جمال وتوحش


 

الذين غادروا عالم الصراعات العقائدية والطائفية ولجأوا الى عالم (الكفر) املا في قليل من الهدوء لعيش حياة يعلم العقلاء انها قصيرة وانها فرصة لنا نحن عباد الله ومخلوقاته العاقلة للعيش بسعادة ومحبة وكرامة وابداع وانتاج واعمار وبناء وادامة سلالة البشر في فضاء يتسع للجميع بعدل ومساواة، هؤلاء الذين غادروا لن يعرفوا الهدوء بعد، ولن يتمكنوا من التخلص من عقد عقائدهم وصراعاتها، فالعالم الجميل الهاديء المطمئن الذي انتقلوا اليه فقد هدوءه واتزانه ايضا او يكاد بعد ان شق الارهاب والتشدد والتعصب طريقه اليه، مرة بالمفخخات والاحزمة الناسفة ومرة بالسكاكين والادوات الجارحة القاتلة، واخيرا عبر موجة حوادث الدهس بالسيارات هنا وهناك، حتى بات ذاك العالم السعيد مرعوبا متشنجا متأزما من دين كان قد قدر له أن يكون رحمة للعالمين، واذا بمدعيه والقائمين على ادارته وتنظيمه قد جعلوا منه بغباء وجهل غالبيتهم وذكاء متقد لخاصتهم نقمة موزعة بالتساوي بين اتباعه واعدائه، فلا المسلمون كريمون هانئون في ديارهم ولا الاخرون سلموا من شر التوحش والتشدد والتعصب..

الاخرون من بلاد الكفر مفتتنون بالاسلام، يتحدثون عن السنة والشيعة بجهل اكثر من جهل المسلمين أنفسهم، حتى ان لحظات انسهم في البارات والنوادي وهم يكرعون كؤوس الخمرة والفتنة والرضى والراحة، لن تمر دون لمحة من هذا وسخرية من ذاك ومزحة من اخر عن سنة وشيعة قدموا انفسهم للعالم باسوأ صورة ممكنة مع يافطة بائسة يرددها الكثير وانتقلت عدواها الى قلة قليلة من اولئك الاجانب وهي ان الارهاب لايمثل الاسلام، وان الاسلام الحقيقي هو دين المحبة والتسامح والعدل والمساواة، ولكن هذا التسامح يكسر كل يوم وتهشم اضلاعه عبر حوادث القتل والجريمة والوحشية غير المبررة، سواء في بلادنا او في بلدانهم، تلك الجرائم التي تنتهك الهدوء والجمال والطفولة والبراءة، وتغتال التقدم والحرية وتلون شوارع السعادة بالدماء..

الاسلام “دين المحبة والتسامح والعدل والمساواة” ولكن المسلمين لم يتمكنوا من تحقيق اي نموذج يمكنه ان يدعم هذه الصورة، وان يؤكد صدق المحتوى ونصاعة المضمون، شرقا وغربا يعيش المسلمون اجواء الكفر من الفساد والخديعة والتآمر والوحشية والجريمة والظلم وسلب الكرامة وامتهان الحرية والحقوق بدعوى الايمان بالله ومخافته والدفاع عنه ايضا، في حين يعيش الملحدون والكافرون اجواء العدل الاسلامي ومحبته وتسامحه وتضامنه وتكافله، ولهذا قيل( في بلاد المسلمين يوجد مسلمين ولكن لايوجد اسلام)..

حوادث الارهاب في بعض الدول الاوروبية تدفعنا للتساؤل عما اذا كنا نحن المسلمين اذكياء الى هذه الدرجة التي نتمكن فيها من اختراق حواجز الامن والمخابرات والاستخبارات الدولية وننشيء شبكاتا وخلايا في بقاع الارض لنحركها متى واين نشاء؟.. اذا كنا بهذا الذكاء فلم لم نتمكن من صنع عالمنا المتقدم الهاديء السعيد المؤمن بالحق والعدل والكرامة فنجعله مثالا ونموذجا لاسلامنا العادل المتسامح؟ واذا لم نكن اذكياء وغير قادرين على خرق العالم المحصن فمن يفعل ذلك اذن وما هي مصالحه واهدافه؟.. وايضا اذا كان من يفعل ذلك نحن المسلمون، اذكياء كنا ام اغبياء، فمن بالتحديد: ايران ام السعودية ام دول الخليج ام دول المغرب ومصر؟.. من من هذه الدول المسلمة الحريصة على نشر الاسلام تخولها قدراتها محاربة الغرب في عقر داره ونحن كلنا شعوب وحكومات نتقي كل يوم وكل ساعة شرور الغرب ومكائده وخبثه ومؤامراته؟.. ومن من حكام هذه الدول يجازف بثرواته الشخصية وامتيازاته وعرشه ليخادع مخابرات الغرب ويقتل مواطنين ابرياء هنا وهناك لنصرة الاسلام وهو لم ينصر فقراء ومظلومي شعبه بعد؟..

دول الخليج التي يرى البعض ان بعضها يدعم ويمول الارهاب، فان القاصي والداني يعرف انها لاتتحكم بنفسها ولا بسياساتها، وانها ليست سوى واجهات قبلية متخلفة لقوى مستترة تحركها متى شاءت وباي اتجاه تريد، ولو كانت قطر مثلا تدعم الارهاب بالفعل من تلقاء نفسها فان مصيرها كان ليكون اكثر سوادا مما نعيشه في العراق او سوريا، لقد تم احتلال العراق وليبيا لمجرد ادعاء الغرب ان انظمتهما دكتاتورية، ولم يكن هذا يعني انهما داعمان للارهاب او ان تلك الانظمة تهدد السلم العالمي او تنقل الجريمة والتوحش الى اوروبا والغرب، فلم لم يتحرك الغرب ازاء قطر واخواتها لو كان مقتنعا فعلا انها كذلك؟..

واذا كانت القاعدة وداعش وهما المشار اليهما في تبني وتصدير الارهاب، تريدان نشر الاسلام واقامة دولة العدل والخلافة، فاي جهة يفترض ان تحاربا، المسلمين الذين ينطقون الشهادتين ام دول الكفر والالحاد ولعل الاقرب منها هم اليهود الذين يقبع كيانهم الى جوارنا ويحتل ارضنا وثاني اهم مقدس اسلامي؟..

الوقائع والحاضر الذي نعيشه يشير الى انغماسنا بماض وموروث وتاريخ يحمل من العقد اكثر مما يحمل من العبر، وقد اشتركنا نحن واعداؤنا على استرجاعه والعودة اليه وتكرار حوادثه واشتباكاته واشكالياته فتحول حاضرنا الى ماض مكرر، ليكون مستقبلنا حاضرا مكررا ايضا، كما ان عدم قدرتنا على ادارة انفسنا وتحقيق نهضة مطلوبة للرقي والعيش الكريم المنسجم مع تعاليم ديننا تضعنا في حالة ضعف لاتمكننا من نقل الارهاب الى دول اوروبا والغرب، ولذلك فان هذه العمليات الارهابية بما تتصف به من دقة في التخطيط والتنفيذ لايمكن ان تكون من صناعة الضعفاء الخانعين وانما هي جزء من عملية اثارة المشاعر ضد الاسلام والمسلمين وجعله موضع اتهام وتنديد دائم، حتى بات المسلمون الذين تركوا بلدانهم وصراعاتها ولجأوا الى تلك البلدان يواجهون تحديات وصراعات واخطار آنية ومستقبلية فيها اذا ما نظرنا الى مستوى الاجراءات الامنية والتشديدات القانونية التي تتخذها تلك الدول بعد كل عملية ارهابية، ابتداءا من المطارات وانتهاءا بالحدائق والساحات العامة واماكن اللهو والتجمعات التجارية الى الحد الذي دفع ببعض القوى السياسية الاوروبية اتخاذ شعارات معاداة الاسلام كوسيلة لكسب تاييد ناخبيها، كما ان فوز الرئيس الاميركي ترامب كان قائما على هذا الاساس..

في اخر جلسات البرلمان الاسترالي دخلت النائبة بولين هانسون مرتدية البرقع الاسود في عملية تمثيلية ساخرة من التقاليد الاسلامية المتشددة، الهدف منها اثارة مشاعر الحقد تجاه المسلمين الذين بدأو فعلا بالشعور بالخطر وبالمضايقات التي وان كانت دفينة ومستترة الان الا انها في طريقها كما يخطط صناع الارهاب الى الانفجار، مع تزايد الشعور لدى المسلمين في جميع بلدان الغرب بالقلق من انهم وان حصلوا على جنسيات تلك الدول الا انهم في ظل تهديد دائم وشعور بعدم الاستقرار ما دامت مشاعر الحقد المبرر والاثارة قائمة..

عالم الحريات وحقوق الانسان واحترام الخصوصية سيجد نفسه يوما بعد يوم غارقا في التشدد وفي تحديد الحريات واقتطاع الحقوق وخرق الخصوصية بحجة مكافحة الارهاب والحفاظ على السلم والنظام، مما سيدفع المواطنين الى الحقد اكثر والى الانزعاج من وجود المسلمين بينهم، والنتائج المتوقعة اذا استمر تصاعد موجات الحقد ضد الاسلام والمسلمين لن تخرج عن اطارين، اما محاربة المسلمين هناك بطرق شتى قد تصل للاعتداءات فردية او جماعية وقد يسبب هذا بهجرة اخرى معاكسة، او ان يتخلى عالم الحريات والليبرالية عن سماحته ووداعته وايمانه بالحقوق والخصوصية فتنتهي صورة الليبرالية وينتهي الهدوء ويتوحش الجمال..

لا تعليقات

اترك رد