التربية الجنسية : واقع مهمّش وتحوّلات لا بدّ منها

 

إذا كانت التربية الجنسية بالمعنى العلمي الغربي للكلمة لم تُعرّف قبل القرن الثامن عشر، فهل يعني هذا أنّ مجتمعاتنا لم تعرف ذلك النوع من التربية قبل التاريخ المذكور أعلاه؟ أي تربية جنسية تلك التي يتلقاها الأبناء في المجتمعات التقليدية؟ كيف يمكن قراءة تلك التربية جندرياً؟ وما هو واقع التحوّلات التي تسير في خضمّها التربية الجنسية ضمن المجتمعات التقلدية؟

تؤكد الدراسات الاجتماعية أنّ التربية الجنسية- كجزء من التنشئة الاجتماعية- لم يخلو منها على مر التاريخ مجتمع من المجتمعات، مع التأكيد على خصوصيتها الثقافية تبعا للبناء السوسيو- ثقافي الذي يحتويها.

على مدى سنوات طويلة اعتبر التطرّق الى الأمور الجنسية أمرًا محظورًا في الكنيسة التقليدية؛ إذ كان هناك ربط مستمر بين الجنس والخطيئة من جهة ومقارنة بين الجنس والتبتل من جهة أخرى، أضف الى تعظيم أهمية الإنجاب مقابل إنكار المتعة الجنسية، لذا غالبًا ما كانت الإيعازات الكنسية التقليدية تركّز على حصر التربية الجنسية بحدودها الدنيا في نطاق العائلة.

على صعيد التربية الإسلامية كدين، هناك نوع مخصوص من التربية الجنسية التي تبدأ بتعليم الأطفال أحكام الصلاة والوضوء وبيان نواقضها والتفريق بين الأطفال في المضاجع. وقد تمّت الإشارة إلى ضرورة الاستئذان كجزء من التربية عامة والتربية الجنسية خاصة، فقد جاء في القرآن الكريم (سورة النور، آية 58) “يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح….”.

يتضمّن القرآن أيضًا توصيات آياتية مختصة بالتعامل مع المرأة الحائض والعلاقة بين الزوجين والمتعة الجنسية وغيرها شرطَ أن يتمحوّر ذلك في المؤسسة الشرعية للجنس ألّا وهي الزواج.

وبغضّ النظر عن أنّ التربية الجنسية من منظور إسلامي لا تتفق مع المساواتية الجندرية فيما يخصّ الاختلاط بين الجنسين وتعدّد الزوجات والطلاق والإرث ومفهوم القوامة وغيرها، وهي كلها مسائل لن نناقشها فقهيًا هنا، فإنّ ما يهمنا الاشارة إليه هو أنّ هناك ما يؤكّد أيضًا أنّ التربية الجنسية الإسلامية حتى في حدودها الدنيا ظلّت بغالبيتها عرضة للاختراق من العقلية الأبوية تبعًا لاستقاء المجتمع البطريركي سلطته الذكرية من جعل الجنس مسألة تابو محرّمة التداول، وإنّ أيّ كلام فيه هو اختراق للمقدس إلّا إذا اكتفينا بالنزر اليسير الذي يُقدّم بتباين جندريّ مفرط للمقبلين على الزواج وذلك بما يتلاءم مع قيم الدين الإسلامي وأهدافه الأيديولوجية العامة المتمحورة حول إخضاع المرأة عامة وجنسانيتها خاصة للملكية الذكورية.

يربط المجتمع التقليدي بين السلوك الجنسي والأخلاق والدين، هو مجتمع يستبطن الأساطير ويغرق بالموروث الديني (الشعبي) الذي يعتبر الجسد الأنثوي فتنة تورّط الرجل بارتكاب الخطايا.

بناء عليه يُربّى الجسد الأنثوي بصورة سلبية يُراد بها حصر شخصية الفتاة في جميع جوانبها، الفيزيقية والنفسية على حدّ سواء. فهي تربية طابعها الحشومة والشرف الصارخ، ومدارها استحواذية البكارة وكبح الطاقة الجنسية للفتاة، ما يدفع البعض إلى إجبارها على ارتداء الحجاب كعلامة على تغير وضعها الفيزيولوجي والاجتماعي وعبورها من مجموعة المهمّشين إلى مجموعة مؤنثة قابلة للزواج.

لا يقتصر الأمر على الحجاب فقط، فهناك بعض الأهالي – وخصوصاً الأمهات حاميات التقاليد (ومن كافة الأديان)، الذين يحرصون على نفي وإنكار الجسد الأنثوي تناغمًا مع قيم الحياء ودرءًا لما هو “عيب”، فتتأطر التربية الجنسية للمرأة في مصادرة لغة جسدها كأن تخفض بصرها وصوتها، وأن تعدل جلستها ومشيتها، وأن تضع الحجاب على رأسها، وذلك له مفعول مواراة الجسد الأنثوي بقدر ما له مفعول التذكير المستمر بالنظام الذكوري الأكثر تساهلاً مع الرجل والأكثر دفعا له نحو المبادرة واختبار الحياة الجنسية.

إنّ كل سلوك جسدي للأنثى سيُبنى في سياق تربية جنسية غير مباشرة، وسيكون مرتهنًا بحكم قيميّ، وهذا الأخير يختلف تبعًا لوضعية المرأة الاجتماعية وعمرها ومستواها العلمي ومعتقدها الديني وغيره من المتغيرات البالغة الأهمية ما يؤكّد أنّ المنظومة القيمية المؤثرة في طبيعة التربية الجنسية هي منظومة متغيرة أفقيًا وعموديًا في المجتمع.

نحن نرى أنّ التربية الجنسية ضعيفة في المجتمعات التقليدية (بعضها مغلوط وبعضها مشوه) إلا ان التحوّلات في هذه المسألة قد فرضت نفسها عنوة عقب انخراط هذه المجتمعات في حركة تثاقف مستمرة رسختها أكثر سيرورات العولمة التقنية المرافقة لإعلام الصوت والصورة.

أيًا تكن طبيعة المعارف الجنسية التي تحصل عليها الفتاة اليوم، وأيًا يكن مصدرها، فإنّ معارضة النظام الأبوي ورفضه القاطع لكلّ مضامين التحديث الجنسي لا يمكنها أن تقف في وجه التغيير الاجتماعي، سيّما وأن تكنولوجيا المعلومات قد فرضت وجودها، ولم يعد بإمكان النظام الأبوي برغم أقدميته وتجذّره وتأثيره في الأفراد التصدّي للقيم الجنسية المستحدثة التي تؤثر في المجتمع؛ مما يستدعي مدّ جذور الثقة بين الآباء والأبناء والانفتاح الثقافي والحوار البنّاء فيما يخصّ الموضوع الأكثر “قداسة” وتحريم: الجنس.

لا تعليقات

اترك رد