مشكلتنا في التوقف عند التحرير


 

تقول الاديبه احلام مستغانمي في ثلاثيتها، ذاكرة الجسد و فوضى الحواس و عابر سرير” اننا حررنا الارض ولم نحرر الانسان “. الاستقلال والتحرير اصبحت شعارات الهدف النهائي للقوى السياسية القومية والدينية واليسارية، وكان الهدف هو اخراج جون ووضع جواد مكانه هو اسمى هدف، دون امتلاك برنامج ارتقاء علمي اجتماعي ثقافي سياسي. والاكثر ايلاما من كل هذا الفشل الذريع في بناء الوطن الجامع لابناء هذا الوطن واعتمد على اغاني مبتذلة من قبل اغنية ” يا كاع ترابج كافوري ” تمنيا ان تمثل ثقافة جمعية تمثل الشخصية العراقية الكردية والعربية السنية والشيعية والاقليات.

نالت غالبية الدول العربية استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، اي بعد سقوط اخر دولة قومية في اوربا، النازيه في المانيا والفاشية في ايطاليا، وظهور مبدا حرية تقرير المصير والنداءات الدوليه والداعمة لتحرر البلدان وقطع اوصال الاستعمار، هذا الاستعماركان قد بدا بدخول مرحلة الشيخوخه حين انتقل العالم من مرحلة السيطرة على المواد الاوليه في البلدان الناميه الى مرحله تصدير راس المال.

لم اشر اعلاه بقطعيه جازمه الى تاريخ استقلال العراق هل هو 1921 او 1932 ام 1958. في 1932 اصبح العراق عضو كامل في عصبة الامم المتحده اي انه قد نال استقلاله من الانتداب البريطاني، لكن سياسته الداخلية كانت راسماليه-اقطاعيه والخارجية موالية للانكليز اي مقاربة الشبه للاردن.

عام 1958 يؤشر انطلاق سياسه داخليه وخارجيه مختلفه عن ما سبقها، فداخليا الانفتاح على القوى القومية واليساريه و اجتماعيا على الفقراء عبر توزيع الاراضي و تشجيع الصناعات الصغيره. و خارجيا عبر ما يسمى دول عدم الانحيازوالانفتاح على الاتحاد السوفياتي. ثم جاء تاميم النفط والاراضي الخاضعة لشركات النفط لكن كان كل ذلك اللبنات الاساسيه لتشيد الاقتصاد الريعي والذي لعب دورا مهما في تهديم اللبنات الاولى لدولة المواطنه دوله الديموقراطيه وحريه التعبير لان السلطة احتكرت ارزاق الناس،عبر السيطره المطلقه على واردات النفط وعدم دمج النفط ببقية القطاعات الاقتصادية، بل ابقاءه ممولا لجميع انشطة الدوله، والممسوكه بقوه من قبل قمة السلطه.

2003 لحظة الذهول .
عندما سقط النظام بفعل الضربات الجويه حتى انطلقت جحافل من الناس تنهب وتخرب مؤسسات الدوله وفرح بائع الغاز بسرقته لجهاز تخطيط القلب وبائع الخضرة بسرقته لجهاز التكيف رغم غياب الكهرباء في منزله. وشارك عدد من حاملي الشهادات في نهب مؤسسات الدولة مما يعيد الى الاذهاب الغزو لعشيرة على عشيرة اخرى لا تمت له بصله. ولتكتمل الصوره وتصبح اكثر وضوحا لم تخرج تظاهرة جماهيرية واحدة تؤيد ما حدث وتدين المرحلة السابقه وكان الناس في حاله ذهول لا تعرف ما العمل اللاحق .

اما القوى السياسية فقد كانت مواقفها ابعد ما تكون عن التقارب، فالاكراد يسمون 2003 بـ”التحرر” والشيعة “سقوط الصنم ” والسنة “احتلال”، اما بقية المكونات فلا اهمية تذكر لمواقفها المنمقة انشائيا، لانها لا تخرج عن

كونها دعوات للوحدة و نداءات للتلاحم وكاننا نبني منزل في حي. لحظة الانذهال هذه وضعت بصمتها على المرحلة الاحقة .

ولكن ماذا عن المرحلة منذ 1921. الاكراد اعتبروا ان ضمهم الى العراق من فضائع اتفاقية سايكس – بيكو، السنه هللوا للملك السني الهاشمي القادم من الجزيره ، الشيعة رفضوا الدولة الوليدة بفتوة تحريم التعامل مع الكفار وخسروا اربعة عشر سنه من المشاركة في بناء الوطن الامة العراق.

وماذا عن مواقف القوى السياسيه. القوميين ممثلين بالبعث اعتبروا الخارطة السياسية للعراق مؤامرة استعماريه لتقسيم الامة العربيه عبر اتفاقيه سايكي-بيكو ودعوا الى الوحدة العربيه الشامله ورفعوا شعار امة عربية واحده ذات رسالة خالده . اما الاكراد فقد بقوا على موقفهم من ان وجودهم ضمن العراق هو غبن لحقهم في تقرير المصير .

فقط اليسار العراقي ممثلا بالحزب الشيوعي عمل وطالب ببناء دولة العراق ولكن خطاءه كان في ربط العراق في محور الاتحاد السوفياتي.

فشل البعث في بناء وطن
عندما رفع البعث شعار الامة العربية الواحدة وتمثيله لهذه الامه في الحرب التي كان يطلق عليها ضد الامبرياليه والصهيونيه اغفل ما مصلحة الاكراد في هذه الوحدة وهذه الحرب فهم شعب يمتلك كل مقومات الشعب. وما اتفاقية الجزائر لعام 1975 الا مثال صارخ لاستعداد القيادة السياسيه للتضحيه بجزء من ارض العراق من اجل بسط نفوذه و هيمنته وتسلطه على بقية التراب المتصور انه وطن متوحد مادام يحكمه بقبضته الحديدية. ثم جاءت الحرب العراقيه الايرانية فرفع شعار الدفاع عن البوابة الشرقية

لامة متخيله لا جود لها على ارض الواقع ولا تمتلك مقومات وحدتها. وهنا ايضا اهمل بعجرفة الاجابة على السؤال الاهم في ذلك ما اهمية ذلك بالنسبة للاكراد وكذلك بقيه المكونات غير العربية و غير المسلمة العراقية .

عودة الى لحظة الذهول 2003.
كنت اتوقع ان الاعلان عن سقوط ( سمه ما شئت هنا الصنم التحرير او الاستعمار فهذا ليس همي هنا) ان تنطلق تظاهرات شاسعه تدعي للديموقراطيه وبناء وطن المواطنة، الا ان صورة ابو تحسين كانت الرمز الابرز من كل ذلك فهو كان يصرخ ” ولكم هذا شسوا بينا”. عدا هذا كان هناك تسابق لنهب مؤسسات الدوله ، والكل يدين النظام السابق ولكن لا احد يحدد ملامح ما بعد ذلك.

اما القوى السياسيه، والتي هي بالحقيقة قوى طائفيه و اثنيه، فقد كانت منشغله بالانتقام من التاريخ فسعت لبناء دولة حسب نسب التعداد السكاني و غاب عنها بشكل صارخ مفهوم بناء دولة المواطنه فاحيلت مؤسسات الدوله الى غنيمة تتقاسمها تلك القوى السياسيه وشرع في عجاله دستور لا يلتزم به احد رغم عيوبه الكبيره.

جهنم ما بعد لحظة الانذهال 2003.
ما ان تسابقت القوى السياسيه للقفز على قمة السلطة حتى قدم لنا حالة اخرى من الذهول وهي تماهي كامل بين الجماهير والقيادة السياسية . وحوّل الشعب الى قطيع تابع لمن يحمل السلاح والمقاد بلا وعي الى رموز. الشعب معجب بشخصيه الفرد القادر على فرض ارادته على الاخرين حتى وان كان ذلك عبر اغتصاب حق المواطن، وهي نفس ملامح شخصية صدام .

انا لا اتفق مع المقولة التي تقول بان القوى السياسيه هي وليدة الشعب بل انها وليدة البيئة السياسية الفاسدة المستندة على قضاء فاسد والتي لا تعمل من اجل تطبيق عادل للقانون ولا ان القانون فوق الجميع فهناك “تاج الراس ” و “يشرفك” . ولم يتوقف تدهور العملية السياسيه عند مستوى رجل الدين والرمز الديني بل تعداه الى شيخ العشيره كما يحدث الان في العمارة والبصره و تقريبا كل الجنوب ، لا بل اصبح من حق ضابط شرطة تحديد مقايس العادات والتقاليد . ففي الحلة او الديونيه( لست متاكد من المدنيه لكن متاكد من الحادث) امر شرطة المدينه يامر بغلق مراكز الانترنت والمقاهي في اوقات الصباح لانها تفسد الشباب كما يدعي، والاشد ذهولا ان القضاء في تلك المدينه ولا نقابة المحامين ولا مجلس المحافظة احتجت على هذا الاجراء وقالت لجاز الشرطة انك لست سلطة تشريعيه بل تنفيذيه ولا يحق لك تحديد مفاهيم اجتماعيه ولا يوجد نص قانوني تستندين اليه.

لقد وفرت 2003 فرصة ذهبية، ولكن زواج المصلحة بين القادة السياسيين قضى على فرصة تاسيس دولة الامة العراقيه او دولة المواطنة. فخلقت بيئه سياسية منحطة في وعيها السياسي تستخدم تعبير ” مؤامرة ” للتعبئة الشعبويه من اجل تبرئة نفسها من فشلها في بناء وطن للجميع.

دعوني اسرد مثالين: الاول هو ان امريكا والتحالف هم من اسقطوا صدام وفسحوا لهم المجال للحكم، ويمتد هذا الى الحرب على داعش ايضا. لكن الذي نجده ان لا احد يجرء على اعلان الشكر لامريكا

الثاني: لم يستهجن لا الشيعة ولا السنة تصريح مستشار رئيس الجمهورية الايراني بان بغداد ستكون عاصمة الامبراطورية الايرانية . فقط جاء “الاعتراض” على شكل همس خجول تبريري واحد يقابله الاف الشكر لايران لانها ” تساهم في وحدة العراق وفي الحرب على داعش”.

قبل ان اغادر لا بد من الاشاره الى مدى فهم الوعي السياسي لما هي الدولة والسلطه. اعلن السيد علي السيستاني ” الكفاح الجهادي” فاندفع العشرات لتاسيس تنظيمات متعدده من داخل العراق و اخرى من خارجه دون الانتظار لتشريع قانون ينظم علاقة هذه التنظيمات بالدولة، لا بل ان قادته يصرحون ليل نهار بانهم لن يلخذوا الاذن من احد في دخولهم اية منطقة في العراق او خارجه.

خاتمة توضح سبب الذهول: عدا فترة بسيطة من الحكم الملكي لم يكن هناك وضوح ولا سعي من اجل بناء دولة الامه او المواطنه العراقيه التي تتاسس على مبدا الرغبة في العيش المشترك وليس على الارغام والاخضاع فكان الاهتمام دوما نحو بناء السلطة فاضعف ذلك الدولة . فاعد قراءة ما قالته واستنتجته احلام مستغانمي ” حررنا الارض ولم نحرر الانسان” .

اتمنى اننا لا نعيش مرحلة الحلم الاخير من بناء دولة الامة العراقية.

لا تعليقات

اترك رد