حافظ الدروبي وبعده عن عوامل الصخب والإثارة

 

قبل البدء في الإستقراء والتمعن لأعمال ألفنان – حافظ الدروبي – تقودنا الذاكرة لعبارات تفوه بها أساتذتنا الرواد، أبان التدريس، أو الإلتقاء عبر محطات من الزمن. ومنها ما تسائل به أستاذنا في درس (الإنشاء) حافظ الدروبي، بكلام منفعل. . برغم سكونه النفسي المعروف، حين قال: هل ستستمرون في مواضبة الرسم وديمومة تواصلكم معه (الرسم) بعد التخرج؟ فأجاب هو لنفسه. . لا أضن ذلك. . وأقصد الأغلبية الساحقة، وقال حسب مالمسته وتابعته بنفسي عبر عقود من الزمن من ألذين تخرجوا على أيدينا. إنهم يتعينون في التدريس، وينشغلون في جانب واحد هو أمتهانها كوظيفة فقط، يكتفي بها. . وآخرون في مهن وأعمال أخرى، ليست لها صلة بالفن ومنها الرسم. تلك التساؤلات تجسدت أكثر تطبيقا، حينما تزامن تخرجها مع الحروب المشتعلة لسنوات طويلة، ثم أعقابها حصار دامي ومقرف، جعلنا الأغلبية، وأنا من بينهم نبتعد عن ألفن ونشاطه المفترض والمهم في التواصل والتطور،

فضلاً عن هجرة البعض لممارسة أعمال أخرى، تسعفهم في لقمة العيش ومتطلبات الحياة، أما من بقي متواصلا في الغالب وبشكل محدود أيضاً من تواصل في الدراسة في الكلية ذاتها، ومن لديه إمتدادات إنجازية تسبقنا، من أجيال وعلاقات خاصة مع الأساتذة وبطرق عديدة.. أنا شخصيا إنقطعت عن التواصل في الوسط ألفني والكتابات التي نشرتها عام ,1980 منذ تخرجي عام 1981 لحين عودتي من التدريس في ليبيا أبان عام 2000، لقد عدت ثانية بعد سحبي إلى الوسط ألفني من خلال ليبيا، بعد إن قررت مسبقا مغادرت ألوسط ألفني الذي لايعيش البشر، ولاتقدر الجهود والكتابات المبذولة وقتا وأمعانا وتركيزا، ولكن سؤال هل تندمت إلى العودة والأستمر في التواصل، وخاصة مع بلاد الأصل والمنشأ؟ يكون الجواب بمحورين: أولهما لاندم. . لأن أرواحنا وسلوكنا السايكلوجي منذ النشيء سلك وأصطحب هذا الإختيار.ثانيهما. . يتعلق بالتفسير والتحليل لنتائج مكانة ألفنان والباحث. . بدأ يتلاشى. . للأجيال الحالية تحديداً، لأسباب عامة وعالمية، هي تركيز المجتمعات على الجوانب المعيشية والمنفعية، وتلاشي مفاهيم التفريق بين أعمال الأصالة وبين الأعمال المطبوعة بأسعار بخيسة، وفي الوقت ذاته تجاوزت المجتمعات تقييم وفرز. . نتيجة الأختلاطات المزدوجة بين المهنية وأصول ألفن. . بمعنى ممكن أي شخص صاحب مهنة أشبه بالنجار والحداد أن يقوم بإنتاجات فنية مطبوعة بواسطة الأجهزة الإلكترونية وبأسعار كأسعار الأعمال الصينية المطبوعة والسائدة، والتي يستسيغها الأغلبية،


كون المتذوقين في رقيهم أيضا في مجال محدود. تلك الأمور قد أثار تساؤلها أساتذتنا الرواد ومنهم الفنان – حافظ الدروبي – وهل قام زملائي آنذاك بحفظ هذا التساؤل، وربطه بهذه التبدلات المعاصرة؟ لا أضن ذلك.ونعود مرة أخرى، إلى موضوعنا عن الرسام حافظ الدروبي الذي ولد عام1914، يعد واحدا من أهم الرسامين الإنطباعيين، وهو أحد أركان الحركة الفنية في العراق، ففي عام 1936 أقام أول معرض شخصي في بغداد، وفي عام 1942 اسس أول مرسم حر في العراق، بعدها درس الرسم في لندن، حيث عاد منها الى الوطن عام 1949، وقد تأثر الدروبي بالتيارات والأساليب الشائعة في أوروبا أو بالذات الإنطباعية التي أكدت على أهمية اللون وتغيره حسب تغير الوقت وقد ترأس الدروبي أكبر جماعة فنية ساهمت في نشاطات كثيرة وهي (جماعة الانطباعيين) .

لقد كان الرسم لديه هو الحياة النابضة، المرتبطة بالتذوق الإجتماعي العام، والمقبول نفسيا في مراحل الأسترخاء والتمعن النفسي والتراثي، بعيدا عن إنعكاسات صخب الأحداث المتوالية في البلدان في المنطقة العربية ومنها العراقية. أي تجاوز إثارة الجدل والأسئلة، مقارنة مع أعمال جواد سليم وكاظم حيدر. حيث ترتبط أعماله بنمو الإحساس المرتبط بالبيئة العراقية، وغير المبتعدة عن التجارب المعاصرة، ويتناول الأسترخاء والمودة، لقد كان يعيش الأحداث ويكتمها في النفس بأسلوبه الذي يسوده الهدوء والارتباط بهواجس المشاعر، أعماله وخاصة الأخيرة تستلهم جماليات الحياة الإجتماعية، من خلال التركيز على أجواء البيئة والطبيعة المحيطة له ولمجتمعه. ولم يخضع كليا إلى مراحل الإلتزام بقواعد ومناهج الإنطباعية أبان مؤسسيها – مانيه ومونيه وسورا وفروعها الأخرى مثل التنقيطية وغيرهما. تم ذلك التميز والإختيار من خلال مهاراته الأسلوبية الخاصة، سواء في التكنيك أو رسم الموضوعات التي ترتبط بضفاف نهر دجلة والبساتين والحقول.


وفي الوقت ذاته قطع مسيرة متنوعة من التجريب في الأساليب، منها الفن التجريدي والتكعيبي و لكنه كان متحمسا للواقعية ويعتبر رائداً في الرسم بشكل عام، وفي أسلوبه الخاص الذي يقترب من الإنطباعية، برغم إختلاف أسلوبه الواضح عن أصول الإنطباعية المعروفة.

وبالرغم من انه لجأ الى تأسيس أكثر من جماعة فنية، إلا أن أسلوبه مختلف في وقع الإثارة والتأثر والإقتداء. . كما في إسلوب فائق حسن مثلا، أو جواد سليم في النحت، أو شاكر حسن آل سعيد في التجريد وترك الأثر في البعد الواحد. . وفي الوقت ذاته توازي تلك الأمور تأثيرات دوره الكبير في قيم جمالية الهدوء والإسترخاء وأنغام الإيحاءات للطبيعة المتداخلة مع تراثها الشعبي والإجتماعي للبلد من ضفاف المياه لنهر دجلة والأبنية المعمارية الفلكلورية. لقد ابتدأت مواهب( حافظ الدروبي ) الفنية ، عندما لاحظ والدته وهي تطرّز أغطية الفراش والمناضد ووسائد الأرائك وأسرّة النوم، وكم بهرته تلك الخيوط الملونة والجميلة التي تتحوّل على يد والدته إلى طيور وأزهار وكلمات خضراء على هذه الحاجات المنزلية.في مدرسة العوينة، تعلّم ألفنان – حافظ – الرسم على يد( الأستاذ توفيق الشيخ أحمد الشيخ داود)، الذي كان يدرّس الرياضة والرسم معاً. ثم تتلمذ على يد( الأستاذ عبد الكريم محمود )، الذي أكتشف فيه حب الرسم وفضول التعلم ثم تعرفه على أسماء بعض الرسّامين المهمين من خلال أخيه ( عبد الواحد الدروبي ) الذي كان يعرف ( محمد خضر و أكرم شكري وإسماعيل السامرّائي )، وقام بإستنساخ لوحة السامرّائي : ( شخصان يدخنان النارجيلة ) وهو لم يكمل الإبتدائية.بعد إكمال دراسته الإبتدائية يدخل ألفنان – حافظ – الثانوية، التي تقع في القرب من القصر العبّاسي، فيتعرف على ( الأستاذ شوكت سليمان الخفّاف ) الملقب ب: ( شوكت الرسّام ) الذي كان ،أستاذاً للعديد من فناني بغداد المهمين.في هذه الفترة يبدأ الدروبي برسم المواضيع الشعبية، وفي نفس الفترة يجرّب الرسم بالألوان الزيتية، وبينما ينهي ( اكرم شكري ) دراسته الثانوية ويذهب في بعثة لدراسة الفن الى بريطانيا، يعيد(حافظ الدروبي ) الصف مرتين.

في عام 1931 ، يقام المعرض الصناعي – الزراعي ببغداد، ويضم فعاليات المدارس، فتدخل أعماله إلى جانب أعمال الفنانين الذين ساهموا في المعرض، ويتعرف على ( فائق حسن ) الذي كان في الصف السادس الإبتدائي آنذاك وكذلك على (جواد سليم ) الذي كان عمره لا يتجاوز الثانية عشر عاماً. ومن الجدير بالذكر أن (الفنان اكرم شكري ) أرسل لوحته الشهيرة :(ضباب لند )، التي تعتبر أول لوحة إنطباعية عراقية ، وهي تنفي أثر الفنانين البولون على الفنانين العراقيين فيما يتعلق بتعرفهم على الإنطباعية ،لأنها مؤرخة في عام 1931 والبولون وصلوا العراق عام 1943، وهذا ما سوف يتكلم عنه (حافظ الدروبي) في محط ذكر ميوله الإنطباعية، إذ يؤكد تأثره بلوحة (ضباب لندن).أكمل ألفنان – حافظ الدروبي- من الثانوية عام 1932، لكنه لم يذهب في بعثة كان يتمناها، بل تعين موظفاً في مديرية الطابو، إلا أنه بسبب طبعه المختلف عن روح الروتين والطاعة البيروقراطية، لم يتحمل إسلوب العمل فيها فقدم إستقالته منها، معطياً لهوايته في الرسم وقتاً اكبر ومتوجهاً إلى الطبيعة لرسمها بالألوان مباشرة ، وفي نفس الوقت يتم تعيينه مدرساً للرياضة البدنية في (مدرسة التفيض الأهلية)، حيث يتعرف على الفنان (عطا صبري) زميله في المدرسة ومدرّس الرسم فيها.كان الفنان حافظ الدروبي إلى جانب حبه للرسم ، رياضياً وموسيقياً يعزف على آلتي(العود والكمان) وهاوي تمثيل أيضا، لكنه يقدم على أجرأ حدث في عام 1936، لم يقم به غيره من الفنانين، إذ يقيم المعرض الشخصي الأول له وهو أول معرض شخصي لفنان عراقي،يحتوي المعرض على عشرين عملاً في مختلف المواضيع، التي كانت شائعة في ذلك الوقت. ويعجب رئيس الوزراء(ياسين الهاشمي) بأعمال الفنان، ويأخذ عملاً من اعماله كهدية، يقدمها له وزير المعارف، مما سهّل وقرّب فرصة الذهاب ببعثة فنّية لدراسة الفن في أوربا، وفي نهاية العام يتم قبوله في البعثة وخلال هذه الفترة، يتعرف على الفنان ( عيسى حنّا ) والفنان (زيد محمد صالح).كان حافظ قد بدأ برسم الموديل الحي وأخذ يدرس الوجوه البشرية

ويكثر من رسم البورتريت. وفي عام 1937 يذهب حافظ وعطا صبري الى إيطاليا لدراسة الفن، ويدخل محترف الفنان الإيطالي( كارلو سيفيرو ) فيتعرف من خلاله على أصول الفن الغربي وتقاليد المدرسة الإيطالية وتراث عصر النهضة. ويجتمع هناك مع عطا صبري وجواد سليم ، فيدخلوا مرسم الفنان ( لبينسكي ) – دراسة حرّة – لفترة قصيرة، إذ تدخل إيطاليا الحرب، وتتعطل الدراسة ويعود الجميع الى بغداد عن طريق الموصل، ليستقبلهم ( المربي ساطع الحصري ) فيها، ويطلعهم على آثار العراق القديمة في متحف الموصل.

البنية الإنشائية
تتكاثف وتتعدد مفردات التكوينات الإنشائية عند الفنان – حافط الدروبي – في أعماله الفلكلورية بحركات منحنية وأخرى دائرية كاملة الدوران, تجمع تكنيكاتها المهارية بين التكعيبية المختلفة الأبعاد وبين مناخها الإنطباعي المبهج في التأمل والإسترخاء .. تلك الصفة من الأداء تسود المفردات التكوينية مع فضاءآتها المحيطة والمتداخلة بين الأشكال التي تمثل تراث وفلكلور شعبي ..


يحاكي محيط البيئة التي ولد فيها وتداخلت مع هواجسه الذاتية والفكرية المتعلقة بخزين الذاكرة, نلاحظ أشخاص تسرهم المودة ويجمعهم التآلف الإجتماعي .. الذي يؤكد صفاء القلوب والوحدة الإجتماعية التي تخلو من المداخلات التخريبية المعاصرة التي تكالبت بعنف من مصادر خارجية على البنية الإجتماعية التي قطعت شوطا كبيرا عبر العصور في أرض واحدة وأعمال مشتركة ونسب متداخل أسري، وإجتماعي وعشائري, لقد كانت مهمة الفنان ومنهم الرائد – حافط الدروبي – هي ترسيخ التآلف والمجبة .. وتجسيد الجوانب الإجتماعية بإيجابيات التي من خلالها تستقر الأمم وتبنى الحركة والإعمار, ومن الصفات السائدة لأعماله تقاليد ومناسبات إجتماعية في حالة الأسترخاء والمحبة لرجل جالس مع زوجته أمامهم معادن ومواد فلكلورية وهي تمسك بآلة العود, وفي أعمال أخرى زوارق تأخذ صيغة من أنماط الإسلوب الذي يجمع مابين الإنطباعية المتحررة من أصولها التقليدية, وأخرى بيوت وأزقة وشناشيل بغدادية مبسطة في صيغ إنتاجها الادائي, الذي يميل إلى بساطة التعقيد ونحو البناء التصميمي. وأجزاء لنخيل ومايحيطها من بيئة بإختزال واضح, ولكن بألوان تبعث جانب الحيوية والتمتع الإبصاري.

لا تعليقات

اترك رد