بغداد من العصر الذهبي الى العصر الرمادي

 

بقي عصر هارون الرشيد يطلق عليه ذهبيا الى يومنا هذا وقادة اليوم صنعوا لنا بهتافاتهم الدينية الرنانة عصرا رماديا امتزجت فيه الحقيقة مع الخيال واختلطت الوقائع مع الاساطير الى أن اختفت ملامح وقسمات ثورة الحسين التي ضحى بها من اجل المبادئ والقيم الإنسانية وظهرت صوره اخرى لا تسمع فيها سوى النحيب والبكاء واللطم والصراخ مجرده من النظام والجمال فيها الكثير من الموروث الشعبي وما هو مدسوس من البدع الدخيلة على المذهب كالتطبير والتجاوزات على الأرصفة تحت مسمى مواكب حسينية وتعطيل الحياة لأسابيع متواليه وتأخر المدارس في منا هجها جراء العطل بسبب كثرة المناسبات الدينية كفانا نعيش مكبلين بأسوار وضعها أشخاص ماتوا منذ قرون طويله وبقينا أسارى خلف قضبان تقاليدهم الصماء وصدى اصواتهم المبحوح من النوح فأن ذلك هو الموت بعينه وكما يقول بابلو نيرودا (يموت ببط ذلك الذي يصبح عبدا لعاداته قاطعا كل يوم نفس الطريق ) فمنذ الاف السنين ونحن نمارس نفس الطقوس بلا تحديث يذكر ربما بدأت تزداد وتتحول الى حالة توقف للبلد حتى الوافدين من البلدان الاخرى لأداء مراسيم الزيارة صاروا يتعاملون معه كحضيره وليس بلد الحضارة فهم يفترشون الطرقات بمنتهى الفوضى وما يؤلمني يا ساده أن هؤلاء في بلدانهم يتعاملون مع بكل بقعه من ارضهم بمنتهى القدسية قبل 9 سنوات تحديدا سافرت مع اهلي الى ايران لا زلت استذكر كيف تعامل معي ذلك الجنائني حينما سحرني منظر الزهور بتلك الحديقة التي كان مسؤولا عنها والاجمل ان الحدائق منتشرة بكل الطرقات فأردت ان ادخل لأتأمل جمال الازهار عن قرب واداعب ماء النافورة بيدي وما شدني اكثر عنايته بالمزروعات بكل الحب والحذر فعندما عزمت على الدخول فوجئت به يشير الى حذائي لأنه لم يكن يتحدث العربية فكأنه كان يريد أن يقرأ الآية ( فأخلع نعليك أنك بالواد المقدس طوى )هكذا تكون روح المواطنة الحقيقة التي زيفها سماسرة الكراسي الوثيرة فهي ليست شعارات تردد بخطاباتهم بل حرص وانجاز ومحافظه على البلاد بالرغم ان ايران بلد اسلامي لكن فيه نظام وتطور مستمر وطقوس محرم في بلادهم تمارس داخل المساجد وتفرض غرامات على كل من يحاول ان يسير بمواكبه بالشوارع ويعطل مسيرة الحياة اما ان الاوان لنلبس طقوسنا الدينية ثوبا عصريا بعد ان ارهقتها عباءتها السوداء التي تضم تحت ردائها الكثير من البدع والجهل والفوضى صارت تقيم حصارا فكريا حول العقل وتعزله عن ممارسة اي نشاط اقتصادي ذي قيمه ويخدم البلد هل ستبقى التقاليد هي القوى الكامنة وراء العرش والحكم الاخير الذي يقضي في حياة الانسان فحينما تجوب عيناك شوارع بغداد من خلف نوافذ السيارة لتبحث لها عن محطة تأمل وجمال سرعان ما ينتابها الملل ويرهقها تكرار القبح المتفشي هنا وهناك رغم سرعتها وكل شيء يمر امامك كالبرق لكنك تشعر بالاسى عندما تشاهد النفايات بنهايات الشوارع والأرصفة تحتضر اختناقا من صفيح الحديد الذي أتشح باللون الاسود او ما تسمى بالمواكب التي بنيت عليها بشهر محرم وبقيت ثابته تشوه منظر الطريق العام ولم تترك حتى مسافة لعبور المارة او محطه لانتظار الحافلة كلما مررت سمعت انين الأرصفة واستغاثتها وكأنها تلقي اللوم على كل مثقف وفنان يرى ذلك القبح ويقف مكتوف الايدي من سيكسوها بحلة جديده بعد أن هرمت وصارت ترتدي ثوب الحداد
يراودني دائما تساؤل لو كان الامام الحسين حيا هل سيقبل بتلك الفوضى العارمة وقرع الطبول الي يفزع النائمين والمرضى بمنازلهم وكرفانات التفتيش اليدوي العشوائية المنتشرة في المناطق التي يدفن بها الاولياء الصالحين والتي لا جدوى منها سوى هدر للزمن وخلق الازدحامات ودعاة الحب والولاية الذين خلعوا ثوب الزهد وعلقوا صورهم بكل مكان اليس الفقراء احق بمبالغ تلك الصور الكبيرة للذين صاروا يضيفون لكل شيء مسحه من القدسية التي هيمنت على المجتمع وانتفى حتى القانون بالتالي كل ما يحدث هو من افرازاتهم وليست تطبيقات دين فكل نظريه لها تطبيقاتها فمثلا النظرية النسبية تطبيقها هو اختراع القنبلة النووية لذا فالإنسان ليس احد تطبيقات الدين بل هو احد إفرازات المجتمع فهو يختلف من بيئة الى أخرى وهذه التطبيقات المذهبية لا تمت صله للدين بل من صنع رجال الدين تماشيا مع مصالحهم الشخصية . فهل ستبقى امنياتنا مقصوصة الجناح ونكتبها على ورق يطير مع الرياح . ماذا لـــــــــو أستبدلنا الحواجز الكونكريتيه بالمنحوتات ؟
ماذا لو تم تحديث طقوس محرم وجمعنا كل تلك المبالغ الطائلة لنشيد بها نافورات ومنحوتات فنيه بالطرقات ونزرع الاشجار على الأرصفة نرمم المدارس والمستشفيات لنجسد بذلك محبة الحسين ؟
ماذا لو تجمعنا بتلك الحشود لتنظيف شوارعنا ؟
في بلدي اشتبكت العادات والتقاليد مع الدين كما تشتبك خيوط كرة الصوف ببعضها في مخالب قطة المنزل ولا سبيل للخلاص منها .

لا تعليقات

اترك رد