لذة الحسين

 

ما بين التناقضات هناك حقائق وانفاق، وما بين أشرس العداوات والصراعات محبة والتقاء، فكرة قد تبدو من الوهلة الاولى عبثية، لكن المؤكد بان هذا التفسير لا ينال من قيمة هذه الفكرة، خاصة وان العبث واقع الانسان الشرق اوسطي والعراقي تحديداً.

حسناً، على ما يبدو بان هذه المقدمة دليلاً ضعيف؛ لاثبات العلاقة بين الداعش السني، والميليشيات الشيعية، بكل تأكيد بان التشابه والعلاقة التي نريد الحديث عنها، ليست تلك التي يقصدها الاسلاميين السنة، او الكتاب السعوديين عند حديثهم عن داعش!

لااعلم ان كان هناك من القراء سبق واطلع على مقالنا الذي سبق وتم نشره على الصدى بعنوان “نشوة التكبير” (اقرأ المقالة) فالتشابه الحاصل بالطرح وحتى في بعض الاستنتاجات بين كل من المقالين، لايعني بالضرورة بان الكاتب يسعى الى عرض نوع من الموازنة عند نقد الطرفين حتى يثبت بأنه غير طائفي، لانه على ايمان بأن الاخذ بمثل هكذا اعتبار يساهم باستمرار الطائفية لا القضاء عليها.
قبل ان نتحدث عن ذلك التشابه لابد من توضيح نقطة او مغالطة يقوم بها الكثير، تتمثل المغالطة بحصر الافكار والسلوكيات بالجماعة فقط، حيث ان السلوكيات والافكار اشياء لاتحصر بكيان تنظيمي، اذ هناك من يؤمن بها لكن ليس منضم الى هذا الكيان او ذاك.
ان اوجه التشابه بين سلوكيات الطرفين، التي نريد الحديث عنها، يمكن ان يلتمسها اي فرد عند متابعة هذه السلوكيات والتمعن بها، حيث سوف يجد لافرق بين نشوة الداعشي عندما يقوم بقطع رأس احد الشيعة وهو يهتف بنشوة تكبير، عن لذة الميليشياوي الشيعي عندما يقوم بحرق احد السنة وسط هتافات يا حسين.

في اطار السلوكيات لاتكاد تختلف النشوة واللذة عند احدهما الاخر عندما يقوم بالسلوكيات الساذجة، كقيام الميليشاوي برفع راية طائفية في منطقة سنية او الكتابة على الجدران وهو مبتهج للغاية، معتبراً ذلك انجاز عظيم، عن ذلك الداعشي الذي يقوم بسلوكيات مشابه لها او مختلفة قليلا،ً كالقيام بهدم قبر او منزل شيعي واطلاق تهديدات فارغة.

الاشتراك بالسطحية الفكرية، الداعشي يعتاش على مخدرات تعويض النقص، لهذا يهتم جدا باهمية المظهر كالحرص على التمييز الذاتي للجماعة والعقيدة من خلال ارتداء زي الافغاني والاستماع الى الاناشيد الحماسية والحديث بالفصحى والثرثرة عن الاخوة العابرة بين المهاجرين والانصار…الخ ، وهذه السطحية لاتختلف عند الميليشاوي ايضا عندما يقوم بالاستماع الى “لطميات طائفية” او الحرص على ارتداء ملابس تميزه الى القيام بسلوكيات قد تكون مؤذية في الزيارات والطقوس الدينية او حتى تكون غير لائقة ومبتذلة عند الاستقبال والخدمة في المراسيم الدينية.

التناقض الداخلي يكاد يكون وجهان لواقع واحد، فلاعجب ان تعلم بان فرسان الطائفية من الدمى التي يستعرضها لنا الاعلام الطائفي من عناصر في الميليشيات وهم يثرثرون عن حماية المذهب والدفاع عن المقدسات هم في الحقيقة افراد غير ملتزمين دينياً، بل منهم من نشرت عنه صور غير اخلاقية، في داعش يوجد الامر ذاته، فقد تجد الكثير منهم غير ملتزمين، لكن لايكفون عن الثرثرة بالدفاع عن الدين والعقيدة.
وفي الصعيد ذاته من حيث السذاجة والانحدار العقلي، وان كان الفارق متفاوت قليلاً، فالداعشي مؤمن بفكرة سخيفة بان يتم القضاء على الشيعة من وجود وهذا امر غير واقعي، والاسخف فكرة الميليشياوي بابادة السنة من الوجود وهو مجرد اقلية من هذا الدين عامة.
وكذلك في الاطار الداخلي للفرد، عقلية التدجين لدى الطرفين تكاد تكون متطابقة، اذ الداعشي ممتلئ بقوالب جاهزة عبارة عن خطب واناشيد حماسية وصور من مأسي الانتهاكات ومواقف مسبقة، لهذا تكون خاصية التفكير لديه غائبة، كل ما لديه عن السؤال عبارة عن اجوبة جاهزة قال “الشرعي” وامر “الحجي”
الميليشاوي كذلك، لاتجد لديه تفسير لاي سلوك يقوم به او حتى الدفاع عنه بمنطقية، عندما تطلب منه التوضيح حيث سرعان ما يقوم بالرد بأن المرجع امر والسيد ارسل الفتوى!
واذا اردنا العودة حول التشابه بين السلوكيات فهي كثيرة، كالشراسة لدى الطرفين والتناقضات وعشق الفوضى الى خلفية وتاريخ الشخصي كل من الطرفين ومستوى التعليم والحالة النفسية …الخ
هنا قد يخرج لنا احد الاصدقاء العلمانيين يقول واخيراً قد فهمتم ما نقصد، فالدين هو سبب كل هذا، لافرق بين هذا الدين وذلك الدين، او الطائفة هذه او تلك، والدليل بان هذه السلوكيات شبه متطابقة.

استنتاج قد يبدو للوهلة الاولى مقبول، بل قد يقودك للالحاد خاصة اذا عايشت تحت هؤلاء وهم يقومون بهذه الجرائم، لكن عند التعمن اكثر نكتشف بان التدين-لا الدين- هو عامل من جملة عوامل ساهمت بهذه السلوكيات.

وهذا ما سبق تم توضيحه في المقال السابق الذي اشرنا عليه في تفسير اسباب نشوة التكبير، بعبارة ان العوامل المسببة تؤدي الى النتيجة ذاتها، بدقة ان الاسباب والعوامل وراء لذة الحسين لاتختلف عن الاسباب وراء نشوة التكبير.

فما استعرضنا من اسباب نشوة التكبير على شكل اضلاع مثلث من طبيعة الانظمة الحاكمة وعزلة المضطهد وفوبيا فقدان الهوية… الخ قد نجد هذه الاسباب ذاتها عند محاولة تفسير لذة الحسين، بالاضافة الى اسباب اخرى كثيرة متفرعة، لتظهر لنا بشكل مربع او دائري حتى عند جمع هذه الاسباب .

ولهذا ان البحث وراء اسباب الوحشية والدموية الحاصلة عند الطرفين تستلزم منا المراجعة والبحث دقيق، فالمراجعة والحملات الجارية عاجزة عن معالجة، فضلاً عن كونها محكومة بدوافع طائفية وازدواجية، بل منها ما اصبح عبارة عن تجارة يجني منها البعض الارباح تحت مسميات محاربة التطرف.
وهذا ما يحكم وحكم عليها بالفشل، فالتطرف الحاصل هو جزء من ثقافة وتاريخ من قسوة في شخصية الفرد بالاضافة الى تراكم سياسيات وحكومات مستبدة، اي ان القضية اعمق من خطورة خطاب ديني فقط، خاصة وان مستويات الجهل والخرافة والمشاعر الطائفية، بالاضافة الى عوامل اخرى تساهم في خطورة هذه القضية وتأثيرها.
فاذا لم نسارع بمعالجة اضلاع مثلث النشوة او مربع اللذة، فان العواقب وخيمة، اذ مواجهة دموية داعش بالمطاردة والنفي ماهي الا حلول مؤقتة، اما عن عدم المواجهة اصلاً لدموية الميليشيات خطر لايقل عن خطورة الاول، خاصة وانفجار هذه الدموية بدأ يلوح في البصرة وبغداد.

لا تعليقات

اترك رد