نظرية البيضة

 

تطمح الشعوب إلى العيش الكريم تحت ظل حكومات منتخبة بشكلٍ دوري ، و بلا أدنى شك فإن الشعب العراقي يُعدُّ من ضمن هذه الشعوب ، لأن الإنسان السوي لا يحب الاضطهاد بالفطرة . وهذه قاعدة عامة وإذا صادفت حالة مغايرة في التاريخ فهي شاذة ولا يقاس عليها .

وقد سعى الشعب العراقي إلى التخلص من أعتى الدكتاتوريات في تاريخ البشرية بشتى الوسائل والسبل ، فقد اتخذت وسائل الرفض شكل الانتفاضات أحياناً كما حدث في انتفاضة صفر في نهاية السبعينات ، والانتفاضة الشعبانية عام 1991 بعد هزيمة الجيش العراقي وانكساره وإخراجه من الكويت في معركةٍ غير متكافئة الأطراف من حيث العدة والعدد ، حيث بذلت الولايات المتحدة الأمريكية كل جهودها لتدمير الترسانة العسكرية العراقية فأخذت مهاجمة الأرتال المنسحبة بكل وحشية .
ولهذه الأسباب وغيرها فقد انطلقت الشرارة الأولى للانتفاضة بعد أن أطلق أحد العسكريين المنسحبين نيرانَ دبابتهِ على صورة صدام في البصرة وتطاير الشرر حتى فقدت حكومة صدام سيطرتها على أغلب المحافظات وكاد أن يفقد حتى العاصمة بغداد بعد أن انتفضت الشعلة ومدينة الثورة التي كان يطلق عليها اسم (مدينة صدام) .

قُمِعَت الانتفاضة بقسوة وانسحب الأمريكان من الأراضي التي دخلوها من الجنوب وتراجعوا عن خطتهم لإسقاط النظام بناءاً على استشارة وطلب الملك فهد ملك المملكة العربية السعودية آنذاك لأنه أدرك إن (تقليم أظافر صدام خيرٌ من القضاء عليه ، لأن البديل المتوفر في ذلك الوقت هو قوات بدر بقيادة محمد باقر الحكيم التي نشأت وترعرعت داخل الأراضي الإيرانية) .

هذه الهزائم خلّفت في قلوب الشعب وبقايا القوات المسلحة حقداً على قيادةٍ متهورة لم يكن لها همٌ سوى إشباع الرغبة في التسلط ونقض العهود فلم يسلم منها الشعب العراقي بكل طوائفه من الشمال إلى الجنوب . ولم تسلم منها البلدان المجاورة أو الشقيقة ، وهو خلاف للشعارات التي دائماً يتشدق بها كالوحدة العربية وحماية البوابة الشرقية للأمة العربية .

استمرت حالة الرفض وأصبحت ناراً تحت الرماد فتشتد حيناً وتخف تارة أخرى ، متخذة شكل (الصحوة الدينية) بعد بروز ظاهرة السيد محمد الصدر وخطب الجمعة في جامع الكوفة التي ألهبت المشاعر وبعثت التحدي للسلطة في نفوس العراقيين الذين كانوا يبحثون عن متنفس وذريعة للوقوف بوجه الحكم الظالم بعد اليأس الذي دبّ في النفوس من المعارضة المسلحة والسياسية في خارج البلاد .

وبعد أن باءت كل المحاولات الداخلية لتغيير النظام والقضاء على حكم صدام بالفشل الذريع ، أصبحت فكرة تغيير النظام من الخارج مقبولة . فحدث الذي حدث بأن جددت الولايات المتحدة الأمريكية رغبتها في قلب نظام الحكم معلنة احتلال العراق هذه المرة تحت ذرائع واهية منها امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل .

هذا التغيير الذي حصل عام 2003 حصل من (خارج البيضة) فأدّى إلى إنتاج أفراخٍ مشوهةٍ لازالت البلاد تعاني منها ، حيث سادت الفوضى وعمّ الاضطراب السياسي وانعكس كل ذلك سلباً على المستوى المعاشي للفرد وتدني مستويات الإقتصاد في البلاد ، على عكس التغيير الذي يحصل من داخل البيضة كما حصل في البلدان التي تشهد ثوراتٍ شعبية كالثورة الإيرانية عام 1979 أو ثورة الشعب المصري عام 2011 مثلاً .

لا تعليقات

اترك رد