تقرير مجلة الإيكونوميست العالمية حول المدن الأفضل للعيش عالميا لعام ٢٠١٧


 

بغداد و كابول ” خارج نطاق الدراسة “
ميلبورن و فينا ” الأفضل عالميا “
لاغوس و دمشق ” الأسوأ عالميا “

عار و أي عار، أن تعتبر مجلة الإيكونوميست في تقريرها عن أفضل مدن العالم للمعيشة لعام ٢٠١٧ الذي صدر مؤخرا، أن مدينتي بغداد و كابول قد استثنيتا من الدراسة لكونهما لا تصلحان للمعيشة و لا تستوفيان الحد الأدنى الواجب توافره في المدن التي خضعت للدراسة و عددها ١٤٠ مدينة حول العالم ..

و هنا لا بد لنا، و بدون تعليق طويل عريض، أن نهنئ ” الأمريكان و الإنكليز و التحالف الغربي ” ، حيث تكللت جهودهم بالنجاح الفائق في تدمير هذين البلدين منذ إحتلالهما عامي ٢٠٠١ و ٢٠٠٣، و حتى يومنا هذا، و بعد حوالي ١٥ عاما نرى أن الأحوال في البلدين من سئ لأسوأ، و كما هو مخطط و مطلوب فعلا، و ليس كما هو معلن و متداول للتغطية و التعمية على الرأي العام العالمي و المحلي ..

كما نهنئ حكومات هذين البلدين، و بشكل خاص العراق الغني الذي فقدت و سرقت و بددت فيه ما يقارب من ال ١٠٠٠ بليون دولار من ثرواته و أمواله خلال هذه الفترة، ليصل به الحال اليوم ليقترض و يستدين و تعجز حكومته عن دفع الرواتب و الأجور لصغار الموظفين و العمال فيه ..

للمرة السابعة على التوالي تحوز مدينة ميلبورن الأسترالية على قصب السبق و المرتبة الأولى عالميا، تليها بشكل قريب جدا العاصمة النمساوية فينا، تليهم مدينتي فانكوفر و تورينتو الكنديتان بالمرتبتين الثالثة و الرابعة، و تشاركت في المرتبة الخامسة عالميا كل من مدينتي كالغاري الكندية و أديليد الأسترالية ..

في المرتبة السابعة تأتي أيضا مدينة أسترالية جميلة هي بيرث، تليها أكبر مدينة نيوزيلاندية، أوكلاند، و من ثم العاصمة الفنلنية هيلسينكي، و في المرتبة العاشرة جاءت مدينة هامبورغ

الألمانية ..

و حصلت ميلبورن على معدل عام قدره ٩٧،٥٪ في التقييم لهذه الدراسة، و ضمن العوامل و المحددات و العناصر التي خضعت للبحث، تمكنت هذه المدينة من الحصول على معدل كامل، أي ١٠٠٪ في قياس كل من العناية الصحية، التعليم، و البنية التحتية، كما حصلت على معدل عام يتجاوز ٩٥٪ في مجالات الإستقرار، الثقافة و البيئة، و كانت مدينة فينا النمساوية قريبة جدا في المعدل العام و التفاصيل و جاءت بالمرتبة الثانية كما أشرنا ..

و كما لاحظنا، نجد أن أستراليا و كندا تستحوذان على أغلبية المدن الفائزة بالمراتب العشرة الأفضل عالميا، حيث كان لكل منهما ثلاثة مدن ضمن هذا الترتيب، علما أن مدينة سدني الإسترالية قد تراجعت عدة مراتب ما دون العشرة مدن الأولى بسبب التهديدات الإرهابية و المشاكل العرقية التي شهدتها في السنوات الأخيرة ..

أما المدن العشرة الأسوأ التي جاءت في آخر قائمة المدن ال ١٤٠ التي خضعت للبحث، فكانت إبتداءا من المدينة الأكثر سوءا دمشق في المرتبة ١٤٠، تسبقها لاغوس النايجيرية، و قبلها طرابلس الليبية، و قبلها دكا البنغلاديشية، و من ثم الجزائر، و قبلها كراتشي الباكستانية، و قبلها هاراري الزيمبابوية، و قبلها دولا الكاميرونية، و قبلها و في المرتبة ١٣١ مدينة كييف الإوكرانية ..

تشير هذه الدراسة إلى أن هناك خمس مدن شهدت تطورا و تحسنا في أوضاعها إنعكس على تقدم في ترتيبها لنتائج البحث هذا العام قياسا بالأعوام السابقة، هي طهران، دبي، أبيدجان، هاراري، و كولومبو، في حين شهدت خمس مدن أخرى تراجعا و تدهورا ملحوظا في أوضاعها إنعكس على تراجع ترتيبه في الجدول، و هي كل من، كييف، دمشق، طرابلس، ديترويت، و موسكو، و بالطبع تعود الأسباب لهذا التقدم أو التأخر و التراجع للعديد من الأسباب و الظواهر و العوامل المؤثرة التي خضعت للدراسة، ربما أهمها الحالة الأمنية و تأثر تلك المدن بالعمليات و الضربات الإرهابية و الحروب الداخلية و الصراعات العرقية و غيرها التي تعم العالم كله تقريبا منذ فترة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط و العالم الثالث بشكل عام ..

و أوضحت الدراسة، أن واحدا من أهم أهداف و أسباب إنجازها لهذا البحث هو مساعدة الشركات العالمية الكبرى في تقييم المخاطر المترتبة على العاملين الذين تنسبهم للعمل في تلك الدول و المدن، و من ثم تقييم مستوي الأجر و العلاوات الإضافية التي تمنح لهم مقابل ما يواجهونه من صعوبات و مخاطر ..

فالمدن التي تحصل على نسبة من ٨٠ – ١٠٠ ٪، تعني أن نسب الصعوبات و المخاطر في تلك المدن قليلة أو معدومة، و بالتالي فأنهم لا يستحقون أي مخصصات و علاوات إضافية ..

أما تلك التي تحصل على ٧٠ – ٨٠ ٪ فتشير إلى حياة يومية إعتيادية و يسيرة، لكن هناك بعض المشاكل أو الصعوبات أو المخاطر التي قد تعكر الجو ، حيث يتم منح مخصصات و علاوات

مقدارها ٥٪ ..

و هكذا تتدرج النسب لنصل إلى المدن الحاصلة على معدلات بنسبة ٥٠٪ أو أقل، حيث يشير ذلك إلى أن معظم معالم الحياة و المعيشة في تلك المدينة محددة أو معدومة أو رديئة، حيث يقترح منح علاوات إضافية ما مقداره ٢٠٪ ..

كما قامت هذه الدراسة و النتائج التي تم التوصل إليها على أساس قياس خمسة عناصر رئيسية أعطي لكل منها وزن و أهمية معيارية معينة، هي، الإستقرار = ٢٥٪، العناية الصحية = ٢٠٪، الثقافة و المجتمع و البيئة = ٢٥ ٪، التعليم = ١٠٪، و البنية التحتية = ٢٠ ٪، حيث يلاحظ أن أعلى وزن أعطي لعاملي الإستقرار و الثقافة و البيئة ..

ضمن معيار الإستقرار، تقاس عدد من المؤشرات في ذلك البلد، هي حجم و نوع الجرائم العادية، و حجم و نوع جرائم العنف، و تهديدات الإرهاب، تهديدات الصراعات المسلحة، و تهديدات الصراعات و الخلافات المدنية و القلاقل و غير ذلك مما يؤثر على حالة الإستقرار و الأمن و الأمان ..

ضمن معيار العناية الصحية، يتم ملاحظة عدد من المؤشرات هي، مدى توفر العناية الصحية الخاصة، و مستوى هذه العناية و الخدمات، و كذلك مدى توفر العناية الصحية العامة الحكومية، و مستوي و نوعية الخدمات التي تقدمها، و مدى توفر الأدوية، إضافة إلى مؤشرات عامة أخرى يفرضها البنك الدولي لقياس مستويات الصحة العامة و الخدمات الصحية في البلد ..

بالنسبة لمعيار الثقافة و البيئة، المؤشرات الخاضعة للدراسة هي، درجات الحرارة و الرطوبة في المدينة، مستوى عدم الراحة التي تواجه المسافرين نتيجة سوء الأحوال الجوية، مستوى الفساد الإداري و المالي و السياسي في البلد، نوع و مستوى القيود و المحددات الإجتماعية و الدينية، مستوى و درجات و نوعية الرقابة المفروضة على الشعب، مستوى توفر الخدمات و النشاطات الرياضية، مستوى و نوع الخدمات و النشاطات الإجتماعية و الثقافية، الطعام و الغذاء و الماء، نوعية و مستوي السلع و الخدمات المتاحة و المقدمة للعملاء ..

في مجال التعليم، يتم ملاحظة مدى توفر التعليم الخاص، و مستويات هذا النوع من التعليم، و كذلك الحال بالنسبة للتعليم العام الحكومي ..

فيما يتعلق بالبنية التحتية، يتم ملاحظة، نوعية شبكات الطرق و الشوارع في البلد، و مستوي و طبيعة المواصلات العامة، مستوى و نوع الخطوط و الطرق الجوية و البرية و البحرية الدولية، مدى توفر و نوعية بيوت السكن العام، مستوي شبكات و خدمات الطاقة بـأنواعها، نوعية المياه المتاحة للإستخدام البشري في البلد، مدى توفر و نوعية شبكات الإتصالات و الهاتف و الإنترنيت و غيرها و خدماتها المختلفة ..

تشير هذه الدراسة إلى أن أهم ما يهدد الأمن و الأمان و الإستقرار و السلم و الحياة الهانئة في كثير

من دول العالم اليوم، هو تزايد حالات عدم الإستقرار و الصراعات الداخلية و الحروب و العنف و إنتشار العمليات و الحركات الإرهابية، و إمتداد ذلك من دول العالم الثالث ليهدد عددا من الدول المتقدمة التي كانت تعتبر تقليديا من الدول الآمنة و المستقرة، كما في حالات تعرضت إليها، أستراليا، بنغلاديش، بلجيكا، فرنسا، الباكستان، السويد، تركيا، بريطانيا، و الولايات المتحدة الأمريكية، و هذا بالنتيجة تسبب في إنخفاض ترتيب هذه الدول و تأثر نتائجها النهاية فيما يتعلق بهذه الدراسة ..

كما يعتبر الإرهاب و الصراعات الداخلية و الحروب و إنعدام الأمن و الإستقرار من العوامل التي أثرت على إمكانيات و طبيعة الحياة الهادئة المستقرة الآمنة في عدد من دول العالم الثالث المعروفة مثل العراق و سوريا و ليبيا و تركيا، كما لا زالت عدد من الدول تحارب و تعيش صراعا مريرا مع عدد من الجماعات الإرهابية كنيجيريا مثلا، و حتى أميركا فأنها منذ فترة تعاني من نوع من الصراع الداخلي و عدم الإستقرار خاصة فيما يتعلق بالخلافات العنصرية و الإساءات الموجهة نحو السود، إضافة إلى صراعات و خلافت تأججت بسبب عدد من السياسات التي جلبها معه الرئيس الأمريكي الجديد ترامب، و التي أحدثت تغييرا نحو الأسوأ في كثير من معالم الحياة لكثير من الطبقات و الفئات الإجتماعية في عدد من المدن الأمريكية ..

تشير الدراسة أيضا إلى أن محور البحث هو المدن التي يحب الناس زيارتها و السكن فيها و ممارسة نشاطاتهم الإعتيادية و أعمالهم فيها، و هذا ما جعل للأمن و الأمان و الإستقرار الهاجس الأكبر المؤثر في النتائج، و يطرح فريق البحث تساؤلا معقولا عن الفارق بين بغداد و كابول من جهة، و دمشق و طرابلس من جهة ثانية، و تقول أن الأربعة مدن تعاني من حروب و نزاعات و كونهم باتوا ساحة واسعة مفتوحة لمختلف أنواع الإرهاب، لكن ما يميز طرابلس و دمشق إنهما كانتا لفترة قريبة مدن قابلة للمعيشة و الحياة، و إنهما ربما تعودان لتلك الحالة الطبيعية قريبا، بينما لا زالت بغداد و كابول على حالهما و معاناتهما منذ أكثر من عقد، و لا توجد أي مؤشرات أو أدلة على إمكانية العودة للحال الطبيعية في هذين البلدين قريبا، إن لم يكن أن الأمور هناك تسوء أكثر و حالة المعيشة و الحياة تتفاقم و تتدهور بشكل غير مسبوق ..

مرة أخرى نؤكد و نعود الى بلد كان غنيا و راقيا كالعراق، و كانت بغداد عاصمته، مدينة السلام يضرب بها المثل عربيا و عالميا ربما في وقت من الأوقات من حيث النظافة و الترتيب و التنظيم و الخدمات و الجمال، يصل بها الحال اليوم لكي تتجاوز سوء كل هذه المدن العشرة الأخيرة، و يتم تجاوزها في هذا البحث بأكمله ..

و أعتقد أنه لابد من أن يكون لدينا وقفة تأمل عند مثل هذه النتائج و التقييمات، خاصة عندما تصدر عن جهات و مؤسسات دولية محترمة، فهي تثبت بالدليل القاطع ، ما كنا نقوله دائما عن ضرورة تحميل بريطانيا و أميركا المسؤولية المباشرة عن ما يحدث في العراق بشكل خاص، و عن إجمالي الثروات و المبالغ التي سرقت و هدرت، بالطبع بمساعدة العملاء و الخدم المطيعين الذي جلبوا ليحكموا البلاد منذ إحتلاله و حتى يومنا هذا ..

برأيي إنها مسؤولية كبيرة على عاتق المجتمع الدولي و الشرفاء في هذا العالم، صحيح إننا لا

نستطيع أن نعيد عقارب الساعة للوراء، فما حدث حدث، لكن لابد من أن نحدد من هو المسؤول، و لابد أن ينال قصاصه و عقوبته، و ربما كانت المحاولة الأخيرة لتحريك الدعوى على رأس الأفعي بلير في بريطانيا واحدة من المحاولات المدروسة و الموزونة رغم فشلها، لكن برأيي لابد من أن يبقى مثقفي هذا البلد من الشرفاء و الوطنيين منتبهين و واعين و مستمرين في جهودهم و مساعيهم لإعادة الحق لأهله و إعادة العراق إلى سكة السلام و الأمان و تعويضه و تعويض أهله عن كل ما جرى ..

شارك
المقال السابقصفقة الجرود .. الامر والمؤامرة
المقال التالىدِمَــــاءُ المَسـَــاءِ
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد