لايمكن أن نزرع ويحصد الآخرون !


 

تعيش تونس في الآونة الأخيرة ظاهرة خطيرة جدا , ستكون لها عواقب وخيمة على مستقبلها وتشكل عائقا حقيقيا أمام تحقيق التنمية والتقدم . فبلادنا اليوم تعاني من استنزاف لثرواتها البشرية المعرفية والعلمية بشكل ينذر باخلائها من عقولها وأدمغتها التي تعتبر منارة في جميع المجالات التكنولوجية والعلمية .
مما لاشك فيه أن الهجرة الاختيارية لبعض من أفراد المجتمع بحثا عن فرص أفضل للحياة , هي ظاهرة طبيعية , ويكون لها فائدة في توسيع الخيارات أمام البشر وتبادل الخبرات والاطلاع على الثقافات الأخرى , لكن عندما تتحول هذه الظاهرة من الفردية الى المجتمعية وتؤثر سلبا على المجتمع , حيث تتسبب في نقص الكفاءات المتميزة والقادرة على احداث التغييرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفكرية المرغوبة بالمجتمع , فانها تعتبر نزيفا للكفاءات وهدرا لمقدراتنا البشرية من باحثين وأساتذة ومهندسين وأطباء ….لقد أصبحت تونس من بين الدول الأكثر تصديرا للعقول وللكفاءات . فهي تحتل المرتبة الثانية عربيا , حسب ما أفاد به وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي ( الاربعاء 16أوت 2017) . ووفقا لتقارير رسمية وطنية ودولية , نرصد حجم تفاقم الظاهرة وتزايدها خلال هذه السنوات الأخيرة , فهي بمثابة الكارثة التي ستؤدي الى تجفيف مجتمعنا من عقوله المتميزة ومن كفاءاته . فما هي انعكاسات هذا النزيف البشري على بلدنا واقتصاده وتقدمه ؟ وماذا ستفقد تونس بفقدان عقولها المتميزة والمبدعة المهاجرة ؟ ألا يكفي استنزافا لمقدراتنا البشرية وكيف نحاصر هذه الظاهرة للحد من تناميها ؟
كما هو ثابت أن مثلها مثل كثير من الملفات التي أفرزتها هذه السنوات بعد 2011 , ما يزال ملف هجرة الكفاءات الى الخارج تؤرق العائلة التونسية والمجتمع برمته . فهؤلاء بعدما درسوا في الجامعات التونسية وتخرجوا فيها وأنفقت عليهم الخزينة العمومية الأموال الطائلة , لكنهم يهجرونها باتجاه العواصم الغربية والدول المتقدمة , ويفضلون الاقامة فيها بحثا عن فضاءات أرحب للبحث والعيش الكريم . ولقد عكست أرقام أخر احصاءات لكتابة الدولة للهجرة , أن 57 ألف طالب اتخذوا قرارهم بمواصلة تعليمهم في الخارج ,وبالخصوص في الدول الأوروبية والكندا وأمريكا ولا يعودون منهم الى تونس سوى 10 %, كما بلغ عدد الكوادر التونسية في الخارج 83 ألف و529شخصا , ليحتل الأساتذة الجامعيون والباحثون المراتب الأولى بنسبة 29 %, فضلا عن ذلك أن 83 % من الكفاءات في تونس ترغب في الهجرة , بحثا عن فرص أفضل ومعظمهم من الأساتذة الجامعيين والاطباء والمهندسين .
ولعل ذلك يشير الى مدى تزايد ظاهرة الهجرة في تونس وبالأخص الأعوام التي تلت ” الثورة “, حيث شهدت البلاد نزيفا حادا من الكفاءات والخبرات والمهارات البشرية , لم تشهده من قبل , نظرا للأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية المتردية . فما هي أبرز أسباب هذا النزيف الذي اذا لم يتوقف ستخلو تونس من كفاءاتها ؟
المؤكد أن من أهم العوامل الدافعة للهجرة , هي عدم توفر العمل المناسبة لهم ولمستواهم العلمي والمهني , وان أكثر الذين يستجيبون للهجرة هم من فئة الشباب بسبب عدم توفر فرص عمل تناسب مستوياتهم العلمية وخبراتهم . فالبطالة هي التي تدفع العقول الى الهجرة نحو دول يزداد فيها الطلب عليهم , وتتوفر فيها فرص عمل وظروف حياة أفضل , حيث يرتفع مستوى الدخل مقارنة مع ما هو سائد في تونس , ففي الوقت الذي يتقاضى فيه المفكر أو الطبيب أو المهندس أو الأستاذ …سوى ما يسد به رمقه وبما لا يتجاوز حد الكفاف في بلده , يجد نفسه في حالة من الرفاهية عند وصوله الى بلد المهجر نظرا للامتيازات التي تقدمها له من دخول مرتفعة قد تصل الى أضعاف ما يتقاضاه في بلاده و من مكافآت . اضافة الى ذلك انخفاض ميزانية البحث العلمي التي تحد من طموحات الكفاءات البحثية والعلمية , مما يشكل من ناحية عقبة أمام العلماء والباحثين في انتاجهم وفي وضعهم المادي وعدم قدرتهم على نشر أبحاثهم العلمية , ومن ناحية أخرى عامل احباط يدفع بهؤلاء الى البحث عن وطن بديل يوفر له كافة الأدوات والمتطلبات لتحقيق طموحه العلمي وتحسين وضعه المادي واحترام ذاته وشخصه وعلمه . كما تعتبر المحسوبية وانتشار الفساد من عوامل هجرة الكفاءات العلمية والفنية , حيث لا تمكن من تبوء المناصب القيادية في الجوانب الادارية أو السياسية , بل تذهب لأبناء الشخصيات المعروفة أو لأصحاب انتماءات معينة , وينتج عن ذلك عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب , الأمر الذي يؤدي في أغلب الأحيان استبعاد الكفاءات من مركز القرار الاداري والسياسي , وهذا يعني أنه لم يعد التعليم والشهادة والكفاءة هي التي تحكم آلية الاختيار والتنافس , بل يتم عن طريق العلاقات والارتباطات الاجتماعية والفئوية , الأمر الذي يضطرهم الى ترك الوطن والانتقال الى بلاد المهجر بحثا عن مكان لم يجدوه في مجتمعهم الذي لا يقدر طاقاتهم وقدراتهم العلمية والمعرفية , بل أحيانا يتعرضون الى التهميش والتحقير وحتى العنف (ما شاهدناه تجاه الاطباء في بعض مستشفياتنا و تجاه الأساتذة والاداريين والمبدعين والفنانين ….) .
والأخطرمن ذلك كله في أن عددا من هؤلاء ,الذين يعملون في القطاعات التنموية الحيوية خاصة مثل قطاعي التعليم والصحة , باتوا يفكرون في الهجرة , وهذا يمثل خسارة مهمة ونزيفا للعقول يعيق بشدة أية جهود تنموية قائمة أو مستقبلية لبلادنا ! فهل هذا الملف الخطير استنفر بعض السلطات في الدولة أو بعض من مكونات المجتمع المدني للاهتمام به واقتراح الحلول لتطويقه لما له من عواقب وخيمة على مستقبل بلادنا ؟؟ .
مما لا شك فيه أن هجرة نوعية كهذه , وأن نزيفا ينخر النخبة العلمية والتكنولوجية للبلاد , ستكون له أبشع النتائج على تونس , وسيجعل الدول المستقبلة لكفاءاتنا وخبرائنا تسير نحو الأحسن , فيما نحن نسير نحو التقهقر والانحدار , فهجرة أي كفاءة تونسية نحو الخارج يشكل افقارا لبلدنا . فهذه العقول تحتاج اليها تونس أكثر من أي وقت مضى , هي دعامة للتنمية وعوامل دفعها والأساس في كل تطوير وتحديث . ومن ثم يظهر بشكل جلي مدى الخطر الذي يتهدد بلدا رأسماله الأساسي ثروته البشرية , فعقوله المتميزة والمبدعة ان هجرته تجعلنا نسير الى الوراء , عوض أن يصدر القيمة المضافة التي تنتجها هذه العقول , فانه يصدر هذه الأدمغة لتساهم في تنمية البلدان الأخرى ! ومن المفارقات العجيبة والمحزنة أن تونس تخسر الملايين على تعليم وتكوين مواطنيها , وبعد حصولهم على الشهائد العليا تسمح لهم بالهجرة ليستفيد من كفاءاتها الآخرون ويوظفونها في تنمية وتقدم قطاعاتهم الانتاجية والخدماتية ! لايمكن أن نزرع ويحصد الآخرون !!! ما العمل اذن ؟ وكيف يمكن أن نعالج هذه الظاهرة ؟ وهل هناك حلول عملية لاعادة الموهوبين والأدمغة المبدعة وحملة الشهادات العلمية وأصحاب التخصصات النادرة الى أرض الوطن ؟ لماذا لا يكون لدينا في تونس استراتيجية استقطاب الكفاءات في مجال التفكير والتخطيط الاستراتيجي وادارة الموارد ؟
من المؤكد أن سبب هذا النزيف المتواصل لهجرة الكفاءات التونسية , يعود الى فشل سياسات الحكومات المتعاقبة على تونس , مع غياب برامج واستراتيجيات واضحة لتوفير فرص الشغل في ظروف مواتية ,تضمن الكرامة لشباب كانوا يفضلون البقاء لخدمة بلدهم , قبل أن يضطروا الى مغادرته بحسرة , ليستقروا في بلدان أجنبية تحضنهم مستفيدة من خبراتهم ومؤهلاتهم العلمية العالية . لا محالة يخطئ من يظن أن التونسيين في الخارج لايحلمون بالعودة الى وطنهم ليساهموا في بنائه , وخاصة في هذه الفترة الراهنة , ولكن دون التقليل من شأنهم وقدراتهم التي تفوق أحيانا من يتربعون على كراسي مؤسساتنا الوطنية ,فلن يخدم تونس الا من شرب ماءها !
لنعيد اليوم حساباتنا من جديد , خاصة في هذه الفترة الحرجة من تاريخ بلدنا , حيث نحن بأمس الحاجة الى كفاءاتنا العلمية والتقنية والى الأيدي العاملة المدربة والقادرة على النهوض بتونس الى مستوى الطموح , لذا على السلطات التونسية أن تجد حلا لذلك وأن لا تبقى تلعب دور المتفرج , الذي ينتظر قدوم الحل , فكما قال آدم سميث ” ان ثروة الأمم هي القوى البشرية المؤهلة ” , فلماذا اذن تهاجر ثروتنا البشرية المؤهلة ونحن للأسف ننظر مكتوفي الأيدي وكأن الموضوع لا يعنينا ؟؟؟ !!! .

لا تعليقات

اترك رد