ثقافة الصورة عند المخرج السينمائي عبد الهادي الراوي


 

الحديث عن الصورة عند عبد الهادي الراوي يعني الحديث عن السينما ,والحديث عن السينما عند الراوي يعني الحديث عن الثقافة,وحينما تمتزج الصورة السينمائية مع الثقافة تنتج لنا صورة مختلفة تماما لانها ستكون صورة مدروسة بدقة متناهية من حيث الظاهر والمضمور ,من حيث الاشارة والرمز ,من حيث المرئي والمسقرأ ولا اقولالمقروء ..هي هكذا بل وأكثر بالرغم من عملية فرض الموضوع على مبدع حقيقي مثل الراوي الذي يحاول جاهدا ان يكون له ملامح اسلوبية تنتمي اليه بصورة تفرض نفسها دائما بتكوين حي من يساره الى يمينه,

ومن الاعلى الى الاسفل بكتل تأبى الاّان تكون حية في معانيها ودلالاتها ,ولا يهمها معناها المادي بقدر معناها الدلالي ,فالشخصيات التي حرص الراوي ان تكنّى باسمائها الحقيقية في فيلم المنفذون منحها حرية في الحركة ضمن مساحة مرسومة بعناية داخل طبيعة قريبة جدا من المكان الحقيقي,

وزمان مقارب جدا لزمان جريان الحدث ببناء متحرك وايقاع لايهدأ يتعاون في صناعته الحركة بانواعها, والمونتاج الداخلي للصورة الذي غالبا مايتفوق على المونتاج الخارجي وذلك لانتماء الراوي الى ثقافة الصورة بذاتها قبل انتمائه للصورة الناتجة من تجاور اللقطات التي اهتمت بها كثيرا السينما السوفيتية التي تخرج منها الراوي استاذا ومعلما ومخرجا حاول انيخط لنفسه اسلوبا يحاكي واقعية السينما السوفيتية ,مع ثقافة الصورة الناتجة من تجاور صنعه الراوي مابين روح الروي العراقي الذي يجيده الراوي, مع طبيعة وخصوصية الروي او السرد السوفيتي المتأثر بنمطين مختلفين على مستوى السرد الروائي المتفرد عند السوفيت المتمثل بتشيخوف وزملائه, والسرد السينمائي الذي ينتمي الى صنعة الصورة المثقفة عند ايزنشتاين في جدليتها وبناءها الفكري ,

واختلافه مع بودفكين الذي يقترب من الرواية اكثر من زميله ايزنشتاين.يتضح بناء الصورة هذه كثيرا في فيلم المنفذون الذي تفنّن الراوي بناء الجانب التشكيلي لمشاهد المعارك خاصة .والتزم الراوي بمهمته وطريقته في رسم الصورة في افلامه الاخرى وجاءت على بلاغة السهل الممتنع في فيلمه (البيت) الذي اختلف كثيرا في طريقة تناول موضوع الحرب, اذ اعتمد على سيناريو مكتوب بحرفية ودقة من قبل مفكر سينمائي اخر هو المرحوم خليل شوقي الذي رسم خطوط السرد وفق ملامسة شفافة للجانب الرومانسي الذي تخترقه الحرب لتحوله الىنوع من اللوعة والالم والحرمان .استطاع الراوي فيه ان يقرأ الحروف ومابين الحروف ليباشر بصناعة صورته المثقفة التي غالبا مايكوناساسها هذا الفهم ثم يملي عليها بناءه الشكلي بأسسه الواعية,

ويرسم لها مستوياتها الحركية والدرامية التابعة للصورة وفق بناء نفسي تحتاجه الصورة في هذا الفيلم خاصة والتي لعبت فيه الكاميرا دورها الساحر في ترجمة اجمل معاني الرومانسية التي تجمع الزوج (فاضل خليل) بالزوجة (اثمار خضر ) في مشاهد قلّ مانجد لها مثيل في الافلام العراقية الاخرى ,حيث كانت مساحة الكادر تنتمي لهاذين الكائنين دون غيرهما وكأنه فرّغ الصورة لهما وخلق للمتلقي احساساكأنهما يحلقان في كل ركن من اركان الكادر ويسبغان روحيهما في كل المكان الذي انتمى لروحمها وروحيتهما ,

وهما من رسما مكان لايحتوي سوى السماء التي وفّرت لهما الروح الرومانسية .لقد انتمى الفيلم تماما الى اسلوب الراوي الذي تركّز كثيرا في هذا الفيلم, اذاستطاعت هذه الصورة السينمائية ان تجد لنفسها شكل مميّز مارس فيه الراوي دوره المعروف في التعامل مع الكاميرا وفق مايريد لها وكيفما يشاء هو ,تتحرك يمينا او شمالا اوالى الاعلى او الى الاسفلبقصدية تنتمي الى علم نفس الفكرة الجزئية للّقطة, والفكرة الكاملة للمشهد والفيلم ككل ,كما توضّح جليا في هذا الفيلم اهتمام الراوي بالممثل في اختياره اولا, وتوجيهه وفق اسلوب بناءه للصورة ثانيا بعدّهالقلم السحري الذي سيخط ويلوّن صورته المثقفة .واستمر الراوي في صناعة صورته المثقفة في باقي افلامه الروائية الخمسة :حب في بغداد ,والسيد المدير وأفلامه الوثائقية التي تجاوزة الخمسة عشر فيلما مستندا الى رأيه الذي غالبا مايردده وهو :ان ثقافة الصورة تتميز عن غيرها بأنها تعتمد التقنيات الحديثة ,


لذا تحتاج الى مبدعين مسلحين بمهارات عالية ,تحتاج لاكتسابها الى دراسة حادة ومران طويل وشاق .وقد فعل الراوي كل ذلك في صورته المثقفة فهو درسهافي معهد الدولة للسينما بموسكو (فغيك) وتخرج وعاد للعراق عام 1968 وهو يحمل شهادة الماجستير ومارس عمله في السينما العراقية مخرجا متميزا مختلفا لكنه غادر العراق وعاد بعد التغير وهو يحلم انيساهم في بناء سينما عراقية متميزة بلغة جديدة ومواضيع يختارها المبدع لاتفرض عليه فرضا,


ولم يحصل على فرصة كما انه لم يحصل على تقاعد كما أظن وسافر الى هولندا ليساهم في ترجمة كثير من المواضيع والكتب السينمائية التي تساهم في تعميق ثقافة الصورة كما انه حاول ان يعمل ورشة لكتابة السيناريو في العراق ووضع لها مادة قام هو بترجمتها واختيارها من اهم الكتب التي اختصت في هذا الموضوع .يبقى عبد الهادي الراوي رغم افلامه القليلة واحد من اهم مخرجي السينما في العراق ويكاد ان يكون من القلّة القلائل الذين نستطيع ان نقول عنهم ان لهم طريقة عمل مميزة ان لم يكن اسلوب ثابت ومميز.

لا تعليقات

اترك رد