دلالة المفردة في ديوان عزف على وتر الروح


 

عزف على وتر الروح الديوان النثري الثاني للشاعر جمال حرب يقدم حرب قصائده المخملية في حضرة الجمال والابداع يسمو بصوره ولغته عبر رحلة الحروف المبللة بالحنين والعشق فهو عبر امتداد صفحات الديوان كان العاشق والذاكرة والوطن .
تنبض القصائد في شاعرية خصبة وصورة عميقة تجسّد حرب الوطن الحزين والغربة المرتعشة شدة الحنين واعتصار الذكريات التي كلما هب ريح من الغرب كانت رائحة الارض وعطر الحبيبة يناديه عبر مسامات جسده الذي لم ينسى لو لبرهة سمر الياسمين وقطاف الوان الجوري المبللة بالندى فيقف على شواطئ الحنين, تلاطم الامواج مسير خطواته الساهمة بذكريات واحلام كانت هناك في البعيد حاضرة كما الوطن فكلاهما يعكس ظل حضور الاخر .
مسافرة
حين اصحو من غفوة العتاب
ترنح الذاكرة
على مفترق طرقات الليل
مع طرقات الرسائل الحائرة

القصيدة النثرية الخارجة من سيطرة الوزن العروضي تأتي مكثفة في التنوع التصويري في القصيدة الواحدة وتميل الى رمزية المعنى وتوظيف المفردات بالمعنى الاخر والبعيد فنجد بان الشاعر حرب كانت لمفرداته وتصوراته فلسفة خاصة به وهو يسكن في قصائد ذات المدلولات والتأويلات للمشهد المرسوم وخاصة في المقاطع الشعرية القصيرة او ما يسمى بالومضة الشعرية التي تبنى على المفارقة والدهشة غير المتوقعة في ذهن القارئ.
للمفردة في عزف على وتر الروح عمق دلالي واشتقاقي عند حرب فكان الياسمين رمز الجمال والشتاء والغيث رمز العطاء مفردات انتقلت مع الشاعر في كثير من قصائد الديوان كما هو الوطن فكان الاردن الاشتياق للقاء وفلسطين الحنين لوطن يسكننا فكان الرجاء لان يتحرر وينبت فيه عشقا طال به اللقاء والعناق .
انا اليوم اتوق للقائها
تحت قنديل مضاء
وانامل المطر تعزف
على اوتار قلبينا
ونحن نحتسي
قهوة المساء
وكلانا ينفث وجه القصيدة
دخان سجائره

يوائم حرب في قصائده بين العناوين والنص تحملها المفارقة واللا مألوف في كثير من الاحيان بات يسرد قاصا يحمل مقومات القصة بلغة شعرية ( تجمد وانصهار ) ( جسد مهاجر ) ( عتاب الورد ) من خلال هذه القصائد يتبين للقارئ بان الشاعر حرب عبر عن ذاته واحساسه المرهف بين التمني والواقع والوجه الاخر للواقع المتعب بالأنين والآهات التي ارهقها البعاد وضغوطات الوقت حيث حزن الوطن القابع خلف اسوار الاحتلال فتسافر الاجساد وتبقى الروح صائمة هناك تنتظر عودة اللقاء بين الوطن وابنها الذي ارغمته الايام على ان يتنفسه من بعيد.

الوقت هذا المصطلح المتسع لكل الاشرعة ينتقل عبر قصائد الديوان ليكون عمرنا والانتظار واللقاء وصبانا وهرمنا وعناقيد وازهار بساتين الوطن الساكن فينا ومن هنا كتب حرب قصائد ( تجاعيد الوقت ) ( كان بدرا وصار محاق ) 0 يوم الارض ) يوم الام ) فمن ذاكرة الوقت كان الحب واغلى الناس والوطن يحتضن صراخنا وتعبنا فهو من شكله وكونه وعلى ذكراه يرتشف الامل وتحقيق الاحلام .
حين بدأت برسم لوحة للوطن
لوحة بندقية وقنبلة
فقدت فرشاة الرسم فجأة
فأهدتني غاليتي
من شعرها خصلة مذهلة


وفي القصائد الوجدانية نجد ان فلسفة الشاعر كانت اكثر عمقا بتفريغ حمل الغيوم الحاملة لمشاعر تثقل كاهل الحرف فيبدع حرب في هذه العناوين باقتناص المفردة الدالة والمفردة المستنبطة من اعماق الهذيان الذي يعيشه الشاعر وهو القادر على ان يترجم انفاس الجوري الشاهدة على اسرار العاشقين ( ضنك – غيرة الورد – جنون – ذهول – مبالغة – فنجان قهوتي – وصفة عشقية –)

الدلالات والاشارات المكانية حاضرة ايضا في عزف على وتر الروح فكانت الشام والقدس وعمان وكان المكان الذي استضاف فرحه واحزانه وكان المكان الذاكرة والانتظار واللقاء وعليه كان للمكان في ذاكرة الروح ابواب تناجي وتنادي بأنفاس الحنين ترتجي لم الشمل وعناق الصبا الذي اسقاه زهر العمر وقطاف الربيع على عتبات فرح الشباب ( بوابة الذاكرة – الاسكندرية – بين نهرين – قصر قصائد)

وبما ان الديوان يعزف اعماق الروح فهو بلا شك يدرك كل مفاصل اوجاع الروح خاصتها وعموم الجراح النازفة على ما يؤثر على انسانيتنا وعلى امتنا التي لا تنفصل عنا فكانت دموع الغربة والرحيل وكانت جراح نازفة لكل الموت والخراب التي خرجت بها مياديننا التي كانت تنعم بالسلام فما اكثرهن الثكالى والارامل والايتام والمساجين لقبضة الجوع والفقر والقهر وفي خاصيتها ايضا تعزف الاوتار حال اللقاء المتعثر والعمر الماض بلا انفاس الفرح لكن تترك الاوتار تعزف ليكن الامل والحلم القابع فينا يغني للورد والجمال والحبيبة التي تبقينا نتنفس الفجر نسيم عليل وتوقا للجمال والسناء .

القصيدة النثرية والتي ترتقي في صورها وسردها كمادة ادبية في موسيقى داخلية ومحسنات بديعية تضيف للقارئ جمالية للغوص في اعماق النص كما هو عزف على وتر الروح في اسلوب حرب الذي اختص فيه ديوانيه في القصيدة النثرية كشاعر يكتب القصيدة النثرية بأسلوبه ولغته التي امتازت بالجمال واللغة المتزنة والصورة الراقية غير مبالغا باستخدام الصور المتشابهة والمحسنات كالسجع والطباق والمقاربة وهو غالبا ما يرهق القصيدة النثرية ويزيد من الحشو والاسهاب .

جمال حرب يعزف على وتر الحرف قصائده يقدم للقارئ نبضا من فيض احساسه المرهف العذب تاركا لوحاته تعزف بين ذائقة المتلقي وثقافته بلغة متماسكة وفكرة متجانسة ومفردة جزلة وصورة معبرة يقدم نفسه بأسلوبه ولغته شاعرا عاشقا وكاتبا له ما ينفرد به من اسلوب وافكار.

لا تعليقات

اترك رد