المؤامرة وحديثها في الذهنية العربية المعاصرة

 
الصدى - العربي
لوحة للفنان عاصم فرمان

لا يمَلُّ العقلُ السياسي العربي عموماً من الحديث عن نظريات ما يسمى بالمؤامرة، ولا يشبع أتباعه من الغرق في مستنفعات التآمر والمتآمرين والمخططات والدسائس والمدسوسيين، منذ زمن بعيد وليس من عصرنا الراهن..
طبعاً لا نشك لحظة في وجود شيء اسمه “مؤامرة” أو تآمر، فهذه قديمة قدم الوجود، ومنذ أن قتل قابيل شقيقه هابيل هي “شغّالة” على طول خط الوجود البشري، وطالما أن الإنسان يفكر وينطلق ويتنقل ويتحرك ويمارس حركته الوجودية في خط المصالح وتأمين العيش وتسهيل منافذ الوجود له، فهي قائمة وباقية ما بقي هو على الأرض في حجم الوجود كله.

وبالتالي تكون هذه المؤامرة جزءاً لا يتجزأ من لعبة المصالح وحركة الضغوطات والمساومات بين الدول والمجتمعات والحضارات.. كما أنها لا تزال وستبقى جزءاً من آليات الضغط لتحقيق المكاسب وحيازة المنافع والامتيازات على غير صعيد.. هذا أمر معروف وبديهي وليس شيئاً جديداً في عالم السياسة والاقتصاد والمال والأعمال.. وووإلخ.

وبهذا المعنى كل الدول تتآمر على بعضها بعضاً، صغيرها وكبيرها.. أي كل الأمم والدول والحضارات والأقوام والأديان وووالخ، كلها تستخدم لعبة المؤامرة كوسيلة وأداة فعّالة (قليلة الكلفة نسبياً إذا ما قورنت بنتائجها ومآلاتها) من أدوات الصراع مثل التحالف والتعبئة والتمويه والكمين والخدعة… إلخ..

وهناك بطبيعة الحال أحداث كبرى تثبت صحة ما تقدم.. وهذه ليست مشكلة، بل المشكلة تكمن أساساً في مواجهة المؤامرات، واستثمارها، ووعيها، دون دفع أثمانها الباهظة…

والقضية أيضاً أنه ليس من العلمية والموضوعية بمكان، اختزال الأحداث والتاريخ والحركات الإنسانية والأفعال البشرية فقط في دائرة مؤامرة ما (بعينها) وبذاتها، لأن ذلك يعني بالنتيجة غياب العقل، وإقصاء دور الفرد الإنساني، وتغييب الإرادة على الفعل والعمل والإنتاج، وشل قدرة الإنسان.. أي الخنوع والخضوع والاستسلام لمجرى الأحداث بلا إرادة ولا ردة فعل إيجابية، وبانهزامية واضحة.

باعتقادي: القناعة بالمؤامرة والاستغراق فيها وتحويلها إلى طوطم وأيديولوجية –كما هي عادة أصحاب المشاريع الخلاصية الاصطفائية العقيمة- هي نظرية الضعفاء المنتفعين من التحكم برقاب شعوبهم، وهيمنتهم على ثرواتها ومواردها، ونفاذهم الآمن إلى مواقع القوة والسيطرة التامة فيها، هؤلاء الذين أعطوا عقولهم إجازة طويلة بلا أجر، وركنوا وخضعوا لقدريات وجودهم وحياتهم ومصالحهم ومجتمعاتنا العربية الخانعة بالضرورة أوضح مثال على ذلك، خاضعة للقدر الديني وغير الديني.

وبطبيعة الحال كل هذا لا ينفي أبداً وجود مؤامرات ومتآمرين كما سبق القول، ولا يعني أيضاً عدم وجود مخططات ودسائس وغيرها، ولكنْ السؤال والقضية الكبرى تتركز حول آليات الاستجابة كما قلنا، وكيفية التعاطى معها.. تعاطيك أنت كفرد أو كمجتمع أو كنظام أو كدولة أو كمؤسسة معها؟!! وكيفية توظيفها لخدمتك، لتتفادها وتأمن شرها على استقرارك ومصالحك ومستقبلك؟ أو على الأقل: كيف تفشلها أو تحتويها بأقل الخسائر الممكنة لا أن تصبح جزءاً منها، تستجيب سلباً لها؟!!..

وبدلاً من النواح والعويل والبكاء على الأطلال الدارسة والاستمرار في لغة تقريع ولوم الآخرين على مؤامراتهم الجحيمية.. لماذا لا تلتفتْ أنتَ كإنسان إلى نفسك، وإلى الواقع الذي تنتمي إليه، وتبحث فيه عن أسباب هزيمتك وفشلك وضعفك أو تضعيفك لنفسك، بدلاً من البحث عنها لدى الآخرين والاستمرار في شتمهم ولعنهم وتحميلهم مسؤولية فشلك، وانعدام قدرتك على التأثير والحضور في عالم لا يحترم إلا الأقوياء والأسوياء عقلياً وعلمياً؟!!…
نعم إنه الفشل والضياع، وهذه هي نهاية ومحصلة العقل المؤامراتي، الاتهامي…

وطبعاً، لا نقدم جديداً إذا ما قلنا بأن هذا العقل “المؤامراتي” هو بالضرورة عقل اتكالي، انهزامي، عقل نكوصي، شعاراتي، لا يهتم سوى بظواهر الأشياء دون التعمق في إدراكها.. وفي مجتمعاتنا العربية، دائماً “المؤامراتيون” هم على الأغلب من أصحاب الشعارات (من أتباع أو ممثلي العقل العمومي الحدي الاطلاقي الموروث، الذي يضيع ويتيه وربما يغرق في التفاصيل!!) هؤلاء معروفون بأنهم:
-يطالبون بتأجيل كل شيء جوهري حقيقي، ويهتمون فقط بالمظاهر الخارجية.
-يشرحون المشروح البديهي الموضّح، ويفصّلون في العام التقليدي المنمّط.
-يركّزون على العموميات، ويتناسون التفاصيل.
ينشغلون بالتوافه والشكليات، ويتغافلون عن المضامين والجذور.
-يزيّفون الوقائع، ويحرّفون الأحداث، ويضللون حتى في المعلومات الواضحة مثل تكذيبهم لوجود الشمس في كبدهم السماء.
-يقولون ما يجب ألا ينقال، ويديرون الظهر لما يجب أن يقال.
..عقل يهرب من مواجهة الحقائق، ويزعم أن الظروف صعبة ومعقدة ويستحيل مواجهتها..

طبعاً كلنا يعرف أنه لا توجد دولة من الدول في هذا العالم الكبير، إلا تعرّضت ومرّت (وتمر) بظروف استثنائية صعبة، وستتعرض لضغوطات مركبة معقدة.. ومعظم البلدان واجهت تحديات مصيرية، وحوربت وتحاربت، وخضعت لقلاقل واضطرابات وصراعات… ولكن كثير منها (أي من تلك البلدان والأمم الحية) لم تقف، ولم تركن، ولم تهدأ، ولم تتكاسل، ولم تتقاعس أو تتغابى أو تهرب من واجب تحمُّل مسؤوليتها في القيام من جديد، والانطلاق في مواقع التحدي والاستجابة واثبات الذات، والعمل والتنظيم والبناء حتى في أصعب الظروف، وأحلكها.. بالعكس كانت تبدع، وهي تعيش في عمق أزماتها المصيرية، وتنتج وتخلق حلولاً صحيحة وجدية لأمراضها وكثير من أزماتها.. بل كانت تحفر بالصخر لتنتج وتتطور…

أما نحن، فقد كشفتنا الظروف على حقيقتنا، واجهنا عرينا، فكنا مستلبين اتكاليين بكل شيء، وما نزال هكذا (عالبارد المسترح) من أصحاب العقل الدوغماتي) وأتباع اللقمة الجاهزة، أفراداً ومجتمعات، دولاً وجماعات.. طبعاً لا تلومونا (نحن الشعب الغفور “الغفير” المستضعف)… فقد تربينا على هكذا أصول في التربية الاجتماعية التي تفتق عنها ذهنهم العبقري…. أي “هكذا عودودنا!!!”.. الأهل والمجتمع وأهل الخبرة والمسؤولين وغيرهم من أهل الرأي والدراية الاجتماعية وغير الاجتماعية..!!!..
بقي أن نقول:
لا قيامة نهضوية بلا عقل.. ولا تنمية إنسانية بلا فكر خلّاق ومبدع..
ولا حضوراً حقيقياً بلا انفتاح ورمي لنظريّة المؤامرة في أقرب سلّة مهملات تاريخيّة وواقعيّة..!!!!..

لا تعليقات

اترك رد