كسرى سحر لا يقاوم

 

” قرية كسرى على جبل جلاميد من الصخر كقطع العذاب تتراكم وتتراكب ثم يقوم فيها فجأة كالجدار جانب الجبل عاريا، تنشج في أسفله عين ماء باكية تسيل إلى الصخر، فتأكل من أصل الجبل، ثم تقع إلى الغور تحته فتشتت وتضيع كيأس نفس عقيم، وتتبعثر بيوت القرية بين الصخور… كشتمه في وجه قوة قاهرة أو عار على جمال (…) وفوق القرية والجبل والبساط هول أو ساع سماء خالية، وينظر المسافر حوله فإذا الجبل قافلة هول من أشخاص حجارة، كل له ألم وكل له قصة، والأذن تسمع وعين الماء “هذه كسرى كما يصفها الأديب الراحل محمود المسعدي في كتابه ” مولد النسيان ”

تقع مدينة كسرى على بعد 17 كيلومترا شرقي مدينة مكثر بولاية سليانة في إقليم الشمال الغربي وعلى بعد 170 كيلومترا شمال غرب العاصمة التّونسيّة، وتقع على ارتفاع يتجاوز الألف متر، وهي بالتّالي أعلى منطقة مأهولة بالسّكّان بالبلاد التّونسيّة. و تعتبر كسرى من أقدم القرى في العالم فقد سكنها الإنسان منذ قديم الزّمان، وذلك لارتفاعها وتوفّر عناصر الحياة بها من ماء ومرعى وغابة وأراض خصبة، وبالتّالي تعاقبت عليها الحضارات التّي عرفتها البلاد التّونسيّة كالحضارة البونيّة والحضارة الرّومانيّة والحضارة البيزنطيّة ثمّ الفتح الإسلامي

كسرى مدينة أثرية
تتميز كسرى بطابعها المعماري المخصوص فبيوتها تبدو للوهلة الأولى معجونة بالصّخر، فالأزقّة والطّرقات والمسالك يفرض هيأتها والتواءاتها حجم الصّخور المتعانقة في نوم أبديّ منذ العهود الجلموديّة الأولى

صورةa

أمّا المعالم والمواقع التّاريخيّة الّتي ما زالت موجودة بها إلى الآن فإنّ أبرزها الحصن البيزنطيّ والقصبة الّتي يسمّيها أهالي كسرى «بالقصر» والقبور البونيّة والنّقائش والمحفورات الصّخريّة الرّومانيّة. ورغم نشأة نواة مدينة أخرى (كسرى السّفلى) في سفح الجبل وعلى حافّة الطّريق المؤدّيّة إلى القيروان والسّاحل إلاّ أنّ كسرى القديمة لها جاذبيّتها وسحرها ووعودها الجميلة وامتدادها نحو الماضي العريق. وقد حافظت السّلط التّونسيّة وكذلك الأهالي على رونق البلاد الخلاّب من خلال البناء بالحجارة المقطوعة من الجبل الّتي يتمّ تسويّتها وتحضيرها للبناء واستعمالها خاصّة في بناء الطّوابق الأولى إضافة إلى جدران وأزقّة المدينة و”الدرج” الّذي يشبه إلى حدّ كبير درج سيدى بو سعيد والّذي ينتهي إلى المنبسط في أعلى الجبل. وقد تمّت أيضا العناية بمنابع العيون حيث تمّ بناء طرق مؤدّيّة إلى هذه العيون وجدران من الحجارة يخيّل للمارّ بها أنّها من صنع الطّبيعة وليس من صنع الإنسان .

متحف كسرى فضاء للتنشيط والتنمية الثقافية

صورةb

يقع متحف كسرى الذى تبلغ مساحته نحو 570 مترا مربعاً, فوق هضبة ارتفاعها قرابة 1250 متر حذو آثار الحصن البيزنطي الذي يمثل مرحلة من مراحل تاريخ كسرى الذي يعود إلى العهود البونية. وهو ينهض على مصطبة توفر للزائر مشهدا يمتد على مدى البصر يشمل القرية والسهول الخضراء الممتدة أمامه.

ويحتوي المتحف على نحو مئتي قطعة أثرية تعود للعهد الروماني وأواني طينية وخزفية لخزن الأغذية والسوائل التي كانت تستعمل قديما في المطبخ التقليدي وأدوات الغزل والنسيج ونماذج من المنتجات الصوفية واللباس التقليدي الخاص بمناسبات الزواج وأدوات التجميل وبعض الحلي, كما يضم المتحف حاجيات الرضيع ولباس الأطفال ولوازم الختان وطقوس دفن الميت . و يمثل متحف كسرى فضاء للتنشيط والتنمية الثقافية وللخدمات والمبادلات بين أهل القرية وزواره ; فهو فضاء للعرض والبيع وتقديم المحاضرات .

كسرى … الطبيعة خلابة

صورةc

كسرى بلاد الطّبيعة الّتي تسحرك من أوّل وهلة بهوائها الجبليّ العبق والحلّة الخضراء الّتي تكسو البلاد أينما اتّجهت عيناك حيث بساتين التّين وأشجار الزّيتون والصّنوبر والإكليل وكذلك العيون المنبثقة في كلّ مكان “وأشهرها عين “سلطان” و”عين ميزاب” و”عين مكلاو” و”عين جريو . إضافة إلى الجبال العالية الّتي تنبع من سفحها العيون والقطع الحجريّة العملاقة المتناثرة في كلّ مكان .

الزيتون في كسرى

صورةd

للزّيتون في كسرى قصّة حبّ ضاربة في عمق التّاريخ منذ آلاف السّنين، ترويها غابة الزّيتون المترامية الأطراف، وهي جزء من ثقافة “الكسا ورية ” وتقاليدهم منذ القدم. والمعروف عن الزّيت الكسراويّ أنّه من أجود أنواع الزّيت، وذلك يرجع إلى المناخ والطّبيعة الجغرافيّة الّتي تتميّز بها كسرى وقد تحصّلت مؤسّسة “كسرى” لإنتاج زيت الزّيتون المعلّب ومقرّها في المنصورة، إحدى جهات كسرى، على الجائزة الثّانية لأحسن منتج لزيت الزّيتون المعلّب سنة 2009، كما تحصّلت سنة 2007 على جائزة أحسن جودة وجماليّة تغليف أسندها إليها المركز الفنّيّ للتّغليف بتونس .

” الكسا ورية ” والتين

صورةe

لا يمكن أن تذكر كسرى دون أن تتحدّث عن التّين أي كما يطلق عليه في تونس “الكرموس”. ويعتبر التّين (الكرموس) من أهمّ الموارد المحليّة حيث تمتدّ بساتين التّين على امتداد الكيلومترين

وتسقى بالأساس من مياه العيون الجارية. يبدأ موسم التّين في أواخر شهر جويلية وينتهي في أواخر شهر سبتمر ويحتفي الأهالي احتفاء بالغا بموسم جني التّين حيت يقام “مهرجان الكرموس”. ويرتبط هذا الموسم أيضا بالأعراس والاحتفالات العائليّة. “الزيدي” هو أهمّ أنواع التّين الّذي يتمّ إنتاجه في كسرى وهو من أجود أنواع التّين في البلاد التونسية .

وقد انطلقت هذه السنة فعاليات الدورة 27 لمهرجان التين بكسرى يوم الجمعة 25 اوت 2017 وتتواصل الى غاية 03 سبتمبر 2017 المقبل وتتنوع عروض الدورة بين العروض الفنية والموسيقية ، بدعم واشراف المندوبية الجهوية للثقافة بولاية سليانة ومساهمة ولاية سليانة بلدية الجهة , جمعية “كلنا تونس”, و “جمعية مهرجان التين بكسرى ” .

وكان افتتاح المهرجان هذه السنة بمسرحية ” ملا عيلة ” وهو عمل مسرحي بمشاركة نعيمة الجاني وفيصل الحضيري وبسام الحمراوي و أميمة بن حفصيه عن نص و اخراج للمسرحي الصادق حلواس .تلها موعد مع الفنانة وردة الغضباني التي كانت حاضرة على مسرح المهرجان يوم السبت 26 أوت الجاري.

كما سيكون الجمهور على موعد مع الفنان سفيان سفطه يوم 28 أوت، يليه اللقاء في سهرة اليوم الموالي بالفنان الشعبي هشام سلام، إضافة إلى عرض ترفيهي للأطفال يؤثثه “عمي رضوان” وسيكون الموعد في سهرة الاختتام مع الفنان عبد الرحمان الشيخاوي.

جو و تفرهيدة و عالم اخر في كسرى الجميلة .. زورها ولن تندموا

صورةe

لا تعليقات

اترك رد