عودة العنصرية في الولايات المتحدة !!


 

The Return of Racism ? Race and Inequality After Charlottsville
By : Fredrick C. Harris and Robert C. Lieberman
Foreign Affairs – August 21 , 2017

 

يبدو العنوان مثيراً ولكنه ليس من اختياري بل هو عنوان المقالة التي اقدمها والتي نشرتها محلة فورين افيرز الامريكية في الحادي والعشرين من هذا الشهر . شخصياً اكنّ مودة خاصة للمجتمع الامريكي وتقاليد حياته ، وتربطني صداقات خاصة مع عدد من الأمريكيين ؛ اعتقد انه اكثر شعوب العالم حيوية وقدرة على التعاطي مع الحياة رغم العيوب التي تعيش في قلب صناعة القرار السياسي في البلاد وتنامي الكثير من الظواهر في السنوات الاخيرة والتي لاتتوائم مع تاريخ هذا الشعب العظيم على قصره .

وددت ان اجعل من هذا المقال مناسبة للحديث في قضية مهمة وهي تشكل نوعاً من التباس تعرض الكثير من الناس بما فيهم مثقفينا . الحديث في هذا الموضوع هو الاكثر تعقيداً في ميادين العلوم الاجتماعية ويسمى عموماً بفلسفة التاريخ ويدور حصراً حول قضية أساسية تتلخص في سؤال واحد : من ينتج من ؟ الفكرة والواقع المُعاش ، هل الواقع ومعطياته نتاج أفكار ام ان الافكار هي نتاج الواقع وقواه المادية المحركة ؟! هذا سؤال توقف عنده العلماء والمفكرون على مدى التاريخ ، وتتجه العلوم الاجتماعية المعاصرة الى تبني الفرضية الاخيرة .

ان قيم التنوير الغربية ، كما تعلمنا من علماء درسوا تاريخ المجتمعات الغربية ، ليست نتاج دراسات أكاديمية او مؤتمرات علمية او ثمرة نقاش عام ، كما انها ليست من انتاج الفلاسفة والمفكرين الذين غالباً ما ترتبط باسمائهم مثل ڤولتير وروسو ومونتسكيو وآدم سميث وجون ستيوارت مل … حتى اخر القائمة . هؤلاء قرأوا ببصيرة مفتوحة ماكان قد بدأ يتشكل من ملامح الحياة في اوروپا الغربية بشكل خاص بعد قرون من الحروب الدينية والعقائدية التي اكلت الأخضر واليابس ، ودمرت بلداناً باكملها حتى توقفت جراء عدم بقاء ماكان قابلاً للتدمير ؛ لم يعد في طاقة الشعوب انذاك ان تقدم للحاكمين مايمكن ان يديم حملاتهم العسكرية . كانت حرب الثلاثين سنة ، التي جرت في النصف الاول من القرن السابع عشر ، هي اشهر هذه الحروب وآخر الحروب الطويلة والتي توقفت عند ماصار يعرف بمؤتمر وستڤاليا الذي يُنسب له تأسيس نظام الدولة القومية الحديث ، كما هو شائع بين المؤرخين وان كان يفتقر للدقة الكاملة ، لكنه يعكس الخط التاريخي العام الذي نحت بحذوه الاحداث .

خلاصة ما اثمرته وستفاليا هي قضية بسيطة ولكنها في غاية الأهمية . لقد تم إقرار الوضع القائم الذي استقر بعد سنوات الحرب وبموجب ماترتب عنها من نتائج . الدين الرسمي للإمارة او المملكة او المقاطعة هو دين سيدها ، وهذا يعني ضمناً ان هنالك امكانية لعيش الناس الذين يدينون ويمارسون طقوس ديانة مختلفة عن دين الامير ان يعيشوا في كنفه ، لكن ديانة الولاية الرسمية هي ديانة الامير ؛ كان ذلك هو الحل الوحيد بعد ان تم العجز عن مواصلة الحروب وبالتالي لم يكن ممكناً اجتثاث الديانات المخالفة لدين الامير فأصبح هذا الحل الوسط هو نقطة الصفر الذي التقت عنده ضرورات العيش خصوصاً وانه قد ثبت للاطراف المتحاربة ان مواصلة الحرب ، سواء لاسباب عقائدية كما هو معلن او لاسباب تتعلق بالثروة والأرض والنفوذ ، لن تقود الاّ الى مزيد من الخسائر للجميع ، وان الحكمة تكمن في الحفاظ على ماتبقى في اليد .

هذا الامر الواقع تحول بمرور الزمن الى تقاليد أخذت بمرور الوقت قوة العُرف الذي له قوة القانون ، والاهم انها اصبحت تمثل قيماً اخلاقية ومكونات عقائدية لإدارة الحياة العامة ستأخذ بعد ذلك اسماء شتى على يد الكتاب والمفكرين مثل العلمانية وفصل الدين عن الدولة ، كما تم ابتكار تاريخ قديم ، نصفه أسطورة ونصفه حقيقة مُغْبٓشّة ولكنه يعكس بحد ذاته فكرة عنصرية كما يقول المؤرخ النقدي الپروفيسور مارتن بارنيل . هذا التاريخ المصنّع يدور حول اكتشاف الديمقراطية ، فقالوا ان من ابتكرها هم اليونانيون رغم ان التاريخ النقدي المعاصر يؤكد ان ولادة فكرة حكم الشعب او المجالس التمثيلية قد ولدت مع بزوغ فجر الحضارات في المشرق باعتبارها الميل الفطري المبكر في حياة المجتمعات البشرية . حصل ذلك حوالى منتصف القرن الثامن عشر وهي الفترة التي شهدت تكريس قيم التعايش والتسامح بالظهور على شكل فلسفات ارتبطت بإسماء اللامعين من مفكري ذلك العصر الذين ذكرنا بعضهم آنفاً ، اي بعد اكثر من قرن على نهاية الحروب الدينية واستتباب الامر وفق مبدأ تعايش أديان وعقائد مختلفة في ظل أمير او ملك واحد .

الواقع ومتطلباته ومايترتب عنها من مصالح وتوافقات حولها هو الذي أنتج نمط الحياة الذي أنجب سُلَّم قيم جديد ، وقامت النخبة باستقراء الموقف واستشرفت منه لما هو ابعد فأضافت بذلك عامل حثٍّ مضاف لتعزيز هذه القيم ودفعها لما هو ابعد لتصبح دساتير مقدسة ومعياراً لصلاح الحكم ومعايير العمل في الشأن العام .

هذه القيم صناعة واقع ومن ثماره ، وكرستها ممارسة حتّمتها مصالح تلاقت عندها ، لكنها ليست بالضرورة قيم ومبادئ خالدة تكتسب قوتها من ذاتها ، وليست انتاج جنس مميز من البشر او نخبه ، كما انها ليست ثمرة امكانية فكرية أتاحتها عقيدة دينية معينة رغم القدسية التي اكتسبتها . نقطة التقاء المصالح التي أنتجت هذه القيم في لحظات تاريخية معينة ليست خالدة بالضرورة ايضاً ، والمصالح التي تراجعت نتيجة سيادة هذه المبادئ لم تمت نهائياً بل توارت عن الأنظار حتى عادت تطل برأسها تحت عناوين واثواب جديدة في صراع من نوع جديد حول الشرعيات السياسية والاجتماعية ومعاييرها تحت لافتات جديدة .

في الولايات المتحدة الامريكية جرت احداث معينة رافقت نشأتها كدولة اتحادية . تنوعت أنماط واساليب حياة كل ولاية تبعاً لظروف مكونات امة من المهاجرين جلبوا معهم خبرات اوطانهم ومنها الولايات الجنوبية السبع التي شكلت فيها زراعة القطن مصدر ثروتها وشكلت القوة العاملة الرئيسية فيها حشود الرقيق الافارقة ، وقد سادت في هذه الولايات أنماط من الثقافة ومنظومات القيم الاخلاقية والدينية التي تكرس هذا الواقع . كان من بين هؤلاء المهاجرين عند مرحلة التاسيس مفكرون آمنوا بقيم التنوير التي انتشرت في اوروپا وشكلت في ذات الوقت قيم أساسية في الثقافة الامريكية الناشئة ، لكنها تكيفت مع الوقائع الاجتماعية – الاقتصادية وعلى اساسها تم اعتبار العبيد ( غالبيتهم الساحقة من الافارقة السود بشكل خاص ) فئة متدنية من البشر وان قيم التنوير والديمقراطية هي حق مقدس للبشر كاملي الانسانية وتحديداً البشر من ابناء العرق الاوروپي الأبيض ، ولذلك فمن غير المستغرب ان نرى مدافعاً شرساً صادقاً عن حقوق الانسان وقيم الدستور الامريكي مثل توماس جيفرسون هو ذاته من مالكي العبيد ، وكان يعامل احدى إناث عبيده باعتبارها ” ملك يمينه ” ، فتسرّى بها وكان له منها اخلافاً ، عاش ومات احدهم عبداً .

حتى قامت الحرب الأهلية الامريكية عام ١٨٦١ ورأى الرئيس الامريكي ابراهام لنكولن ان احدى ركائز صراعه مع قوى الولايات الجنوبية تكمن في حرمانها من الركيزة الاولى لاقتصادها فاصدر اعلان تحرير العبيد بعد حوالى سنة من بدء الحرب ، رغم انه قطع وعداً في خطاب تولي الرئاسة في اذار / مارس من ذلك العام بانه ” ليس لديه اي هدف سواء مباشر او غير مباشر للتدخل في مؤسسة الرّق أينما كان في الولايات المتحدة ” ، كما تم تبني التعديل الثالث عشر للدستور الذي ألغى الرق في الولايات المتحدة ” باستثناء اذا ماكان عقوبة تفرض وفق القانون ” عام ١٨٦٥ .

لكن هذا التطور في الوضع القانوني للعبيد في العالم الغربي الرأسمالي ، ومنظومة القيم الاخلاقية التي تكرست معه بشكل عام ، لم يكن ممكناً لولا دخول الماكينات البخارية التي جعلت الاستثمار في حشود العبيد في هذا القطاع الاقتصادي غير مجد من الناحية الاقتصادية ، وهذا التطور جاء اثناء الحرب الأهلية الامريكية مما عطل انتاج القطن فاستثمرت بريطانيا في هذا الوضع وتم ادخال المكننة البخارية على نطاق واسع في حقول انتاج القطن في الهند المُستعمَرة ، فزاد الانتاج بشكل كبير وبكلفة اقل من كلفة عمال الحقول من البشر ، الامر الذي شكل تحولاً نوعياً في أنماط الانتاج وعلاقاته في هذا القطاع الاقتصادي الحيوي كما تم بناء سياسات وحملات دبلوماسية مغلفة بالمبادئ الانسانية بشأنه ، كما حفز منتجي القطن الأمريكيين للاستغناء عن حشود العبيد ومشكلاتهم البشرية لصالح المكننة ، لكن للقصة بقية فصول إضافية مع الرأسمالية الامريكية الناشئة انذاك .

حصل كل ذلك والولايات المتحدة كانت ماتزال راسمالية ناشئة . كانت هذه الرأسمالية الشابة مدعوة لملأ فراغات عديدة في الداخل وفي المحيط وفي العالم . ضمت اليها ولايات جديدة واحتكرت الهيمنة في القارة باكملها عبر مبدأ مونرو الذي أعلن ان امريكا للأمريكيين وشاركت في حروب خارجية استعمارية عديدة من اجل تعميم سياسة الباب المفتوح مثل حرب الأفيون في الصين والحروب ضد اسپانيا حول المستعمرات باسم الحرية والحقوق الانسانية في اغلب الاحيان ، وحملات عسكرية او دفع جزية في بلدان المغرب العربي لمكافحة القرصنة وتأمين خطوط تجارتها مع العالم الشرقي والإسلامي ، وحتى يأخذ اقتصادها كامل مداه ويستنفر أقصى قدراته لتحقيق اعلى الأرباح فقد كان بحاجة للأيدي العاملة الرخيصة ؛ فتحت أبواب الهجرة ، وأعيد انتاج العبودية تحت ثوب جديد من خلال تعميم وتأسيس فلسفة التمييز العنصري ، وأطلقت يد الولايات في ذلك فأصدرت أشكال متنوعة من التشريعات التي كرست التمييز على اساس اللون والاصل العرقي بشكل قانوني ممنهج . عاش الافارقة الامريكيون وبقية الأقليات العرقية في معازل سكنية خاصة ومن أشهرها حي هارلم في نيويورك ، وانطلقت أشكال غريبة من التنظيمات التي تبنت العنف لتكريس هذا التمييز مثل منظمة كوكلاس كلان وغيرها ، كما حرمت انواع من الاعمال والوظائف ومايترتب عنها من امتيازات على السود ووصل الامر الى تخصيص أماكن خاصة لجلوسهم في وسائط النقل العام . شمل ذلك الفصل العنصري كل مناحي الحياة بما في ذلك التعليم .

في ذات الوقت فقد كانت تنمو في داخل المجتمع الأسود حركة الحقوق بعد ان اتسعت قاعد المتعلمين وحققت شرائح سوداء قصص نجاح ملفتة على كافة المستويات رغم كل العوائق . ظهر من بين صفوف هذه الشريحة الاجتماعية أطباء ومحامون ورجال اعمال وفنانون ومثقفون وتبلورت الشخصية الانسانية للأمريكي الاسود لتعبر عن نفسها في حركات حقوقية متنوعة ، منها من انتهج العنف ليرد على العنف الأبيض الذي كانت تواجه به هذه النجاحات ، ومنها من تبنى المقاومة السلمية مثل حركة الحقوق المدنية للسود التي أسسها وقادها القس الاسود مارتن لوثر كنغ . بدأت حركة حقوق السود تأخذ شكل مسيرات حاشدة منذ عام ١٩٥٥ وقد فجرها حادث اعتقال سيدة سوداء اسمها روزا باركس اثر رفضها اخلاء مكانها في پاص عمومي لرجل ابيض ، واستمرت هذه المسيرات الحاشدة لمدة عشرة سنوات ، وكانت لشخصية كنغ الكاريزمية وبلاغته دوراً مهماً في إيصال الحركة الى أهدافها في إلغاء كافة أشكال التمييز العنصري بموجب القانون عام ١٩٦٤ ، فيما كانت المنظومة القانونية حتى ذلك الحين تضمن للبيض من أصول اوروپية مميزات في التعليم والهجرة وحقوق التصويت والمواطنة وحيازة الاراضي والاجراءات الجنائية . لم تعد هنالك امكانية لتجاوز مطالب السود الانسانية العدلة وكان لابد من حكمة خاصة تتجاوز الانقسام الذي شطر المجتمع الامريكي وهدد بشكل جدي السلم الداخلي ؛ في عام ١٩٦٤ .

هذا المشهد الأخير وفرت امكاناته موجة استثنائية من الرخاء بعد ان خرجت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية وهي تستحوذ على نصف الانتاج الصناعي العالمي تقريباً فضلاً عن كونها الدائن الأكبر لمعظم العالم ، من رابحي الحرب وخاسريها الذين دمرتهم تلك الحرب واستهلكت كل مواردهم . لكن ذلك لم يدم الى الأبد ، فقد لوحظ تزايد تكاليف السياسة الخارجية الامريكية رغم انتهاء الحرب الباردة ، ثم جاءت الحروب على الاٍرهاب وكانت غزوات أفغانستان والعراق وحوالي سبعة تريليونات دولار إهدرت فيهما ، ثم الأزمة المالية التي تنسب الى تكاليف هذه الحروب ، وخلال كل ذلك كانت تنمو واحدة من اخطر مشكلات العصر اللبرالي : اللامساواة ، وهي ظاهرة متعددة الوجوه ، دولية ومحلية وتعني في ابسط تفسير لها وفرةٌ في الموارد وسوء في توزيعها . ان العالم يزداد ثراءاً ، ولكن دوائر الفاقة تتسع ، وماكان يتمتع به ابناء الطبقة المتوسطة الامريكية البيضاء من رفاه في الستينات والسبعينات لم يعد متاحاً لنظرائهم اليوم ، والتفسير الشعبوي الشائع هو ان فائض الموارد يستحوذ عليه المهاجرون والشرائح الملونة التي ارتقت بفعل إلغاء قوانين التمييز العنصري ، والخبر السيء هنا هو ان رئيساً للولايات المتحدة شق طريقه الى البيت الأبيض راكباً هذه الموجة ؛ وفي الصورة العامة تبدو قيم التنوير والليبرالية في تراجع مخليةً مكانها للقيم القديمة . في الخلفية تبدو الاقنعة والصلبان واضحة تذكر ببعض ايام العصور الوسطى . رب من قائل ان الديمقراطية الامريكية قابلة للتكيف واحتواء هذه الظواهر ، لكن هذا ليس راي مبشر كبير بالنصر الأبدي للبرالية الامريكية مثل فرانسيس فوكوياما كما يطرحه في كتابه :

Political Order and Political Decay : From the French Revolution to the Present , 2015

يعتقد فوكوياما ان مفاصل النظام اللبرالي الامريكي قد تيبَّست بفعل إفرازاته ذاته ، وانه كنظام يعيش حالة تعفن .

نحن اذن ازاء مشهد تاريخي واضح المعالم ؛ لقد فرضت تطورات اجتماعية – اقتصادية واقعاً جديداً وتم توظيف مايناسبها من الثقافة والفكر ومنظومات القيم الاخلاقية والحقوقية ، لكنها لم تنتج نوعاً جديداً من البشر ، لان هذا الأخير هو ذاته كما وجد منذ آدم او منذ ان تطورت الأميبيا الاحادية الى اول البشر على الارض ، تحركه نوازع المصالح كما تتبدى في إطار المنظومة الاجتماعية التي يعيش في ظلها وتتبلور قناعاته الاخلاقية وفق متطلبات العيش لتحقيق هذه المصالح ، وتترجم هذه المصالح في منظومات فكرية واخلاقية نسميها ايديولوجيات او أديان او مبادئ ، وتشكل عادة عناوين بارزة لمراحل محددة في تاريخ اي مجتمع وتكتسب قدسية خاصة بسبب التكريس اليومي من خلال منظومات التعليم ووسائل الاتصال العام ؛ ان تبدلها بعد سقوط قدسيتها مرهون بتغير نمط العيش الاجتماعي – الاقتصادي ؛ ياخذ ذلك بعض الوقت ، ولذلك نلاحظ مثلاً ان فلسفات التنوير الاوروپي لم تبدأ في الظهور بشكل منظم الا بعد حوالى قرن من انتهاء الحروب الدينية . عاش مفكروا التنوير العظام مثل ڤولتير ومونتسكيو وروسو ونشروا مؤلفاتهم في القرن الثامن عشر ولم يكونوا من جنود الحروب الدينية او من المبشرين بما أثمرت عنه من أنماط العيش الاجتماعي ، ولم تكن مؤلفاتهم للعموم ، لأن هذا العموم كان مايزال يعيش في ظل سيادة الجهل والامية ، لكن مؤلفاتهم الموجهة للنخبة كرست قدسية فضائل التعايش رغم اختلاف الأديان والعقائد بناءاً على المصالح التي لمسها الناس بعد انتهاء حروب الدين ، كما اجتهدوا في طرح مشاريع لتأطير هذا العيش في منظومات قانونية ودستورية مثلما فعل مونتسكيو في ” روح القوانين – ١٧٤٨ ” وجان جاك روسو في ” العقد الاجتماعي – ١٧٦٢ ” ؛ ان هؤلاء المفكرين لم ينتجوا قيماً ، بل كرسوا وآغنوا وفصّلوا فيما بدأ ينمو جراء الواقع الجديد وذهبوا الى آفاق أوسع في إطاره ، اما العنف الكامن في روح الانسان وتكوينه فقد تم تصديره لضمان موارد المواد الأولية والأسواق تحت أيدولوجيات شتى من بينها ” رسالة الرجل الأبيض ” التي أبيدت باسمها شعوب باكملها .

تظل اذن منظومات القيم الاجتماعية رهينة بتطور الواقع الاجتماعي – الاقتصادي كما يفصل كاتبا المقال الذي نقدمه ؛ هنالك قيم متنحّية واُخرى سائدة ، وقد يختلف الترتيب بين ماهو متنحٍ وما هو سائدٍ وفق مراحل تطور البيئة المحيطة . قيم التنوير ليست انتاج فكر عبقري لجنس معين من البشر ، بل هي ترجمة لمتطلبات مرحلة من مراحل تطور المجتمعات البشرية ، ولكن تبقى تجارب المجتمعات دروساً تتداولها الانسانية . هذا هو الدرس الذي تقدمه لنا احداث العنف العنصري الاخيرة في مدينة تشارلزڤيل الامريكية .

كاتبا المقال أستاذان للعلوم السياسيةفي الولايات المتحدة الامريكية ولهما باع طويل في دراسة ظواهر التمييز العنصري في المجتمع الانريكي وقد أصدرا ومحررا العديد من المصنعات الأكاديمية المرجعية في الموضوع . تقدم مقالتهما هذه عملية تشريح اجتماعي – اقتصادي عميقة لظاهرة عودة التمييز العنصري في المجتمع الامريكي ، لنتابع ماكتبته في هذه المقالة الهامة …

انها خرافة تلك التي بشرتنا بان انتخاب باراك اوباما رئيساً هو بداية عهد مابعد العنصرية حيث لاتشكل عندها قضية لون البشرة عاملاً في تحديد فرصه بالنجاح . قد تكون عقائد البيض الخاصة بالتمييز المعلن وفقاً للون البشرة قد تراجعت بين الأمريكان البيض ، لكن عدم المساواة العنصرية ظلت مختبئة في اليات معينة داخل المؤسسات .ان ماجرى من مشهد في شارلوتزڤيل والتقريض الذي أعرب عنه الرئيس ترامپ حول قضية تفوق الجنس الأبيض جعلتنا نتسائل عما اذا كنّا قد أفرطنا في التفاؤل بشأن توقعاتنا انفة الذكر .

هل تراجعت العنصرية الفظة لتختبئ تحت الارض ثم عاودت الظهور متمثلة بتظاهرات حاملي المشاعل من النازيين الجدد والرئيس الامريكي ؟

لقد فعل ترامپ الكثير لإعطاء هذا الانطباع . ان مؤسساته التجارية ذات سجل حافل بالتمييز العنصري . ان قيام السيد ترامپ بالترويج لخرافة ولادة اوباما خارج الولايات المتحدة قد ساهمت في صعوده السياسي ، كما استهل حملته للرئاسة بالهجوم على المهاجرين المكسيكيين كما قام بالتشكيك في ولاء قاضٍ فدرالي من أصول مكسيكية وهاجم عائلة جندي پاكستانى قتل في حرب العراق . ان جوهر حملته قد استند الى مفاهيم الوطنية الضيقة ونداءات التخويف حول قضايا مثل الهجرة والتجارة ، كما ان رفعه شعار امريكا أولاً يذكر بخطاب التخويف الذي رفعه معارضوا دخول امريكا في الحرب العالمية الثانية . ان احد اول أعماله كرئيس كان فرض حظر على دخول مواطني سبع دول إسلامية ذات غالبية مسلمة وهو اجراء عارضته المحاكم الفدرالية باعتباره تمييزياً ضد المسلمين .

ان الصعود السياسي لترامپ توافق مع صعود علني واضح لموجة العداء العنصري وجسد الكراهية التي تكنها جماعات التفوق الأبيض كما اثبتت احداث شارلوتزڤيل بطرق بشعة . غير ان هنالك عوامل بنيوية لعبت دورها .

لقد بنى ترامپ برنامجه على قضية مظلومية الطبقة العاملة البيضاء . هنالك شعور ينتاب اوساط هذه بانها اقل حظوة من ناحية الامتيازات وانها محاصرة مما يوقد المشاعر العنصرية في أوساطها . هذه الطبقة اعتبرت رئاسة اوباما ترميزاً ليأسها وتهاوي موقفها على المستوى الوطني بل وموتها الاجتماعي ، وان رئاسته قد قلصت فرص السياسات التي اسست ضمناً لصعود الطبقة العاملة البيضاء خلال القرن العشرين مثل تلك التي استثنت عمال الحقول وخدم المنازل من نظام الضمان الاجتماعي ، او تلك التي تضمنت محفزات خاصة بالرهون العقارية وهي سياسات ساعدت على ظهور الضواحي البيضاء الحصرية ومراكمة ثروات يمكن توريثها للابناء . لقد مثل هؤلاء شريحة من الناخبين احست بانها مستهدفة . في استطلاع للراي اجري عام ٢٠١٥ اجاب نصف المُستطلَعين من البيض ان هنالك تمييز عنصري ضد البيض مماثل للتمييز ضد السود ، وارتفعت النسبة الى ٦٠٪‏ في اوساط العمال البيض .

هذا الشعور بالاحباط انعكس على توقعات هؤلاء بشأن المستقبل في استطلاعات اخرى جرت في ذات السنة : ٥٦٪‏ من البيض أعربوا عن الاعتقاد بان أفضل ايام امريكا قد اصبحت خلف الظهور ، كما اظهرت دراسة اخرى ارتفاع نسبة وفيات البيض من ابناء الطبقة العاملة الفقيرة في الإعمار بين ٤٥ – ٥٥ سنة بسبب الانتحار او أمراض من قبيل الادمان على الكحول والمخدرات وامراض السكر والقلب مقارنة بالأعراق الاخرى . واشارت ذات الدراسة الى ارتفاع معدل الوفيات بين البيض الأقل تعليماً بين الفترة ١٩٩٩ – ٢٠١٣ . من الواضح ان الحلم الامريكي ، الخاص بالرفاهية والمساواة في الفرص والديمقراطية ، قد تراجع تحت ضغط تفاوت الدخول وتراجع الطبقة الوسطى وتقلص قيمة الاجور وشيوع عدم الشعور بالامان بين الطبقات العاملة الدنيا .

هذه الظاهرة تحصل في المجتمعات التي تعيش مرحلة سابقة من الاستقرار الاقتصادي : ان الضغوط المالية وتعاظم الشعور بالاستلاب ينتج مشاعر تظلم اجتماعي قد يقود في حده الأقصى الى العنف . لقد وجدت هذه الظاهرة في اوساط الطبقات العاملة السوداء لعدة عقود ولكنها تشهد الان انتشاراً في اوساط الطبقات العاملة البيضاء التي كانت تتمتع بالحماية المؤسسية غير المنظورة في السابق ؛ هذه الحماية لم تعد قائمة في ظل اقتصادات العولمة كما لم تعد تتوفر الامتيازات السابقة مع صعود موجة من الشرائح الجديدة التي كان يُنظر لها على انها ” الاخرين ” . لقد توجه البعض من هؤلاء الغاضبين الى تأييد المرشح بارني ساندرز لكن الكثيرين وجهوا غضبهم نحو من يعتقدون انهم العامل الذي يهدد نمط حياتهم ومكانتهم الاجتماعية من السود والمهاجرين اللاتينيين والمسلمين واخرين .هذا الجو وفر الفرصة للتيارات اليمينية العنصرية للتعبير عن عنصريتهم من خلال التظاهرات المؤيدة لترامپ ومؤخراً في احداث تشارلزڤيل .

لقد كان الخوف من ” الاخر ” هو الرافعة التي شكلت موضوع برنامج ترامپ الانتخابي . لقد وفر هذا البرنامج اعادة استذكار الماضي الامريكي وكان شعاره ” جعل امريكا عظيمة من جديد ” يعيد استذكار الفترة الذهبية التي اتسمت بالرفاهية والانسجام الاجتماعي رغم ان ذلك يمثل بالنسبة للاقليات عصر الاضطهاد وسيادة البيض والحرمان من امتيازات المواطنة الكاملة .

علاوة على هذا العامل فان هنالك محاولات لإفراغ بعض القوانين والتعديلات الدستورية من مضمونها ، ومن ذلك استهداف طريقة تطبيق التعديل الخامس عشر للدستور الامريكي الذي ساوى بين جميع المواطنين في حق التصويت بغض النظر عن اللون او الأصل العرقي . يتم في هذا الصدد استغلال بعض قرارات المحكمة العليا بشكل غير مناسب بهدف فرض قيود على حق السود وبقية الأقليات في التصويت .

كما اخذت بعض الانقسامات الحزبية والسياسية في الولايات المتحدة تاخذ خطوط الانقسام العرقي . لقد كانت القضية العرقية موجودة في كل تاريخ السياسة الامريكية لكن الاحزاب كانت تعمل على تعبئة جميع الأعراق في صفوفها الا ان الستينات شهدت تحولاً حيث اصبح الانقسام بين الحزبين الرئيسيين ياخذ مزيداً من الطابع العرقي . بدأ الامر ياخذ طابعاً جدياً مع قيام مرشح الرئاسة الجمهوري باري غولووتر بمعارضة قانون الحقوق المدنية عام ١٩٦٤ الى اعلان نيكسون مايسمى باستراتيجية الجنوب عام ١٩٦٨ ثم إطلاق رونالد ريغان حملته الانتخابية من فيلادلفيا – مسيسيپي – قرب نصب ثلاثة من ضحايا التمييز العنصري فضلاً عن الاستخدام المشين من قبل جورج بوش عام ١٩٨٨لقضية محكوم اسود استغل اجازة السجن للقيام باعتداءات جرمية .

ان دعوات ترامپ الواضحة الى العداء العنصري ومعاداة المهاجرين ليت تعبيراً بسيطاً عن عنصرية كامنة في المجتمع الامريكي الأبيض ولكنها ثمرة اتجاهات تراكمية على مدى طويل في إطار اخلاقيات السياسة . ان استدعائه لأصوات ابناء الطبقة العاملة البيضاء قد ادى الى حث الشعور بالاستلاب كإثارة الحنين الى مركز ضائع . لقد اثار خطاب ترامپ السياسي وجسد مشاعر منظمات ومواطنين تبنوا مواقف عنصرية ومعادية للسامية ؛ في تشارلزڤيل وفي أماكن اخرى حاولت هذه الجهات الاستفادة من لحظات الشعور بالاستلاب والمهانة لطرحها كقضية عامة .

لقد كانت مشاعر الكراهية في بعض اوساط ألبيض تنمو منذ امد وقد أظهرتها احداث تشارلزڤيل بشكل مأساوي ، لكن هذا الحدث ليس معزولاً عن مظاهر العداء العنصري في طول البلاد وعرضها . ان صراعات افراد الشرطة من البيض مع الافارقة الأمريكان تاخذ طابعاً مميتاً في اغلب الاحيان وقد أججت توترات عنصرية في العديد من الأماكن عبر البلاد . ان الخطاب الذي يعلنه ترامپ وتصرفاته خلال الحملة الانتخابية تقترب بشكل خطير من العنصرية ومعاداة السامية والوطنية الضيقة والتي كانت تعتبر من المحظورات في الحياة السياسية المحترمة .

بعيداً عما حدث في تشارلزڤيل وبعيداً عن سطحية وجهل رجل حصل انه ابح رئيس الولايات المتحدة ، فان العنصرية والتهميش مازالا حيين في الحياة الامريكية ولاينبغي ادّخار اي جهد ولاينبغي صرف الانتباه تجاه مظاهر وتداعيات ماينجم عنها . ينبغي استحضار حقيقة ان الجذور البنيوية والتاريخية لعدم المساواة العرقية عميقة في البلاد . ان المكلوب ليس فقط كشفها وتعزيتها بل العمل على استئصالها من خلال عمليات إصلاح مؤسسية وترميم منظم .

المقال السابقهل بالفعل بدأ ينهار تحالف صالح – الحوثي
المقال التالىأوَّلُ الدَّرْسِ طَلَبُ الْعِلَّةِ
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد