أين تموت العصافير ؟


 

لا تلقى حياة العصافير إهتمام الناس كما تلقاه حياة النحل مثلاً فقد تعودوا أن يبحثوا عما يدر عليهم عسلاً أو حليباً أو نفطاً أما العصافير فلا نفع بها . لكن ما دفعني للإهتمام بحياتها هو ضجيج هذه المخلوقات الصغيره ، الجميله و المثابره فقد كانت تشاكسني في الصباحات البغدادية الصيفية فتوقضني قبل موعدي اليومي بالقدر الذي يكفي للإتكاء على سياج السطح و تدخين سيجارة و التأمل في عالمها الفريد ويحرمني من أجمل دقائق النوم على سطح الدار : آخر الليل و أول الصباح .

و كانت لي ثلاث من أشجار النارنج إهتزت و ربت أيام الخير الكثير و الماء الوفير ، أيام كنا أهلاً لرضى الله ، فيمُنّ علينا بمزنة هنا و زخة هناك ، واستطالت ألأشجار حتى عانقت أسلاك الكهرباء فصارت مرتعاً لأسراب العصافير تستوطنها بلا بدل إيجار شهري ولا سرقفليه ( خلو رجل ) . وكنت اُتابع أعداداً منها عند عودتي من العمل بُعيد الظهر وهي تتقافز قرب خرطوم الماء الذي يسقي حديقة المنزل ، تدس مناقيرها بين ثنايا الثيل لترشف بعض الماء ثم ترفع رؤوسها الصغيره إلى السماء متمتمة بزقزقات الشكر فأنثر فوقها حبيبات الرز الجافه لتتلقفها فرحة و تفر لا أدري إلى أين . وكنت أرقبها وهي تجمع أصابع القش لتبني أعشاشاً لها أو تطعم صغارها بديدان الحديقه لكني كنت أجهل تفاصيل حياة هذا النوع من الطيور ،

و ما إذا كان لها نظام إجتماعي كالذي نعرفه لدى بقية الحيوانات و الطيور أو حتى لدى الإنسان ، فبت أقضي فترة تأملي الصباحيه وأنا أرسم أدواراً ومهناً لبعضها … وهي تبني عشاً لعصفورين مقابل تمرة زهدي ، وعشاً لعصفورين وكتكوت مقابل تمرة و نصف ، فيما كان البعض ألآخر يتقاضى حفنة من الدخن مقابل الحراسة و ألإنذار المبكر من هجمات قطط الشوارع التي كانت كما اللصوص و قطاع الطرق و المجاميع المسلحة تتخذ من الليل ستاراً لترويع العصافير الآمنه و إرهابها .

إلا أنه لم يخطر لي أبداً أن عصفورا واحداً سيقبل بكيس كبير من الرز العنبر يكفيه و يكفي أولاده و أحفاده من بعده مقابل وشايته بأقرانه لقطط الليل كأي مخبر سري . وذات ليلة كئيبة لم أذق فيها طعم النوم وكنت قد فقدت عزيزاً لا ذنب له في حقبة القتل على الهوية كما نفقد كل يوم لا أراكم الله مكروهاً ، أعزاء لا ذنب لهم ، راودني سؤال لم يخطر ببالي من قبل : أين تموت العصافير وأين تدفن موتاها ؟ لقد رأيت أزواجا منها تتغازل على أسلاك الكهرباء ورأيت كتاكيت تنقر جدران بيضها لتخرج إلى الحياة لكني لم أرها تموت . أتراها تطلب اللجوء أو الهجرة بعيداً عن موطنها عندما تحس باقتراب الموت ؟

ولماذا لم أشاهد عصفوراً ميتاً كل تلك السنين إلا ما كان يقتنصه صبية غوغاء يصنعون مصائدهم من مطاط الأطارات القديمه فيصطادونها ثم يفصلون رؤوسها بأصابعهم ويتركوها ترفس حتى الموت بعد أن يلطخوا أيديهم بالدماء؟ لقد قضيت تلك الليله متكئا على سياج السطح بانتظار الصباح فأسأل أول عصفور أصادفه : أين تموت العصافير . و عندما بزغ الفجر وحان وقت النهوض دوّى إنفجار عنيف قرب بيتي فأرعب العصافير ففرت قبل أن تجيب على السؤال : أين تموت العصافير ؟

شارك
المقال السابقحياء المرأة في المجتمع العربي
المقال التالىكسرى سحر لا يقاوم

عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية

....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد