المناظرات .. عندما تكون “قيمة وقمة”


 

“عالم مبدع.. مليء بالحجج والبراهين ووجهات النظر.. تعلو الأصوات فقط عند التأكيد على معلومة.. يسمع بعضه جيدا.. يرد بأدب جم.. يسعى جميعهم للحقيقة وليس للضربة القاضية.. الفائز يقدم التهنئة لغيره.. حل القضية أو مجرد المساهمة في حلها هو الغاية..
إنه عالم التناظر القائم على قيم ومباديء تضبط مساره وتحدد بوصلة متمرسيه.. قادة يوجهون قادة جدد.. يسلمونهم رايات طريق اختاروه لمناقشة قضايا مجتمعهم.. يتناظرون لإحياء مجتمع.. لتعلو القيمة.. وتتصدر المعلومة الموثقة.. ولتغيب وتندثر إشاعات زادت من خنقتنا وإحباطنا..

أكاديميا ونظريا.. المناظرة هي شكل من أشكال الخطاب العام، بين فريقين حول قضية معينة ذات بعد جدلي، أحيانا تنتهي بتصويت من الجمهور أو لجنة تحكيملترجيح كفة حجج أحد الطرفين بعد إقتناع تام بما تم سرده.(المصدر “بتصرف”: موقع مناظرات قطر)
والمناظرات ليست مجرد لعبة حلوة لاستعراض عضلات الخطاب ودغدغة العواطف.. لكنها علم تحكمه ضوابط معينة وقوانين عامة وأخرى خاصة بكل مؤسسة، ما يجعلها تتم بشكل منظم يسر الناظرين.

..وانتشر هذا النشاط كثيرا في مجتمعنا العربي-نعم لاتتعجب- رغم مشاكلنا وهمومنا وإحباطنا.. لكننا وجدنا الطريق في عمل شيء.. حركة إحياء.. خطوات نعتذر بها لآجيال بعدنا علهم يعذروننا أننا حاولنا التغيير.. لم ننكمش حتى الموت.. لم نزهق حتى الهروب.. قاومنا ويكفينا شرف المحاولة.

..لكن رغم انتشار هذا النشاط إلا أنه تحول في بعض المؤسسات التي تتخذه ضمن أنشطتها إلى مجرد مشاركة في مسابقة.. أو إرضاء لشباب يحبون الخطاب والظهور أمام الجمهور(خاصة في بعض الجامعات الخاصة).. ما أفقده كثيرا من قيمته وهدفه الذي تأسس من أجله.. فالبعض حصره في مجرد بطولات.. أو تدريبات لأفراد لايعرف عنهم شيئا بعد انتهاء مدة التدريب..
لكن في الجانب المضيء للنشاط.. أخذ آخرون مؤمنون به جدا على عاتقهم مسؤولية تصحيح مفهوم التناظر وجعله “قيمة” تصل بمتدربيه إلى قمة.. قمة البحث عن صحيح المعلومة.. قمة تقبل الرأي الآخر بل والترحيب به إن كان هو الأصوب.. قمة التغيير.. تغيير قناعات.. تغيير مفاهيم..

هؤلاء القادة اعتبروا أنفسهم مساحة مجتمعية لنشر وترسيخ ثقافة التناظر في المجتمع المصري، كونه أفضل وأرقى الطرق لمحاولة المساهمة في وضع آليات لحلول مشاكل أثقلت كاهل الجميع.. لعل وعسى.

تدربوا جيدا.. ثم دربوا غيرهم.. ثم تابعوهم ورأوا مشروعهم البشري يكبر شيئا فشيئا.. بعضهم أصبح “عيلة” فعلا.. سألنا أحد القادة عن هدفه من هذه التدريبات رد بثقة: “عاوز الناس تأكل وتشرب وتتناظر”.. ربما نسى الزواج في النصف لكنه أكد انه على وعي بما قال.. فالتناظر في قاموسه أهم.

..وهنا لا أقدم شرحا نظريا فقط لعلم التناظر ودوره في نشر ثقافة الرقي والاختلاف وترسيخ أدبيات تقبل آراء بعضنا.. لكن احاول الوصول إلى هدف هذا العلم.. وأظن الهدف الأسمى للمناظرات –في وجهة نظري- أن نسمع بعضنا وأن تخضع جميع أفكارنا إلى مرحلة تقييم وأن نصل إلى مرحلة “رأيي صواب يحتمل الخطأ.. ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”.

عندما تتحول المناظرات إلى قيمة مضافة في مجتمع يعج بأصوات “المتكلفين والمتزحلقين ومحترفي ترويج الإشاعات”.. أزعم أنها قادرة على إحيائه من جديد ولربما بث روح أمل في جيل يحلم فقط أن يكون “مسموعا” ومشاركا في مجتمعه.. يفكر هو ولا يتطوع أحد أن يفكر مكانه ويخطط له..

مهمة ثقيلة أعان الله من حمّل نفسه إياها.. وإما أن يكون أهل لهذا الشغف وينجحه.. أو يكون كمن حمَل الأمانة بعدما رفضتها السموات والأرض والجبال فيصبح ظلوما جهولا.. والأخير لن يكون إذا تكاتفت الجهود والأفكار لمساعدة هذه الأيادي البيضاء حتى تنجح في مشروع “إحياء المجتمع”.. وساعتها سنسعد جميعا.

لا تعليقات

اترك رد