ولماذا نكتب ولمن نكتب؟


 

كل فكر لا ينتج أثراً ملموساً أو على الأقل يحدث جدلاً اجتماعياً هو ليس إلا محض فراغ وعدم، وفقاعة صابون ما تلبث أن تتبعثر في الفضاء وكأنها لم تحدث أصلاً. وكذلك هي الكتابة عندما لا تفعل في العقل أي تغيير أو تحدث بلبلة فكرية فما هي إلا نزوة راودت كاتبها ومن ثم تنطفئ نارها ولا تترك حتى الرماد خلفها.

من يتعامل مع الحروف على أنها وسيلته وسلاحه المشروع في الدفاع عن القيمة الإنسانية التي ينتمي إليها الكاتب والتي يتبنى أفكارها وكذلك يمتلك مقوماتها؛ لإن الإنسان حين لا يمتلك مقومات الإنسان لن يحدث أي تغيير ولن يكون لحروفه ردة فعل ملموسة.
علينا أن نعترف نحن معشر الكتّاب والشعراء أننا لسنا أحراراً، وأننا نتردد في قول الحق ونغض النظر في أحيان كثيرة عن انصاف الحقيقة كما هي دون ترميز وتلميح. وأننا نلجأ إلى كوكب المجاز والتمويه مع العلم أن الجميع حتى البسطاء يعرفون إلى ماذا نرمي بهذا المجاز والتمويه. ربما لأننا تعودنا على الغش منذ نعومة أظافرنا منذ كنا في المدرسة نغش في الامتحانات ونغش في البيع ونغش حتى في عواطفنا. وبما أن الحكومات العربية كلها قائمة على الغش والتزوير فهي تحترم الماكر والداهية في الغش والتزوير وجعلت له حصانة وقانوناً يحميه وأعلنت في نص صريح” القانون لا يحمي المغفلين” فهي تشجع على الغش لكن شرط أن يكون الغشاش محترفاً ولا يترك وراءه دليلاً على إدانته حتى ولو تأكدت ضمنياً بأنه قام بفعل الغش.

وقد أسست مدارس فنية لهذا الغش وأقيمت لها نظريات ومذاهب أدبية وأعظمها المدرسة السريالية وكذلك نظرية ” المعنى في قلب الشاعر” وكلها مجرد وسائل تمويه وتهرب من القانون؛ فالشاعرالحر وصاحب القضية الذي يعتمد الترميز والمجاز الغامض في قصيدته ما هو إلا شاعر جبان لكن جبان بلباقة وكياسة وهذا النوع راج كثيراً بعد ظهور المدارس المعاصرة سواء للشعر أو الأدب والفن بشكل عام. مما سهل عمليات الغش الفني في بيع لوحات سريالية لا يُفهم منها إلا ما يجبرنا النقاد على أنه المقصود وتباع اللوحة بأسعار خيالية خاصة إذا كان اسم الفنان ذائع الصيت. وكذلك الشعر السريالي والذي يحتاج إلى تفسير أقوى من تفسير الجلالين لفهم ما بقصده الشاعر وكلها هذا نتيجة الخوف والذعر من المعتقلات والسجون العربية.

كلما فكرت في كتابة مقال حقيقي وصادق دون تلميح أو تمويه مباشرة تتجلى لي مقاطع من روايات عبد الرحمن منيف وأتخيل الشكل الكئيب للسجون التي صورها لنا في ” الآن هنا، الأشجار واغتيال مرزوق، الشرق المتوسط وغيرها من الروايات التي انفرد بها منيف لوصف ما يحدث داخل السجون من فضائع التعذيب والإذلال البشري واحتقار الإنسان. أعود وأشطب ما كتبته وألجأ كغيري من الكتاب العرب إلى الترميز فأسمي مثلاً القبائل الخليجية بالثرثارين مع العلم أن جميع من قرأ المقال كان يعرف تمام المعرفة قصدي لكن لأحمي نفسي من المساءلة قمت بعملية غش أدبية محترفة وموهت كلامي. وفي الحقيقة كنت كاتباً جباناً أخاف على نفسي من السجن وكذلك أخاف على أولادي واخاف ألا يتم تجديد جواز سفري لو تكلمت الحقيقة عما يحدث في سوريا. وما يعزيني وما يخفف عني هذا الشعور بالجبن والخوف أن معظم الكتّاب يفعلون نفس الشيء فهم مثلي يموهون أو يجاملون أو أنهم يراءون في قول الحقيقة بشكل صريح.

وهناك آفة أعظم من آفة الغش والخوف وهي أن يكون الكاتب أو الشاعر متعصباً لطائفته أو مذهبه أو عقيدته حينها يوظف كل مقدراته الأدبية في الدفاع وبكل تعصب عمن ينتمي لهم. هو أيضاً يمارس الغش والخوف لكن ليس من الحكومات الأخرى بل هو يخاف من عشيرته من أن تتهمه بالخيانة والتخلي عن عقيدته ويخاف أن يتهموه أنه قلم مأجور باع عقيدته لقاء حفنة من الدولارات؛ فيعيش في خداع وكذب يرى وينظر عشيرته كيف تفعل الفواحش الإنسانية والظلم والجهل ومع ذلك هو يناصرها ليس من باب الإيمان بل من باب الرياء والخوف من عشيرته.

نحن لا نكتب الحقيقة التي نرغب في قولها ولا نملك الجرأة في أن نقول مهما بلغنا من الصدق والشفافية لابد وأن نجامل القراء أو نمسح الجوخ بفرشاة حروفنا للمناصرين لجهة هي الأقوى على أرض الواقع.

نحن فقط نلتزم بالكتابة لأسباب كثيرة منها: أننا قد ادمنا على الأضواء وعدد الاعجاب الذي يبصم لنا على ما نكتبه، أو أننا نبحث عن صناعة اسم أدبي من خلال كثرة النشر والكتابة وأن يكون لنا روابط على الأنترنيت ولو صدف وأن قلنا الحقيقة كما هي دون زيادة أو نقصان ودون مجاز أو بهارات نجد الهجوم علينا وتتكشف الأقنعة ويتحول الصديق إلى عدو وتبدأ عمليات الانسحاب والحذف والحظر والجدالات المطولة ونعود لنمارس الغش والرياء ونتخلى عن أفكارنا التي طرحناها وندّعي أننا لم نقصد ما فهموه وفي المقال القادم نعود ونرتدي ثوب المجاز المموه ونكتب بلغة غامضة ويعود القارئ إلى استخدام التفاسير والتأويلات ويبدأ الثناء علينا بأننا كنا أذكياء في استخدام الاسقاطات والاستعارات والكنايات والمجاز في المقال.

لماذا نكتب؟ طالما أننا لا نكتب الحقيقة كاملة؟ ولماذا نسرف في التمويه والمماطلة والمجاملات؟ وهل أصبحت الكتابة مجرد إدمان أو عادة أو أنها تسلية نتسلى بها بعقول القراء على مزاجنا ودرجة معرفتنا تارة نصعد من لغة المجاز ليكون المقال للنخبة فقط وتارة نتظرف في الغموض إلى درجة أن القارئ لا يفهم شيء فيتوارى خشية الاحراج أمام أصحاب الأفكار الماركسية أو العلمانية وأصحاب المصطلحات الكبيرة والمعقدة.

نحن لا نقل ذنباً عن المتآمرين والمؤيدين للطغاة لأننا مثلهم نناصر الباطل على الحق ولأننا نخاف على أنفسنا وأولادنا إن كان لدينا العذر من تلك المخافة علينا أن نلتمس العذر لحرس الطغاة ومن يسايرهم فهم كذلك لديهم أولاد ويخافون على مصيرهم.
إما أن نكتب بكل حيادية وإنصاف ودون تعصب ولا تطرف لعقيدة أو مذهب أو أننا نبتعد عن هذا النوع من الكتابة المموهة والكاذبة والرقص على حبال المعاني ونتجه إلى كتابة ليس عليها رقابة ولا حسيب ومن هذا الباب أنا لم أعد قادر على كتابة المواضيع السياسية لأنني في الحقيقة لا أقول كل الحقيقة وأقول نصف الحقيقة أقول النصف الذي يضمن لي تجديد جواز سفري وعبوري الحدود دون أن يوقفني عناصر الأمن.

كل الذين يكتبون ويخرجون على الشاشات لا يقولون الحقيقة كاملة وأغلب الذين يكتبون هم متعصبون لعشيرتهم ومذاهبهم لقد تحولت الكتابة مؤخراً إلى مجرد ثرثرة أسبوعية ما أن يمر عليها ليلة واحدة حتى تنسى كل التعليقات وكل الجدال الذي دار دون أن تغير في المواقف ودون أن تترك أثراً فعالاً على المشهد العربي وما هي إلا فقاعات صابون بعضها يكون مبهراً ويشده الابصار وبعضها عادي وصغير لا يراه أحد وهكذا تحولت الكتابة إلى عادة وإدمان من الكاتب والشاعر لأنه لو اختفى لمدة أسبوع ينسى فذاكرة القراء مثل ذاكرة السمك والكاتب والأديب بعد أن اعتاد على الضوء والبريق صار من الصعب عليه أن يعلن التوبة عن الغش وكتابة الحقيقة منقوضة.

قسم يجامل أنصار النظام السوري وقسم يجامل أنصار إيران وقسم يداهن ويجامل أنصار الخليج وهذا يجامل الشيوعي وهذا يجامل الإخوان وذاك يجامل حماس وهكذا دواليك هي الكتابة حفنة مجاز وكمشة حروف مموهة وكثير من التعصب والتطرف وفي الأخير الكاتب أو الشاعر ابن عقيدته ومذهبه مهما تحرر وناصر الحيادية لابد وأن يقرصه التعصب ويظهر حقيقة تعصبه وتطرفه والضحية الوحيدة هي ” القارئ البسيط الذي يصدق كل ما يكتب”

الكاتب الحقيقي هو الذي لا ينتمي إلا لإنسانيته ولا يحاول إرضاء إلا الضمير والمنطق وهذا الكاتب من المؤسف أنه لا يتوفر وعدم توفره ليس لقلة الكتّاب لكن لمعرفة الكتّاب من نتائج قول الحقيقة وإلى أي مصير يذهبون لو قالوا الحقيقة كاملة دون تزييف ودون نقوش مجازية أو نسج النص بخيطان مموهة.

شارك
المقال السابقليتكم كنتم بوذيين ومجوسا
المقال التالىمتميزوا ومتميزات العراق في خطر

الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح.
الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد