة، والصراع، وصياغة اللغة، ومحاذيات فنية، وتقنية أخرى، لا يعرفها إلا الكاتب ذاته، وأما بالنسبة لي، فقد درست فن المسرح أكاديميا، وتخصصت في النقد المسرحي، والأدبي، وأما بخصوص الكتابة للمسرح، فقد كتبت أول عمل مسرحي لي في عام 1970 والموسوم (اللافتة) وأخرجه في حينها د.ثامر عبد الكريم والذي يتحدث أيضا عن كلكامش، والبحث عن نبات الخلود، وبعدها بسنة كتبت مسرحية (اللاهث) إخراج د.ضياء كريم، وكتبت نصوص مسرحية عديدة، حصدت جميعها الجوائز الأولى في مهرجانات عراقية، وعربية، وعالمية، منها مسرحية (التحليق في البعد الآخر) ومسرحية (لو ترك القطا لنام) ومسرحية (ذاكرة الأسى) ومسرحية (نوستليجيا) ومسرحية (بعد الزوال .. بتوقيت الشهادة) والعديد من الأعمال، وبودي أن أؤكد هنا، لا يوجد كاتب مسرحي جيد، دون أن يكون مشتغلاً ماهرا، وعارفا جيدا بجلِّ فنون المسرح.

ü نعيمة قادري/ قرأت لكم في إحدى الومضات :

هادئ كالنهر
عميق كالبئر
هائج كالبحر
هو الشعر

هل هذا يوافق ما جاء على لسان الشاعر بابلو نيرواد حين قال:

“إن نظم الشعر سبيل من سبل السلام”؟.

ü سعدي عبد الكريم / بل يوافق رأيي أنا .. لأني أعتبر الشعر ملاذا آمنا لابتكار الدهشة، والدهشة هي وليدة المحفز الذهني لابتكار النظريات الكبرى، كدهشة (نيوتن) بسقوط التفاحة، ليخلق منها نظرية الجانبية، وكذا الشعر في رأيي النقدي، هو خلق أنساني مهيب، ونظرية حروفية جمالية كبرى، تهدف إلى الارتقاء بالمخيال الجامد الغير متحرر، والغير متحرك، وغير نافع، وسحبه إلى فضاءات رحبة أكثر اتساعا، ورحبة، وأكثر رونقا، وأجمل رفعة، بل وأجمل موطن من مواطن التغيير.

نعم هذا هو الشعر، هو عبارة عن خزين معرفي، يمطر من رأس الشاعر، لتنبت الأرض جمالا، وقيما، وثوابت، لا أن يكون الشعر مجرد لغو على لسان البعض، الشعر رسالة تعبيرية وفكرية منضبطة المعنى، تستهدف أولا ذهن الشاعر، ثم تخترقه عنوة، للوصول إلى درجة من درجات الوعي لدى المتلقي، وحصول الشعر على قيمة جمالية، مضافة لقيمته الإرسالية الفكرية السامية.

ü نعيمة قادري/ هل حقا عندما يكتب الشاعر يحدث تصالح بينه وبين ذاته؟

ü سعدي عبد الكريم/ من قال هذا؟! لا طبعاً .. التصالح قيمة نفعية برغماتية، الشاعر كينونة متمردة، وإيقونة مضيئة، وبوتقة انفعالية لحظية، مهمتها البث الوعيوي التغييري، لذا لا يمكن لشاعر أن يتصالح مع نفسه، وإن حصل ذلك، حينها يكون الشاعر قد فقد عذرية قوامه الشعري، ومهمته التحريضية، وقد أضاع مفتاح أبواب ولوجه لعالمه المخيالي الرحب، الشاعر يا سيدتي، مهماز توصيلي متفجر الرؤى، والقصيدة بنت اللحظة، والآن، وهنا، لا يمكن تأجيلها إلى لحظة تالية، وإلا تكون قد فقدت لوعتها المتجذرة في عمق اللحظة، وخمدت تلك الجذوة التي من أجلها يتدفق الإلهام الشعري، والإلهام الشعري لا يتفق مع التصالح الذاتي، لأن الذات البشرية، كائن غير ثابت، يبحث دائما عن كل ما هو جديد، ومبتكر، وما هو غير سائد ومألوف، هكذا الشاعر، هو عملية ولادة من رحم المتحرك، ومن لجاجة التنوع المعرفي، ومن تصادم مجرات الفكر في ذات الشاعر، والمعنى المستتر في لواعجه الهائمة، الشعر يا سيدتي، ملحمة

مقدسة، لا يعرف خباياها إلا من كان شاعرا بحق، لأنه يعرف كيف يؤثث مشهده الشعري بدهشة لغوية ابتكاريه، وصور باهرة، وإيقاع متزن، وجرسية متموسقة مع إيقاع النص، والشعر بالمحصلة الانتهائية، منافع جمالية كبرى، وملاحق فكرية توصيلية عالية، وتراتبات تأثيرية مهمة في العقل الجمعي، وبعموم الذاكرة المتلقية.

ü نعيمة قادري/ في أي مجال من هذه الكتابات يجد الدكتور سعدي عبد الكريم ملاذه الآمن: الشعر أم المسرح السيناريو وماذا يمثل له النقد بصفة خاصة.؟

ü د.سعدي عبد الكريم/ على الدوام يُطرح عليَّ ذات السؤال .. وأجيب عليه بوفرة خصائصية أكاديمية مطولة، ولكني سأجيبك باختصار شديد من لطفكِ سيدتي.

تقوم الساعة أي (القيامة) على حين غفلة، وبغتة من التصريف البشري، وكذلك قيامة نزف الحرف تأتي بغتة، في لحظة اتقاد ذهني عالٍ، فأينما يجد الحرف ذاته، يذهب إلى فحواه التدوينية، مسرحا كان، أو شعرا، أو قصة، أو رواية او سيناريو تلفزيوني، أو سينمائي، لكنك إذا سألتني أي الولادات التدوينية أصعب.

سأقول لك وبكل وضوح …! وبعد أن اسحب نفسا عميقا من هواء صومعتي التدوينية .. أن إنجاب نص مسرحي يحتاج إلى عملية قيصرية، أما باقي الولادات الأدبية، فتأتي بطلق عسير، أو يسير.

أما النقد فهو المحراب المقدس الذي أختلي به في صومعتي، وأكون متوضئا بماء اعتقادي الفكري، ووعي النقدي، لأكون طاهرا، لكي لا أجامل أحدا البتة على حساب النص، أو أن أبخس حق نص، والنقد في رأيي، هو المعيار الحقيقي لإفراز ملامح الجمال في النص، وهو بالتالي ضرورة أدبية ملحة لإحالة النص الأصيل إلى نص ثانٍ مجاور، والنقد يتمتع بخاصية النظر للنص باعتباره المجهر، والعين المبصرة التي تفرز الجيد، من الرديء، وأنا شخصيا لا أنظر للأسماء الكبيرة وأتناولها نقديا، بل أنظر إلى النصوص الكبيرة لأدير

وجهتي النقدية إليها، وأنا أعتقد جازما ووفق وجهة نظري النقدية الثابتة، ليس هناك كاتب كبير، بل هناك نص كبير.

ü نعيمة قادري/ بغداد الحبيبة هل هي ملهمة الدكتور سعدي ومنها يستمد قواه في كل كتاباته الشعرية؟.

ü د.سعدي عبد الكريم/ سأوجز الإجابة عن سؤالك هذا يا سيدتي بقصيدة من ديواني الموسوم (التسلل إلى الجنة) لتكون ليَّ شفيعا بما سأذهب إليه من عشق أبدي لحبيبتي الأولى بغداد.

بغدادُ ..
من عينيكِ
تعلمَ أزميلَ حروفي
كيف ينحتُ شعراً

***
بغدادُ ..
لأجل ِكل ِالمحبينَ
واتقادِ البريقِ
في العيونِ
وارتهانِ الليالي
واقترابِ المنونِ
لا ترتدي السواد في مأتمي
يكفي سواد محاجركِ حداداً

***
ذاتَ صباحٍ
استيقظتُ من صحوتي
وفي القلبِ احتدامٌ
دقةٌ..
دقةٌ..
دقةْ …
ها هي بغدادُ
قد تخطتْ الرؤى
كل الرؤى
تعاليّ أيتها الزنبقةُ
أيتها النخلةُ
أدلفْي إلى مقلتي
إلى مجمريّ الشعري
اختبئي في حسدي
تحتَ الجفونِ داخلَ المآقي
بلا استئذانٍ
أو وجلْ !

***
حينما كنت ُصغيراً
ووديعاً …
وجميلاً …
حلمتُ،
بأني سأقطفُ وردةً
من بيتِ الجيرانِ
وحيَّنَ كَبرتُ
صارتْ الوردةُ داري
والميسمُ جرحي
ومذ ذاك اليومْ
عشنا سويةً
أنا ووردة بيتِ الجيرانِ
في حجرةٍ صغيرةٍ منسيةٍ
في جانبِ ِ(الكرخِ) من بغداد
نتقاسمُ فيها
ما تقضمهُ الفئرانْ !

ü نعيمة قادري/ المبدع هو ذاك الذي مهما أعطى يظل يرى نفسه بسيطا وقد لا يقتنع بما كتبه، فهل ينتاب الدكتور سعدي عبد الكريم هذا الإحساس أحيانا؟.

ü د.سعدي عبد الكريم/ الإبداع فسحة جمالية باهرة، تتقد أينما تجلت فيها روح التسامي مع السماء، والتلاقي مع تدوير الأرض، فهو كينونة لا يعرف مديات استفحالها في الذات، إلا الذين لديهم مَلَكة الخيال لإنشاء مملكة من التدوين، يطلّون من خلالها إلى فسحات كونية، أكثر اتساعا، وأرحب أفقاً، وتواضع المبدع، وبساطته آتية من حقيقة ثابتة، ومهماز يستوطن بداخله، لأنه يجد ذاته في تواضعه، وهي لعمري أخلاق الكبار، أما الأقزام من دعاة الإبداع، فهم يحاولون خلق هالات حول ذواتهم الخاوية، والإبداع لا يتفق مع التعالي، فهو عملية موائمة بين (المرسل+الرسالة+المتلقي) حسب عناصر نظرية التلقي، ولا يمكن فصل عنصر من هذه العناصر، لأن المعادلة ستنهار من أول مخاض لها، أن النسق المعرفي الفخم، هو الذي يجبر المبدع على التواضع، أما الفراغ، والتجويف، واضمحلال الوعي فهو الكارثة الكبرى في الأوساط الأدبية والثقافية، وباختصار، الإبداع هو بوتقة تدوينية تلامس اللامرئي، وترى من ما هو مخبئ في غياهب اللغة، والموسيقى، والإيقاع، واللون، والصورة، والتي لا يرها إلا المبدع ذاته، فالشاعر مثلا يرى، ما لم يره غيره، لأنه فوق مستوى الشبهات، ولأنه كينونة خلاقة، مبتكرة.

ü نعيمة قادري/ ماذا يمثل توظيف الأسطورة في الكتابة الشعرية بالنسبة لكم؟. وهل هناك امتداد لهذا النوع من الكتابة في عصرنا الحالي؟.

ü د.سعدي عبد الكريم/ لقد كَتبتُ العديد من الدراسات النقدية، والكتب النقدية فيما يخص استثمار الأسطورة، والملاحق المثنلولوجية، فهي تستهدف إشاعة الرمز في النص، والابتعاد عن المألوف، والمباشر، لأن الأنساق الميثولوجية Mythological patterns)) التي تعتمد في انفتاحها على قصيدة النثر الحديثة، تعتبر من المعطيات التي اهتم بها شعراء مجددين كبار، لأنها من الدلالات التي تغني ملاحق (التناص) في النص الشعريّ، وتثريه من حيث استلهام سمات البطل الأسطوري، أو البطل الرمز، أو الدلالة، أو الإشارة الى الآلهة المانحة للعطاء الإنساني، من خلال حيثيات تلك المناخية الملحمية، والوظائفية الطقسية، التي تفضي بطبيعتها إلى مكامن ذات شفاعات سيميائية داخل المعنى، وبالتالي فهي تتجلى بأوقات قصدية داخل بنية النص، من حيث الاشتغال على مخاصب الاستثمارات الحثيثة من خلال الأيقونة، والرمز، والعلامة، والدلالة، فجميعها تصب في مصب الانحياز إلى تقويم القصد الاستثماري لتلك الضرورات التي تتوالد من رحم مخيال الشاعر لإغناء نصه الشعري، وإحاطته بتلك الأجواء الميثولوجية التي تحقق له قدراً فاعلاً ومتفاعلاً مع أنساق، وتكوينات القصيدة الحداثوية.

وأما بخصوص الشطر الثاني من سؤالك، حول قضية امتداد هذا النوع من الكتابة الشعرية في عصرنا، نعم ما زال هذا الامتداد متوافرا وبخاصية أعلى، خذي قصيدة النثر مثلاً، هي عبارة عن (خلق إبداعي حرّ) وبالتالي فهي رغبة ذاتية محضة للشاعر في تشكيل، وتأثيث شكلها الخارجي، والداخلي، عبر الإيجاز، والتكثيف، واستخدام لغة رصينة، واستثمار البنية السيمائية.

إن قصيدة النثر، تُعدُ جنساً من أجناس الشعر الحديث الذي يتمحور شكله التدويني حول بنية النص الانفعالية اللحظية، والتراكمات الكمية التي تخلق منه نوعا طرائزيا جديدا، مشفوعا بتقنية لغوية رصينة، وأدوات فنية راقية، لتحريك فحوى النص، وإغناءه بقصدية الانفتاح على عالم تماثلي دلائلي رحب،

وهي من الكلام المحلق في مخيال الشاعر، والتي لا تتقيد بقوانين عروضية شعرية، سوى ما يجول داخل ذاكرة الشاعر من صور بنائية ذات منفعة إيقاعية، وموسيقية متناغمة في إجمال الجرسية، وتشترك في فاعلية تكوينها الملامح التناصية، والإنزياحية، والسيميائية، وحزمة من ملاحق الإبداع اللّحظي الذي يتوالد داخل خلجات الشاعر، لخلق انساق من التوهج، والإثارة، والمتعة لدى المتلقي، وقصيدة النثر تتبع خطى المحسنات البديعية، والألفاظ المخيالية الراقية، والاعتناء بطرائزية المفردة، وبنائية الجملة الشعرية ذات الخصائص الاستثمارية لفاعلية الحالة الرمزية، واستثمار التماثل الدلالي عبر الأسطورة، والخصائص المثنلولوجية، وقداسة النص الديني، والشخصيات التاريخية، ليحيلها الشاعر بجملتها إلى منافع حسيّة، وفكرية في تأثيث فضاء مشهده الشعري، وتكويناته الجمالية ذات الخصائص، والشرائط البنائية المُصاغة بسمات فنية خلاقة، ومبهرة، ويهتم الشاعر فيها بإظهار ملامحها الأنتمائية لجنسها الأدبي بعناية استثنائية ملحوظة، ليحيك منها محفله الشعريّ النثريّ.

ü نعيمة قادري/-
أعشق العراق
كما أعشق شيلة أمي
أقربها إلي
أشمها
ثم أغفو مثل طفل وديع
على ذراعيها.

هي تكوين من تكوينات شعرية لدى الدكتور سعدي عبد الكريم.

إلى أي مدى يكمن عشق الوطن في كتاباتكم المسرحية وهل ترون أنه من السهل تبليغ الرسالة إلى المتلقي، بنفس الصور التي تحملها كتاباتكم الشعرية ؟.

ü د.سعدي عبد الكريم/ العراق يا سيدتي .. هو الرئة التي أتنفس بها، والقلب الذي ينبض بداخلي، وهو دجلة التي أغفو على شواطئها، وأحلق في سمائها كالنوارس، وهو الفرات الذي أستظل تحت ظلّ نخلة سامقة في محاربه، العراق هو الحرف الأول الذي تعلمت أن أنطقه، وما زلت حينما ألفظ اسمه، وكأنني في حلم النشء الأول للإحياء، إنه (الأنا العليا) التي تعيش في ذاتي، والمفردة التي تنبجس كعين ماء زلال في تدويني، هو اليقظة من سبات عميق، هو الحلم الذي لم أره بعد، وهو القصيدة التي لم أكتبها بعد، هو إرثي المعرفي، والإبداعي، رغم أنه لم يتخلص إلى الآن من نزق الساسة، من زمن الخلافات القديمة، إلى التتار، والأتراك، والانكليز، لحد هذه اللحظة، لأنه مشروع دائم للنهب، ولأن الله جمع كل خيرات الكون في أرضه، وفيه مراقد الأنبياء، وأهل البيت، والصالحين، ولأنه وطن جميل، يسبح في ملكوت الله، وجمال الله، ولأنه أيك من السماء يفوح منه عبق الزهور تجدين كل (دبابير) الكون تتكالب على امتصاص رحيقه، لكنهم في النهاية، يموتون، ويذهبون حيث مزابل التاريخ، لأن (الدبابير) التي تلدغ جسد العراق تُصرع في الحال، لأنه بلد يحمل وجه الله في كينونته، وتراعه عين السماء.

وبما أن المسرح دائرة الفرجة الأولى، ويمكن لها التأثير على المتلقي، وباعتباره أيضا الأب الشرعي لكل الفنون، فقد كتبت فيه العديد من النصوص المسرحية، أجد بأنني أوفيت العراق حقه في نصيبه من كتاباتي المسرحية، فالعراق يلتصق بكل تجاربي المسرحية ونصوصي كنسق تصاعدي يصعد لرأس الهول، ليقف على قمته العراق، ثم يصعد رويدا ويتسامى مع صيرورة الثيمة، والصراع، والأحداث، لذا تجدين العراق في كل نصوصي المسرحية يُشكل حاضرة موجودة في زمكانية الأحداث، إن لم يكن واضحا، وجليا، فانه حاضر في أبجدية الرمز، والتشفير، العراق يا سيدتي يستوطن في الخافقين، وأنا

أعتبر بأن الفن، والأدب، والثقافة العراقية قد أوفت نذورها بحق العراق، وأوفت بوعدها نحوه من خلال الإنتاج المعرفي، والإبداعي، والفني، ليس لشيء، فقط لأنه العراق.

ü نعيمة قادري/ لمن يتوجه الدكتور سعدي عبد الكريم بمسرحياته، وهل يمكن أن ينتقد نفسه قبل أن ينتقده الآخرون؟

ü د.سعدي عبد الكريم/ أنا أكتب النص المسرحي، من خضم المعاناة اليومية التي أعيشها، ومن خلال الوضع المأزوم لأبناء جلدتي المقهورين في كل مكان، ومن خلال سبر أغوار التاريخ، والأسطورة، ولكن بأسلوب حداثوي، لا أجافي الرمز في اشتغالاتي المسرحية، لأنه كان المهرب الوحيد من مقص الرقيب حينذاك، أما اليوم فلا يوجد مقص رقيب، ولكن توجد أزمة وعي خانقة، وأزمة فرجة، وعدم الالتفات إلى الكتاب، والقراءة، والمسرح، وابتعد الجميع عن منافع الحداثة المعرفية، وما بعدها من النظريات، وأصبحوا مهووسين بالسوشيال ميديا (Social Media).

وأنا شخصيا أتفق مع النقد، لأني داخل مناطق اشتغالاته الأكاديمية، وأتقبل النقد، لكن بشرط أن يصدر من متخصص، ولا أخفيك سرا سيدتي إذا ما قلت لكِ بأنني الناقد الأول لأعمالي بجلّ تصانيفها الأدبية، والفنية، ومستمع جيد لما يقوله الآخر، وأنا بطبعي منصت جيد، ولا أحب الظهور كثيرا، رغم أني أعمل سينارست وقريب من الشاشة، لكنك تراقبي بأنني بعيد عن الإعلام، ولا أحب الخروج على التلفاز كثيرا، وتُوجه لي دعوات عديدة للمحاورة، لكني أعتذر، أنا أعشق الصمت المريح، على الثرثرة الفارغة، التي لا تجدي نفعا، ولا تسمن، ولا تغني من جوع.

ü نعيمة قادري/ كناقد ما هو تقييمكم لقصيدة النثر في الوقت الراهن وهل استطاعت أن ترقى إلى المستوى المنشود؟.

ü د.سعدي عبد الكريم/ لقد أجبت على فحوى بعض الجوانب من هذا السؤال في سؤال سابق، ودعيني أؤكد لكِ سيدتي، أن الكثير من الكتاب، استسهلوا الكتابة في قصيدة النثر، لقد أوضحت وكما أسلفت في السؤال السابق، بأني أفردتُ كتابين من كتبي النقدية والثالث في طريقه إلى النشر عن قصيدة النثر، ونشرت العديد من الدراسات النقدية لها، قصيدة النثر يا سيدتي لها معاييرها، وخصائصها، واشتراطاتها، وركائزها التي تضبط حركة تداولها كنص شعري، لا أن تصبح مشاعة للعموم لتفقد تجنسيها الأدبي، لتصبح بالتالي قصيدة لغو، وحشو، وانفعالات شخصية آنية عابرة لا تمت لقصيدة النثر بصلة، ولا حتى للشعر بصلة، وهذا الاستسهال في كتابة قصيدة النثر جاء من خلال إفرازات (ملوك الطوائف) في (الفيس بوك) وهذه الظاهرة غير صحية بالمرة، في بعض الأحيان اقرأ نصا شعريا نثريا أقول بصوت عالٍ .. الله .. وفي أحايين كثيرة ألعن هذا الخراب الذي حلَّ بقصيدة النثر، وهذا التشويه الذي اعترى جسدها.

وفي رأيي النقدي .. الشاعر الذي لا يعرف نظم القصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة، لا يمكن له بأي حال من الأحوال أن يكون شاعرا لقصيدة النثر، والدليل على ذلك تجدين كل رواد قصيدة النثر أو الشعر الحرّ، هم شعراء القصيدة العمودية وكتبوا فيها بدءا من بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وصلاح عبد الصبور، وبلند، ورشدي العامل، والبياتي، ودنقل، وفاروق جويدة، وسعدي، والصائغ، وحميد سعيد، ويحيى السماوي، والحجاج، وغيرهم الكثير حتى لا أنسى اسما منهم، فهذا يدل على أن قصيدة النثر هي القصيدة الأكثر نضوجا شعريا، وفكريا، ومنهجيا، وانضباطا، وإذا رجعنا لتاريخ انبثاقها نجد بأنها بدأت مع بدايات القرن العشرين, حيث كان لزاما على الثقافة، والأدب العربي الولوج إلى عوالم الأدب العالمي والانصهار داخل بوتقة الحداثة، والمعاصرة، لإحداث جلّ تلك المتغيرات الحاصلة في معمارية كتابة القصيدة النثر الحديثة، وبالتالي لإيجاد طريقة معرفية سريعة وناجحة لتبادل الخبرات، والمثاقفة بين الأدباء أنفسهم، وبين تجارب الشعوب في ظل تسارع خطى الحركة الأدبية العربية للانخراط في فسحات هذه الثقافات المعرفية، والتي أسست لذاتها منشئا جديدا في تداول الخطاب الشعري، وقد كانت للبعثات

الدراسية إلى أوربا الأثر الكبير في نشر الوعي الذاتي، والجمعي، داخل مفردات التفاعل من خلال تلك المسميات التي تبدو دخيلة على عوالمنا الأدبية رغم أن الشعر العربي القديم كانت له الحظوة الكبرى، والريادة العظمى في تعليم البشرية كيف ينظم الشعر، وكيف تكون له هيبته الاستقبالية من خلال المستشرقين، ولكن الحديث هنا عن جملة من المسميات الفنية، والأدبية الحداثوية الواردة على الأدب العربي، والجديدة أيضا على مساحات التلقي، مثل فن المسرح، والفن التشكيلي، والقصة القصيرة، وقصيدة الشعر الحر، وقصيدة النثر، وقد انخرط العديد من الأدباء والفنانين في الاشتغال الأكاديمي ضمن تلك المسميات المعرفية، وأسسوا لهم قاعدة رائدة وحقيقية وتكاد تكون مستقلة بذاتها عن موردها الأوربي، إلا قصيدة النثر، فقد بدت وكأنها الوليد الغير شرعي للشعر، وللثقافة، والأدب العربي، على اعتبار أنها خرجت عن طوق النظام الشعري الخليلي، وأحالت عروضيته للهدم، ولأنها أيضا مثال ثقافي مستورد، ورغم كل ذلك الكم من الانتقاد، فقد نجحت (قصيدة النثر) في شق طريقها عبر أسماء كبار الشعراء العرب منذ العقد الأوسط من القرن المنصرم، لينشئوا لهم مملكتهم الشعرية النثرية الرائدة، التي ابتعدت عن نهج القصيدة الأوربية، وصاغت لذاتها معمارية داخلية، وخارجية عبر اللغة، والصورة، والموسيقى، والإيقاع، واستثمار الأسطورة، والشخصيات التاريخية، والموارد المثنلولوجية، وجملة من القواعد التي التزمت بها ومن ثم أضافت لجسدها المؤسساتي معالم استثمارها للغة بصياغة جديدة كمنطقة (لعب حرّ) وغيرها من المحاذيات الجمالية الأخرى، حتى أخذت لها شكلا معماريا حداثويا، تنافس فيها القصيدة الأوربية، لأنها تربت ومنذ نشأتها الأولى بين أحضان آمنة، ومع عقول كبيرة لمجموعة من كبار الشعراء العرب.

ü نعيمة قادري/ هناك بعض التلميحات السياسية في كتاباتكم، هل هو تعبير عن موقف معين بطريقة نقدية للمشهد السياسي بالعراق أم مجرد توظيف في إطار النص الشعري؟.

ü د.سعدي عبد الكريم/ الواقع اليومي المعاش بحاجة إلى من يرصد مواطن خلله، وعوراته، والشعر احد تلك الأدوات التي يتميز بها الشاعر عن غيره في بث الرمز داخل النص للتعبير من خلاله عن نوازعه الداخلية المأزومة من مرارة واقعه المؤلم، وأنا أقول لكِ سيدتي بصراحة متناهية، أنا أمقت السياسية، والساسة، ولم أنتمِ في حياتي لأي حزب سياسي، ولم أستظل تحت أية مظلة سياسية، مظلتي التي أستظل بظلالها الوارفة الظلال، هي العراق، ونخل العراق، أما ما اكتبه هنا و أصرح به هناك، فهذا من دافع انتمائي لتربة هذا البلد الطاهر، المعطاء (العراق) وما دونه فهو مجرد هراء سياسي، لأن السياسية كذبة كبرى، صدقها اللاهثون إلى الجاه، والسلطة، والنفوذ، والمال، أما ما يمكث في الأرض، فهي الكلمة، والله هو الكلمة، والكلمة هي التعبير الصادق الحقيقي، الذي يعبر به الإنسان عن مكنوناته الداخلية، ومشاهداته اليومية، لذا نجد بأن العين المبصرة، هي التي تميز ما بين النفَس الحر الطليق في متن الكلمة، وبين الزيف الطافح على جسدها، والسياسة لعبة الكذابين الكبار، يسترون بها عوراتهم الإنسانية، والأخلاقية، وربما حتى النفسية، والمشهد السياسي العربي بالعموم، والعراقي بالخصوص، مشهد مأزوم ومعيب، ومليء بالعورات، وبحاجة إلى إعادة ترميم، لأن العرب مثل ما قال الراحل عبد الناصر (اتفقوا على ان لا يتفقوا) وهذه ميزة قديمة في ابد صحراء العرب، تفاقمت على حدود الحضارة الجديدة، ولغة السياسية الحديثة، وأنا أجد بأن من ليس لديه وعي، أو عمل يستر فاقته، أو صاحب رؤوس أموال، أو صاحب محلات (خردة) يصبح رجل سياسية، بلمحة بصر.

ü نعيمة قادري/ ما هو أقوى سلاح لمقارعة الظلم والذود عن الحرية في نظر الأديب سعدي عبد الكريم؟

ü د.سعدي عبد الكريم/ الظلم ومنذ النشء الأول للأحياء، منذ أن قتل هابيل قابيل، ولطخت عذرية البشرية بالدم، وبالظلم، وأرادت السماء أن تمحو هذه الجريمة، فأزلت الكتب السماوية كدساتير عمل يومي يجاهد النفس البشرية عن

فعل الظلم، وإقامة العدل على الأرض، وأوعزت للأنبياء والرسل بتعليم الناس قيم العدالة، وإفشاء السلام بين البشر، ومقاومة الظالمين، والطغاة، والأديب لا يملك إلا حبر قلمه، لكي يقول للطاغية، أنت طاغية في وجهه عبر كتابته، نحن امة يا سيدتي لا تعرف أن تتحرر من قيود طغاتها، بل تصفق لهم، ليزدادوا طغيانا، وعنجهية.

يا سيدتي .. كلنا نهرب من المواجهة، الوحيد القادر على التغيير، هو الذي لا يملك من حطام الدنيا إلا الكلمة، فهي الأيقونة المضيئة الوحيدة القادرة على التحدي، والمواجهة، وهي المحك التاريخي الذي يمكن لنا من خلالها التحدث، والكتابة بآسم التغيير، ومقارعة الفساد المستشري في جسد الأمة، الإنسان لا يملك إلا الكلمة، وأنا شخصيا لا أميل إلى إراقة الدماء عبر الثورات، لأنها لا تجلب إلا الدمار، والخراب، ولكن يمكن لنا مقارعة الظلم بالحجة، والدليل العقلي، ورجاحة الموقف الثابت، والوعي المعرفي، لا أن نركن إلى الجهل، والتخلف، وإلى تابوهات الدين التي تحرم علينا حتى ممارستنا لحريتنا بقناعة بشرية متحضرة، ورجال الدين، وبخاصة (المتأسلمون) منهم، هم رأس الفتنة، لأنهم يسترزقون بآسم الله من جيوب وعقول جهل البعض، ويتحدثون باسم السماء، وهذه الدعوات المظلة تحتاج إلى ثورات في العقل الجمعي العربي، لأن الدين بطبعه السماوي رحمة إلهية، وسلام، ومودة، وسماحة، وحب، لا يحتاج إلى من يدعو إليه، السماء وحدها مصدر التشريع، ورجال الدين هم آفات المجتمعات العربية التي تنحدر به إلى قاع الجهل، والتخلف، والتصحر، والبداوة، وهؤلاء بفتاويهم المحرضة الخارجة عن الدين، أنجبوا لنا أولاد السفاح (الدواعش) لينتشروا في الأرض بآسم الخلافة الإسلامية، أية خلافة إسلامية هذه، ونحن أمة وصلت الى حضيض الفكر الانساني، وآضمحلال المعرفة الكونية، واندثار العلم فيها، وأوربا وصلت إلى اكتشاف معالم كونية جديدة، ونحن ما زلنا نذبح، ونقتل بآسم الدين، أوربا تخلصت من عصورها الوسطى المظلة، وها نحن نقع بذات المطب الذي وقعت فيه، بل اشد بؤسا، وانحرافا، بمساندة العقول الجلفة المتصحرة البدوية.

ü نعيمة قادري/ في نظركم هل تعتبر الجوائز والتكريمات تكليفا أم تشريفا بالنسبة للأديب خاصة وأننا نعرف أن حالته المادية غالبا ما تكون مزرية؟

ü د.سعدي عبد الكريم/ لقد اعتدنا كعرب وللأسف، أن نكرم الأدباء، والفنانين، والمبدعين بعد أن نهل التراب على جثامينهم، وهم يسكنون القبور، وتعودنا في عالمنا العربي، أن نكرم، ونحتفي، ونتذكر أدبائنا الكبار وهو يتوسدون خشبات الحدباء محمولين فيها جثث هامدة، بمعنى إننا نكرم أدبائنا، وفنانينا، ومبدعينا عندما يرحلون عن عالمنا، واعتدنا على ذكرهم في المحافل والمهرجانات بعد موتهم، ونسلمهم الجوائز العينية، وهم يحلقون في منطقة أكثر رحمة، وسلاما من عالمنا المزري هذا، أنا شخصيا كرمت عشرات بل مئات المرات، بجوائز نقدية، وعينية، ودروع وشهادات تقدير، ربما لا أجد لها مكان في بيتي المتواضع، ولكن السؤال القائم، هل يملك الأديب العراقي بيتا يليق به، وهل يملك أجرة التاكسي الذي يذهب به إلى اتحاد الأدباء، وهل يملك راتبا يسد به رمقه، ورمق عياله، وهل حققت له الحكومات المتوالية، والنُظم السياسية التي حكمت العراق، منذ أبان الحكم الملكي لحد هذه اللحظة أية امتيازات معقولة لكي يعيش كإنسان في مجتمع متحضر، عكس ما نراه في الغرب، هو يشجعون الفاشل لينجح، ونحن نقتل الناجح، والنجاح، والإبداع بمدية صدئة، يا سيدتي الأديب العربي يعيش تحت وطأة الحكومات، والسياسية، فالأديب أما أن يكون صوت السلطة، لكي ينعم بخيراتها، وهذه طامة كبرى، وأما أن يكون خارج هذا السرب، فيكون من الهالكين، فالساسة، والسياسية، قضت على الأدب، والثقافة، والفن، وحركة الإبداع في العالم العربي، بل نحرته.

ü نعيمة قادري/ بما أن الشعر يبعث الأمل في النفوس، ويتيح للناس تشاطر معنى الحياة في هذا العالم، ما هو الحلم الذي لازال الدكتور سعدي عبد الكريم يتمنى تحقيقه وكله أمل في ذلك؟.

ü د.سعدي عبد الكريم/ الشعر هو المتنفس الوحيد الذي من خلاله نستطيع أن نعبر عن آلامنا، وأحزاننا، وغبطتنا، ونلج من خلال إلى عوالم أخرى بعيدة عن دخان الحروب، وفي تارات أخرى تجدين الشعر داخل أتون الحرب، وهو ينزف آخر نقطة حبر من قلمه، مع آخر قطرة دم لشهيد في المعركة، الشعر منصة راقية للتعبير عن الذات، وعن الجمع، أما عن أحلامي الشخصية، فأحلامي بسيطة، ومتواضعة لا تتعدى أخمص قدمي، أولا أن أعيش كإنسان، وان أعيش بسلام، وأمن وأمان داخل وطنٍ تآكلته آفات السياسية، وأعلنت عليه الحروب منذ أن كان رضيعا، أحلام الشاعر، أو الأديب، أو الناقد يا سيدتي، أحلام تستدعي انتباه الذاكرة الجمعية لمحاولة القفز على السائد والمألوف، من أجل الوصول إلى مصب التغيير عبر محاولات تداولية من الأسئلة الفلسفية التي تحتاج إلى أجوبة مقنعة، وغير نمطية، الأحلام عندي أن يطير النورس على ضفاف دجلة دون أن تراقبه عيون راصد ماكر، لتعبث بتحليقه، وتوجهه حيث تشاء إراداتها السياسية.

ü نعيمة قادري/ لدي سؤال أتمنى أن يجيبني الدكتور سعدي عليه، كيف ترون الحركة الأدبية عبر مواقع التواصل الاجتماعي.؟

ü د.سعدي عبد الكريم/ إن السوشيال ميديا (Social Media) وعلى اختلاف مخاصبها التواصلية، هي بأصل الفحوى النفعية موارد تفاعلية، وتبادلية بين الأفراد بعضهم ببعض, على المستوى الإنساني، والأدبي، والثقافي، والإعلامي، والمعرفي، وأنا على المستوى الشخصي ليَّ صفحة في الفيس بوك، ومدونة خاصة بيَّ انشر فيها دراساتي النقدية، والبحوث، والكتب، وأتبادل من خلال صفحتي الآراء مع نخبة من الأدباء، والمثقفين، والفنانين في العالم، لكني بالمناسبة لا اعتمد بالكلية في نشر أعمالي الأدبية على الفيسبوك، بل ليَّ كتب عديدة في الأسواق العربية، تشير إلى الفسحة التدوينية، والجمالية، والفلسفية، والأدبية التي أنتمي إليها، كناقد أولا، وكاتب مسرحي ثانيا، وشاعر ثالثا، وسينارست رابعا، ولكني اعتبر السوشيال ميديا هي ملاذ للتواصل مع

الأصدقاء الذين نفاهم الوطن إلى فواجع الغربة دون إرادتهم، وهذا لعمري أجمل ما فعلته الميديا التواصلية، ولكن أخطر ما فيها، هو ظهور أشباه الأدباء، والشعراء على الساحة التواصلية، ويكتب قبل اسمه الصريح الشاعر، أو الأديب، أو الإعلامي، أو الصحفي، تصوري يا سيدتي، بأن شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، كان عندما يكتب نصا شعريا يكتب اسمه الصريح، لا يقدمه بالشاعر، أو لقبه شاعر العرب الأكبر، بل يكتفي بكتابة (محمد مهدي الجواهري) ولا يقدمه بأي موسوم ذو صفة أدبية، والذي نشاهده الآن في عالم السوشيال ميديا وبخاصة في الفايسبوك، كوارث حقيقية، وفواجع كبرى، يندى لها جبين المعرفة، ويتصدع منها الأدب، وتزكم منها الثقافة.

ü نعيمة قادري/ قبل أن أختم هذا الحوار لدي سؤال إن أمكن دكتور-:

ü دكتور سعدي عبد الكريم/ تفضلي سيدتي الفاضلة.

ü نعيمة قادري/ ما هو تقييمكم للحركة الأدبية والفنية بالعالم العربي في الوقت الراهن؟.

ü د.سعدي عبد الكريم/ الحركة الأدبية العربية مرهونة بالوقت الحاضر، بالميول السياسية للأديب، وهذه ظاهرة مستفحلة في الأوساط الأدبية العربية، ولكني اجزم بيقين ثابت، بأن هناك أسماء كبيرة من الأدباء العرب لا يعترفون أصلا بتأثير السياسية على الشارع، فلكِ أن تتخيلي حجم التفاوت الحاصل بين أديب السلطة، وأديب العقل الجمعي، الأديب بن مكانه، وزمانه، وابن بيئته ومحيطه، وابن لحظته التدوينية، ربما يتأثر بأجواء أوربية، وبلغات أخرى، لكنه يبقى حريصا أن على محاكاة واقعه، وبث جهده الإبداعي في ملاحق التغيير، أقول لكِ بصراحة، أن واقع الأدب العربي بخير، ما دام ثمة من يراعي ضميره الإبداعي، ويلتزم بقوامه المعرفي، ويحافظ على سيرته الذاتية الطويلة، والمتخمة بالمنجز الأدبي، والثقافي، والفني، ولكي لا يتميز، بل ليكون فاعلا في جسد التغيير، والنهوض بالوعي، والعقل الجمعي، و بمديات التأثير به، لأن

الأديب والفنان، والمثقف، والمبدع هو البوصلة التي تحدد الاتجاهات الوعيوية الذهنية في ذاكرة الإنصات، ودائرة التلقي.

ü نعيمة قادري/ قبل أن أختم هذا الحوار لدي سؤال آخر ان أمكن-:

ü د.سعدي عبد الكريم/ تفضلي سيدتي، رغم انك أرهقتِ كاهلي بأسئلتك التي جاءت، وكأنها تهبط عليكِ من عالم آخر!

بعد أن ارتسمت على وجهي ابتسامة خجل، لكنها لا تخلو من مكر، وأردفت قائلة لكي لا يفوتني السؤال المهم الأخير:-

ü نعيمة قادري/ دكتور سعدي عبد الكريم .. كناقد كيف ترون الحركة الشعرية بالمغرب من خلال اطلاعكم عليها؟.

ü د.سعدي عبد الكريم/ في رأينا النقدي .. أن الحركة الشعرية في المغرب تنوعت تنوعا ذو خصوصية مختبرية ناجعة، وراحت تغازل مناخات حداثوية راقية، والقصيدة في المغرب ذات طابع تعبيري في رصدها للمتحولات المُستجدة التي تلامس شغف البنية اللّغوية، والصورة الشعرية، والمُكتشف التراتبي في مبعوثات الدهشة، وابتكارات الرؤية، لذا شكلت مزيجا بين الشاعر، وذاتيته، وبين محيطه الخارجي.

لقد كانت ثمة مسايرة فاعلة في جسد النص الشعري المغربي في المزاوجة بين شكل القصيدة القديمة، وبين القصيدة الحداثوية، وهذا التطور يأتي ضمن سياق ذلك الامتداد اللائق، والخلاق في توازنات النص لدى الرواد الذين كتبوا بلغات مختلفة، وبين الجيل اللاحق الذي استطاع أن يحول النص الشعري المغربي إلى قيمات لغوية تعبيرية رصينة، وأنماط جديدة، وانساق محكمة، وجاءت تلك المهاميز الرمزية في استثمار ملاحق التراث، والأسطورة، لتضيف للنص رونقه في ذاكرة التلقي، واعتقد بأن هذا التعايش السلمي بين الجليين، اعتبره تعايشا معرفياً، وإبداعياً حقق طفرة في بنائية النص الشعري المغربي.

وقد تأثر الشعر المغربي إبان بواكير إطلالته بالشعر الأوربي، لكنه لم يبقَ أسيراً لذلك التأثير، بل راح يبحث له عن مسارات محاذية أخرى للنفاذ منها الى سطوح القصيدة الحديثة.

ولم يكتفِ الشعر المغربي بالتأثير بالنص الغربي، بل وائم بينه وبين التأثر بالشعر العربي الحديث وبنخبة مجددة من الشعراء الرواد العرب، أمثال بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وصلاح عبد الصبور، وغيرهم، وقد كان على رأس هذه القائمة من رواد الشعر المغربي، الشاعر مصطفى المعداوي الذي اعتبره الأب الروحي لمشروع النص الشعري المغربي الحديث، بالإضافة الى الشعراء أمثال الشاعر أحمد المجاطي ، والشاعر عبد الله راجع والشاعر محمد خير الدين، الذي اعتبره من وجهة نظري النقدية المؤسس لمدرسة الشعر الحديث في المغرب، ورائد الجيل الأول الذي أسس مملكة الشعر المغربي الحديث وفق اشتراطاته المُجددة، وضوابطه اللّغوية، ومعاييره الحداثوية.

وقد رصدت ذائقتي النقدية بعض الأسماء الكبيرة التي أكملت هذا المشروع الشعري المغربي الناهض، شعراء لهم ثقلهم في الساحة الأدبية المغربية، والعربية أمثال مليكة العاصمي، وثريا السقاط، ومحمد الخمار الكنوني، وحسن الأمراني، وإبراهيم السولامي، ومحمد بنيس ومحمد السرغيني، ولا أخفيك سراً سيدتي إذا ما قلت لكِ بأنني شخصيا معجب كثيراً وبوعي نقدي بشاعرتين مهمتين في الساحة المغربية هما، ياسمينة حسيبي، وزكية المرموق، فأنا اقرأ لهما باستمرار، وارصد ما تكتبان، لما تمتلك نصوصهما من دهشة ابتكاريه ملفتة، تسحب إليها دائرة الإنصات بروية أخاذة، وغيرهن من الشواعر، والشعراء الذين لم لا تسعفني الذاكرة في استذكارهم، ولهم مني جلَّ الاحترام والتقدير.

وأقول .. برغم هذا التفاوت بين الأجيال، فقد استطاعت الحركة الشعرية المغربية في تأسيس خصوصيتها الشعرية، ورسم خارطة مسارها الشعري المعاصر، وهذه المزاوجة، والموائمة للتجارب الشعرية ما بين الرواد، والأجيال اللاحقة هي ذات خصوصية فنية تطويرية ذات خصائص وعيوية فاتنة، لأنها استطاعت أن تزاوج بين الإرث الشعري الأصيل، وبين المعاصرة، فخرجت حركة الشعر المغربي من رحم تجربة المُتغير الحداثوي، وما يلاءم العصر للتعبير عن ذاتها، وعن هويتها المغربية الراقية.

أجرت الحوار / الشاعرة المغربية نعيمة قادري الشرقاوي

شارك
المقال السابقدِمَــــاءُ المَسـَــاءِ
المقال التالىتغطية إعلامية

الشاعرة نعيمة قادري من الرباط/ المغرب.. كتبت عدة قصائد تحكي عن هموم الوطن العربي. نشرت لي في مواقع ألكترونية وجرائد ورقية. حاصلة على ماجستير في التاريخ تخصص :تاريخ المغرب. ماجستير في السياحة الثقافية والتنمية البشرية

....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد