الرموز لغة حيّة !

 

الرموز هي رسم او شكل أو نقش يعبر عن فكرة او رسالة ما دون الحاجة الى التكلم.

تواجدت الرموز منذ فجر البشرية لغاية يومنا هذا. أستعملها الانسان القديم للتعبير عن كل ما يتعلق بحياته اليومية من صيد ، سفر وأحداث. تتواجد على جدران الكهوف، على جدران الابنية، في المعابد من خلال الاصنام المتعددة الاشكال التي بناها للعبادة، في القصور ومراكز التعليم وفي كل ركن من أركان الحياة.

تطورت الرموز مع الزمن ومنها نشأت اللغات سواء المنحوتة كاللغة الهيروغليفية، أو الصوتية كالابجدية الفينيقية، والصورية الرمزية التي استعملها الاغريق والرومان الخ. لغات ساهمت في حفظ العديد من الحضارات القديمة من الزوال وسمحت لنا التعرف على شعوبها وعاداتهم.

استعمال الرموز امر شائع بين كل الشعوب، حتى أنه أعتَمد العالم اليوم رموزا مشتركة تمّ الاتفاق على استعمالها بين كل الدول. كأشارات السير، الاشارات الطبية، الفضائية، السياسية الدينية (كالصليب، الهلال، نجمة داوود واللائحة طويلة). جميع هذه الرموز تعبر عن الحياة اليومية وفلسفة الشعب وعاداته. ألأنسان بحاجة الى هذه الرموز كما القصيدة الشعرية بحاجة الى الموسيقى في تناسقها، كما المتدين بحاجة الى رمز يتجلى من خلاله الله، كما الطبيعة بحاجة الى النسيم للشعور بمجد الهواء.

النقطة الاهم في طرحي لموضوع الرموز اليوم، هو التحدث عن أهمية الطاقة التي تدور جميع هذه الاشكال في مدارها. مثلا الارقام وأحرف الابجدية، هي رموز تحمل طاقتها حسب شكلها. وكل ديانة حملت رموزها التي تتميز،هي ايضا، بطاقة خاصة بها تدور كالهالة حول شكل كل رمز وتختلف باختلافه. هذه الهالة نراها مرسومة للتذكير فقط بالوهية الخالق والعظمة الكونية التي يدور في فلكها كل ما هو حي وجماد.

في مقالة سابقة لي، تحدثت عن الطاقة البشرية المتداخلة كليا بالطاقة الكونية بشكل متواصل ومدى الحياة. ومعها تاتي طاقة الحيوان والجماد. والرموز هي جزء من هذا الجماد الحي بفضل الطاقة التي تغلفه هو ايضا. هذا ما يحصل في الرموز الدينية مثلا التي نعتبرها مقدسة، ليست لانها مقدسة في الحقيقة ولكن الفكرة التي زرعناها في هذا الرمز هي التي تعطيه هالة القداسة، لان الفكرة هي من أقوى شحنات الطاقة اطلاقا. عندما يقدسون عند المسيحية الصليب، لا يعني أنهم عبدة أوثان ابدا، بل هو رمز اساسي لالوهية المسيح وآلامه. وكذلك الهلال والنجمة واستعمالهما في الزينة لا تعني عبادتهما بل يرمزان فقط الى النور والهداية. استعمال التماثيل في المنازل ليس عبادة للاصنام بل هي ترمز الى مبادئ ومراحل سامية في تاريخ شعب.

أعجبني قول صيني جدا سمعته في المستشفي حيث كان يتم علاج زوجي حينها. أتيت بباقة من ريش الطاووس الى غرفته لانه كان يحبهم، واذ بصديقي الباكستاني يقول لي: لا يا سونيا لا تضعيها هنا لانها فائل شر، ويجيبه صديقي الصيني ويقول له: لا يا مانيك، الفكرة التي تضعها انت شخصيا في هذا الشيئ، يصبح هو الرمز بالنسبة لك انت وحدك. أنت تضع جزءا من طاقتك فيه” !!! كم أعجبني هذا الرد وكم هو صحيح. منذ هذا اليوم أصبح صديقي مانيك يحب ريش الطاووس. فالرمزو هي لغة أحاسيسي حية.

عندما ننظر الى الرموز من هذا المنظار ، سنحترمها ونحترم شعوبها ومجتمعاتها. كل شيء في الحياة بالنهاية رمز. مثل رداء العروس الابيض، الورد الاحمر للحبيب، الايقونة المشبعة بالصلوات ونور المحبة، اشارات السير التي وُضعت لحماية المواطن، الاحجام الحسابية بدوائرها مربعاتها وبقية الاحجام، الرموز الطبية التي رسمت في الاصل لتعبر عن التفاني في خدمة الانسان والتي تنظم العالم الطبي باسلوب مفهوم من العالم أجمع، اللوحات الفنية التشكيلية المليئة بالرموز الغير مباشرة احيانا باشكالها، والمباشرة بألوانها التي يرمز كل لون فيها الى تفسير معيّن… القصيدة المشحونة بالصور الشاعرية تسلب الالباب برموزها, ويمكنني التعداد الى ما لا نهاية.

أدعوكم الى هواية رائعة وممتعة للغاية الا وهي البحث عن الرمزو وتفسيراتها. ستعشقون البحث وستتمتعون باكتشاف الثروات الفكرية والاجتماعية لكل الحضارات والشعوب. دراسة تفتح لنا باب العالم على مصراعيه ننهل منه كل ما هو جميل وثمين، يرتقي بنا الى اسمى مراتب الألهام الشخصي ومن يعلم، قد نبني كل واحد منا رموزه الخاصة به يوما ما، او قد نخترع رموزا جديدة تكون نقطة تحول في التاريخ، كما فعلت سابقا الابجدية الفينيقية… ! يحيا العلم وتحيا الرموز الحية.

شارك
المقال السابقلايمكن أن نزرع ويحصد الآخرون !
المقال التالىقلوب لا تذوب
سونيا نعمة الله الحداد، شاعرة وأديبة لبنانية - كندية، تكتب الشعر والفلسفة التشكيلية بلون ثصوفيّ. ديبلوم في العلوم السياسية والأقتصادية من الجامعة اللبنانية. ديبلوم في التصميم الغرافيكي، في المركز الكندي الشهير (أيكاري). أخصائية في التنويم المغناطيسي ومعلم ريكي(العلآج بالطاقة). رئيسة ومؤسسة المركز....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد