كيف تصنع جاهلا؟ – ج7


 

إن كنت تعبُد الله عز وجل الواحد الأحد وتشهد أنه لا شريك له في ملكه وتشهد أن محمدا نبيه ورسوله، أو إن كنت اتبعت عيسى “يسوع المخلص” وتحافظ على تعاليمه داخل الكنيسة وخارجها وتأكل كسرة الخبز وتشرب النبيذ وأنت تحمل الصليب المبارك، أو إن كنت تذهب للمعبد لتشعل شموع الشمعدان السداسي وتحلم بإقامة صلاة عند سور المبكى وتتدلى نجمة داوود من عنقك، أو إن كنت تصلي في منزلك أمام تمثال الإله “بوذا”، أو إن كنت كنفشيوسيا، أو إن كنت تعبد الشمس أو النجوم أو الشيطان ذاته، علينا أن نتفق في البداية على أن السياسية لا دين لها والساسه والحكام يعبدون آلهة أخرى!.

فما يحركك ويضبط سلوكك أنت أيها المؤمن لا يحرك هؤلاء إطلاقا – وذلك لطبيعة العمل السياسي والصراع الدائر في أجواءه- حتى ولو أعلنوا مرارا وتكرارا أمام كاميرات العالم عن هويتهم الدينية فهذا الإعلان في حد ذاته هو لترويج أفكار سياسية ولا يخرج عنها، فهذا الأمر لا يعنينا في شئ إطلاقا إن كانوا يعبدوا ما نعبد أو يتحايلوا بالآلهة أو عليها، خصوصا أن فكرة وجود الإيمان أو عدمه لا يمكن قياسها أو تقيمها لأن الإيمان – بأي شئ وفي المطلق- محله القلب أي جوهر الجوهر، ولا يمكن لأحد أن يتذوق ما ينضح عن قلب بشر!، فالمسموح به هو الحكم على السلوك أو الأفكار وفقط، إذن علينا أن نخرج الديني من لعبة السياسية تماما وبأي طريقة، ذلك إن كنا قد قررنا محو الجهل الذي خلفته ورائها وما زالت تنتجه سلطة الثنائية “الدين / السياسة”، ومن ثم سحق آلياتها التي تحاصرنا ليل نهار ومنذ سنوات وسنوات بعيدة.

فالعالم لن يخوض حربا عالمية ثالثة كما يحاول البعض ترويج الخوف والهلع للشعوب وتصدير فكرة نهاية العالم عبر الإعلام وأفلام السينما ليفر المؤمنون إلى مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم ويتقوقعوا أو يتشيؤوا في رمز ديني يحوم حوله المؤمنون الخائفون من غضب الإلهة،ويصبحون بوعي أو بدون وعي أبواق صدءة تردد التخاريف وفوضى الأفكار التي تثبت جذور رجال الساسه والدين أكثر في الواقعي، والضامن لهذا الإستنتاج الذي أعتقد صحته هو أن حكام العالم وملوكها والرؤساء الآن ورجالهم (…) المخلصون ودجالينهم المنتشريين في كل انحاء الواقع اليومي وقادة جيوشهم أذكى بكثير من الأجيال التي خاضت حروب عالمية في أزمان فائتة، وأبادت الملايين من البشر،والثانية هي رغبتهم المرضية في إطالة عمر حكمهم وسيطرتهم على شعوب دولهم بكل الوسائل وإلى آخر لحظة ممكنة!.

إذن لا مفر من ترتيب الوطن من الداخل أو بالأحرى ترتيب عناصر وخصائص مفهوم الوطن في عقلنا الجمعي” المصري / العربي”، ومن ثم إعادة إنتاج مفهوم “الوطن” حتى يصبح أكثر نقاءا بعدما يمر بعمليات تنقيه من الشوائب العالقة به، والتي استقرت على تفاصيله وأظلمته حينما عُجن ما هو ديني بالسياسي والعكس، وتحدث وتتطور – إلى حد ما – خطاب رجل الدين في اتجاه العلوم الإنسانية،واستخدمه سياسيا دون إخلاص حقيقي لرسالته الإنسانية المنتظره، وحينما أيضا استخدم رجال الساسه الدين في إقناع ضحاياهم بسياساتهم.

عادة ووفق التقليد المتبع تقع مسؤوليتي على أن أفسر أو أطرح بعض الأمثلة والنماذج لمفهوم الوطن لتقريب وجهات النظر والإطلاع أيضا على ما يدور في ذهني من مفاهيم حوله، لكنني أفضل أن لا أفعل. فالوطن هو كل مفهوم انطلق من وجهات النظر المختلفة وأقره أو اختلف عليه الوعي الجمعي حتى وبعد الإنحياز السياسي الواقع بين المواطن ووطنه المجرد والمتعالي والمرتفع عن أي انحياز سياسي.

فالحديث عن مفهوم “الوطن” حتى ولو كان جامع مانع واختزاله داخله هو بمثابة تسمية قطرة ماء بحرا!، فلا خلاف على أن قطرة الماء تلك تحمل في صورتها المصغرة صفات البحر، ولكن يبقى المتسع أو الكلي هو بيئة النقاش الخصبة والصالحة لخلق أنموذج المستقبل على أرض الواقع أو على أقل تقدير فهي تسمح بطبيعة الحال لبلورة مفهوم وطني للوطن يصلح للاستخدام الآني دون انحياز سياسي ضيق يشكل الوطن فعليا وواقعيا تحت درجة حرارة تُصهر الديني بالسياسي وتشوه التنوع والمرونة التي يتسم ويتصف بها الوطن، فصب مفهومه في قوالب جامدة اكتسبت صفات الجمود والتحجر من كل ما هو ماضوي ديني ثابت لذلك يبدو الوطن ككائن شرس غير قابل للترويض أو للتطور والاستحداث.

لا تعليقات

اترك رد