ليه مكسوفة


 

لا أحبذ الجلوس على القهاوي أبدا، ولكثرة ما أشاهده من مشاحنات وعراك وسباب أصبحت لا أحب السير في الطرقات إلا لضرورة أو غاية، ألتزم البيت حتى وإن كان لا يعطي لمثلي الحياة التي أرجوها من خبرات وتجارب أستغلها في كتاباتي، إلا أن الجلوس في البيت هذه الأيام نعمة لا تقدر بثمن.

لم يعد الشارع كما كان، رصيف خال ونزهة بالأيس كريم مع من نحب، نتفقد المعروض من البضائع في الفاترينات، وبرغم ذلك فأنا أخرج مضطرا لشراء أغراض أو قضاء حاجة عرضت، وحينئذ أفضل السير إما في شوارع القاهرة الشهيرة أو في المولات الكبرى، أسير من محل إلى آخر، وقد تلفت إنتباهي سيدة تسير بجواري لها رقة وأنفة، فالمرأة رمز الجمال، ومهما كان إبداع الخالق في الكون فإن المرأة تبقى أعظم إبداع الله، فهي سر الوجود وعظمة الله.

أمس كنت اسير على غير هدى في وسط البلد، شارع طلعت حرب، في القاهرة الخديوية، وما أدراك ما قاهرة إسماعيل باشا، القاهرة الخديوية أعظم من روما وباريس، والروح المصرية تمنحها عبقا وروعة وجمالا، مصر جميلة وأجمل ما فيها شعبها، بخفة ظله وضحكاته، وإن كانت عزيزة هذه الأيام.

المهم… المرأة المصرية تسير بجواري، وتنتشر في كل مكان، إمرأة قصيرة، طويلة، قمحية اللون، بيضاء، سمراء، سمينة، نحيفة، نادرا رشيقة، محجبة، مخمرة، منقبة، وأحيانا شبه عارية، تضحك مع زوجها، عابسة، تسبه أحيانا، تعنف صديقها الذي لم يحضر في موعده، تودع حبيبها بلهفة وحب، تجذب طفلها مش شعره، تحمل بجانب اللحم الزائد طفلا وتجر بيدها الأخرى عربة طفلها الآخر والعربة يئن من فرط ما تحمله من أكياس لمشتريات، وتلك إمرأة بمجرد أن يتركها رفيقها تتصل بآخر لتخبره أنها في إنتظاره منذ ساعات، وتلك الرقيقة تسير مع صديقتها، تتأبط زراعها كأنها عشيقة تهيم حبا فيها، تربطهما الصداقة والعشرة والمحبة. كل هذا قد نجده في كل بلاد الدنيا، لكن الإنكسار صفة رأيتها في وجوه سيدات مصر وفتياتها، إنكسار وخجل، تسير المصرية مكسوفة وليست على طبيعتها، خائفة من شئ ما، تشعر بخجل من جسدها، لماذا تسير المرأة المصرية عموما والفتاة المصرية خصوصا بغير ثقة ويملؤها الخوف والاضطراب؟ أجتمعت كل نساء مصر في عيني على هذا الوضع، أراهم جميعا مصابون بالرهبة والخوف، الخوف من عيون المارة، من كلمات المارة، من لمسات المارة التي وإن لم تلمس الجسد فإنها بلا شك تؤذي الروح، المرأة المصرية في الشارع تتعرض لكل أنواع التحرش، وإن لم تسمع كلمات تضربها في الصميم أو تصرفات جنسية خادشة للحياء، فإن عيون الرجال تأكلها بلا رحمة وتفترسها بلا هوادة، فقط إمرأة واحدة لفت إنتباهي أنها تسير بغير خوف بل تحملق في كل شئ بلا خجل، عيناها تجول وتعربد في كل من يمر قربها، هل تعرفون من تلك المرأة؟

لا تعليقات

اترك رد