فسحة معرفة 22 – لوركا والحرية والحرب الأهلية


 

الحرية لا تعني عدم الالتزام بل هي القدرة على الاختيار الأفضل لنفسك ، لذا فهي أعلى قيمة وجودية ، فهي فكرة متحررة من كل فكر ، كافحت الشعوب من اجلها وقدمت الكثير من التضحيات، فهي صنو الحياة فلا حياة دون حرية ، لذا لا يمكن ان يفهم الحرية سوى العشاق ، فالحب هو أقصى درجات الحرية . فما معنى ان تكون عاشقا ، دون ان تكون حراً.
فحينما تعشق الوطن يحتم ذلك عليك ان تكون حرا ، فالعملاء لا يفقهون الحب لانهم منزوعوا الحرية ، فلا يمكن ان تكون وطنيا وانت لا تملك حريتك كما لا يمكن ان تكون حرا وانت خائن .
هذه هي مدلولات الحرية.

في فسحتنا لهذا الأسبوع سنتحدث عن شاعر عاشق ٍ مهوسٍ بالحرية هو فردريكو غارسيا لوركا الشاعر الغرناطي الذي كان مسكونا بالحب ،
لوركا ابن الفلاح البسيط الذي اصبح شاعر القرن ، كان شغوفا بالقراءة والأدب ، ولم يكترث لدراسته، كان يعشق الشعر والعزف على البيانو ، فهو يعتبر الشعر تعبير حقيقي عن الحرية ، اكمل دراسته الجامعية في امريكا بجامعة كولمبيا، فكان مبهوراً بالحياة الامريكية، لكن اسبانيا ظلت تراوده عن نفسه .

انتبه أساتذته إلى ميوله الأدبية وتوقعوا أن يكون اسما مميزا في عالم الشعر، وظهر ذلك بوضوح في رحلات كانت الجامعة تنظمها في نهاية كل سنة دراسية.
حضر عشرات الندوات وشارك في عشرات المحاضرات والأمسيات الشعرية، فذاع اسمه في إسبانيا كلها. وصف المهتمون شعر لوركا بأنه رمزي بسيط الأسلوب بعيد الرؤية، عبر فيه عن آلام الفئات المهمشة، واستعمل قاموسا غنيا بمفردات عربية

 

وفي نيويورك صدمته مظاهر “الحضارة الأميركية”، فترجم شعوره في مجموعة شعرية بعنوان “شاعر في نيويورك”. ولما عاد إلى إسبانيا في صيف 1930 رجع إلى المسرح، وكتب أحد أشهر مسرحياته “عرس الدم” ومسرحية “بيت برناردا ألبا”.
وفي صيف 1932 سافر إلى أميركا الجنوبية فزار البرازيل والأرجنتين، حيث عرضت إحدى الفرق المسرحية في مدينة بوينس أيريس ثلاثا من مسرحياته “عرس الدم” و”الإسكافية العجيبة” و”ماريانا بينيدا”.
و في يوليو/تموز 1936 رجع لوركا إلى مسقط رأسه، وبعيدها بأيام اندلعت الحرب الأهلية في إسبانيا واستولى الجنرال فرانكو على الحكم، ووصلت آثار ذلك إلى غرناطة، فاعتقله جنود أو مليشيا تابعة للجنرال فرانكو

وألقى لوركا بعض الأبيات الشعرية قبيل تنفيذ حكم الإعدام به، موجهة لحبيبته ماريانا يقول فيها :

ما الإنسان دون حرية يا ماريانا؟
قولي لي كيف استطيع أن أحبك إذا لم أكن حرا؟
كيف أهبك قلبي إذا لم يكن ملكي؟
كان اعدام لوركا سببه الفوضى السياسية وسيطرت المليشيات على الشارع التي تزامنت مع الحرب الأهلية في اسبانيا، وهذا تماماً ما يحصل في كل البلدان التي تفشل وتسيطر العصابات على مقدراتها، وبالتالي تفقد مخزونها الثقافي والحضاري والإنساني وما العراق سوى مثال عن ذلك .


لقد فقدت اسبانيا واحدا من اهم الشعراء في العالم نتيجة الحرب . وكم نفقد نحن اليوم في العراق من مبدعين ومفكرين وفنانين نتيجة الفوضى ، وكم من مبدع عراقي وكم من لوركا عراقي يحتاجه الوطن في محنته وهو خارج الوطن مرغما ً بعيدا عن شوارعه ومعاناة أهله خوفا ً من رصاصة طائشة أو حكم جاهز على خلفية تهم معدة كالهرطقة والكفر والمجاهرة بالفسق والقائمة تطول . لقد كان لوركا عاشقا لوطنه لم ينتمي لأي جهة سياسية لكن الوطن كان يسري في عروقه . وحاله حال كل الاحرار والعشاق على سطح كوكبنا، لكن العبيد يسؤوهم ان يروا حرا ً يتحدث عن ضمير شعب ، فهم لا يعتقدون ان هناك هناك أحرار وحرية ، لذا يعتبرون الحر شاذا ومرتدا عن العبودية فقد وجب عليه القتل .

لا تعليقات

اترك رد