التقارب العراقي السعودي .. قراءة في ما وراء التفاصيل

 

الانفتاح على العراق مسعى دأبت المملكة العربية السعودية على تحقيقه خلال الفترة القريبة الماضية ، ولعل ذلك السعي السعودي الذي يقابله رغبة عراقية بالانفتاح على محيطه العربي قد تحقق على ارض الواقع بفعل دفع إرادات دولية أفرزت عوامل ممهدة لتقارب يقوم على أساس المصالح وحسن الجوار .
ويوصف العراق بالحليف القوي للولايات المتحدة ، وتتلاقى في هذا الإطار مصالح كل من بغداد والرياض ضمن حسابات القوى الدولية وتحالفاتها ، فالمملكة تعد هي الاخرى من ابرز حلفاء واشنطن في المنطقة ، اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار حالة البرود التي تجتاح العلاقات بين واشنطن وأنقرة خصوصا وان الاخيرة كانت على الدوام حليفا فاعلا للولايات المتحدة وعضوا ناشطا في حلف شمال الأطلسي ( الناتو )، وقاعدة لعملياته العسكرية .
والمؤيدون لهذا الطرح يميلون الى الاعتقاد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يحاول إذابة جليد الخلافات بين حلفائه بعد ان حسم امره بخوض غمار المواجهة مع طهران في محاولة منه لتوفير أقصى درجات الحماية لمصالح بلاده في هذه المنطقة .
هناك من يعتقد ايضا بان الانفتاح السعودي جاء نتيجة قرار خليجي بتفعيل العلاقة الراكدة مع العراق ونقلها الى مستوى اخر اكثر فاعلية ، واستثمار الظروف الدولية والإقليمية المؤاتية لاستقطاب العراق وربطه بمنظومة المصالح الاقتصادية لدول الخليج لتكون عنصر جذب له باتجاه عمقه العربي وعاملا مساعدا في التأثير على آلية صنع القرار السياسي في بغداد .
زيارة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير اللافتة والمفاجئة للعراق كانت الانطلاقة الفعلية والخطوة الأكثر واقعية لمحاولة تطبيع العلاقة بين بغداد والرياض . ولعل تلك الزيارة قد مثلت نوعا ما تجسيدا لعودة المملكة الى اُسلوب الدبلوماسية الناعمة الذي اشتهرت به على مدار عقود وتخلت عنه خلال السنوات الماضية لتجرب اُسلوب المواجهة المباشرة والحرب بالوكالة.
لقد أبدى السعوديون فيما سبق تحفظا على اعادة العلاقات مع بغداد بفعل تقاربها في المصالح مع حليفتها طهران ، وطبيعة العداء المستحكم بين السعودية وإيران بصفتيهما ممثلتين عن الاسلام السياسي السني والشيعي . وهو ما دفع الى الجزم بان زيارة الجبير كانت نوعا من إدراك متاخر من جانب السعوديين لخطأ توجهاتهم تلك ، الامر الذي حفزهم للعمل جادين على اعادة ترميم العلاقة مع الجار الذي يحاول طرح نفسه بقوة مجددا كلاعب إقليمي مؤثر والبحث عن شراكة سياسية واقتصادية دائمة تحفظ مصالحهم معه .
هناك من يرى أيضا بأن القوة المتنامية لبغداد وقدرتها على لعب دور مهم في إيجاد توازنات إقليمية مستقبلية شجعت المملكة العربية السعودية على اتخاذ خطوات فعلية في عملية الانفتاح على العراق وقواه السياسية المختلفة . إذ ان العراق بما يمتلكه من علاقات استراتيجية مع طهران بامكانه ان يكون مفتاح الحل لكثير من الملفات العالقة بين ايران والسعودية والتي كانت سببا مباشرا في احداث نوع من الفرز الطائفي والتسبب بحالة من التوتر الدائمة .
غير ان وصف التقارب العراقي – السعودي بصيغته هذه يأتي مغايرا لوصف اخر يعزو حدوث ذلك التقارب الى توافق إيراني سعودي في العراق، قد يكون بمثابة البوابة لتقليص حدة التوتر بين الطرفين في الملفات الإقليمية الأخرى، على غرار الملف اللبناني، وربما السوري أيضا .
الانتصار الذي حققه العراق على تنظيم داعش والقضاء عليه عسكريا بشكل شبه تام قد يكون هو الاخر سببا للتقارب بين البلدين ، فالمملكة من ضمن البلدان التي يستهدفها التنظيم وهي صيد ثمين بالنسبة له ، وهنا تخشى المملكة من خطر فرار العناصر الإرهابية من العراق وتسربها الى داخل الاراضي السعودية . الامر الذي جعل السعوديين بحاجة الى مقاربة أمنية من نوع خاص تضمن تأمين حدودهم الشمالية بمشاركة من الجانب العراقي وبالتنسيق معه ، وتضع العراق تحت مسؤوليات الحفاظ على أمن الحدود ، ويتجلى هذا الامر من خلال اتفاقيات تفعيل المنافذ البرية بين البلدين وإعادة استخدامها كممرات تجارية ومنافذ لنقل الحجاج والمعتمرين العراقيين بعد فترة إغلاق دامت لنحو ٢٧ عاما منذ غزو نظام صدام حسين للكويت عام ١٩٩٠.

لا تعليقات

اترك رد