نملة بين النيران

 

فجأة اندلعت حرائق كثيرة و سريعة ، لأيام متتالية ، حرائق لم تخطر على بال ، الحرارة شديدة ، و الحرائق متنقلة من جهة إلى أخرى ، ومن جبل إلى جبل ، ذهبتْ أشجار كثيرة ، أشجار خضراء غابت تلاشت التهمتها ألسنة النيران ، أشجار الصنوبر و الايكاليبتيس ، أشياء جميلة أكلتها النّيران ، وأخرى أكلها الحقد وقبح الماكرين ، مدائن أشجار اختفت ، وممالك نمل ذهبت ، حيوانات بريّة كثيرة استشهدت بفعل النّار ، جبال صامدة والنّيران تخترقها ، رجال صناديد يلهثون ويلاحقون النّيران ليال وأيّام ، يطفؤون اللّهيب ، رجال المطافي والجيش والحرس الوطني في كلّ مكان ، اختنقتُ ، دخان كثيف يملأ المكان ، حزن على الوجوه وعزيمة فولاذية لاطفاء هذه الحرائق التي اندلعت متفرّقة ومتتالية ، كنتُ أبكي وأقبّلُ الشجر المحترق وأعوان المطافي يمنعونني : أرجوك ، أرجوك نخشى عليك من النّار ، قلتُ : أيُّ نار ؟ النّار أكلت كلّ شيء . نسوة ينحن هناك وينظرن إلى منازلهن المحترقة وإلى بقايا دجاج و غزال وبقر ومواشي ، شابّ ينتحب ، احترق أدباش عرسه القريب كلّها ، شيخ يبكي احترقت صور عائلته ، والده ووالدته ، وشهادة ملكيّة أرضه ، و شهائد جامعية لتخرّج أبنائه البطّالين الثّلاثة ، امرأة تبكي لاحتراق شهادة جامعية لابنتها المهندسة البطّالة ، كلّها تحوّلت إلى رماد ، نحيب يدمي القلوب ، عجوز تصرخ وتقول : نعجتان و خروف ، هذا ما أملك ، كنت أنوي بيع الخروف لأشتري الأدوات المدرسيّة لحفيدي اليتيم ، نحن فقراء ، دمّرنا الشّتاءبثلوجه ، وأحرقنا الصيف بناره ، لم ينقذ أحد ، نحن لا نتسوّل ولا نتوسّل ، ولا نطلب و لا نستجدي لا حكومة ولا ناس ، ولكن أين الإنسانية منذ 2011 وأصوات تطلق الوعود و الأحلام ، والآن لحّ اللّوح للمسمار ، واش بعد ها الحرائق ، خافوا الله فينا . بحّ صوتها ، تمدّدت على الرّماد ، زاغت عيناها . الرّماد يملأ المكان ، خضرة تحوّلت إلى رماد مفزع ، لون الموت منتشر ، كنتُ متعبًا أحيانا أرافق بعض السّكان في حملة الاطفاء ، وأحيانا أستلقي على الأرض ، ماء ودخان وصياح وهلع ، وسعال ، وأنين ، أصوات متداخلة ، يا عمّ محمّد من هنا تعال من هنا نكمل الاطفاء ، يا كمال يا هادي أسرعوا اسحبوا خراطيم الماء ، افتح حنفيّة الشّاحنة ، هيّا يا خالتي مبروكة سيأخذوننا إلى المدرسة ، سنسكن في المدرسة وقتيًّا ، كانت ثمّة نملة تنادي بأعلى صوتها : أسرعوا لم يعد لنا مقام في هذا المكان ، هيَّا أتركوا كلّ شيء أسرعوا ، ارتفع الدّكان وتكاثر ، خرج جند النّمل ، النملة تنادي وتصرخ ، جسمها مبلّل ، عرق كثير ، بقع سوداء داكنة على يديها ، وشم على جبينها بلون أخضر : تحيا تونس ، جسد النّملة ساخن ، النّملة مصرّة على مغادرة القرية الجبلية ، أصوات شديدة التّداخل ، وقع أقدام هنا وهناك ، هرولة ، جري ، أزيز محرّكات الشّاحنات ، نسيت نفسي ، لم أعد أتذكّر متى أتيت وكم أمضيت من الوقت ، كلّ ما أذكره هو أنّني لمّا سمعت خبر النّيران اقترضت من البنك سلفة وركبت الحافلة إلى الكاف ، وقطعت المسافة إلى الحرائق على القدمين ، بقيت صائما يومين وفي فجر اليوم الثّالث ناولني أحد أعوان الحرس الوطني قهوة ورغيف خبز، ثمّ انضممتُ إليهم آكل ممّا يأكلون ، شربتُ كثيرا من الماء ، أفرح كلّما يخدم حريق ، لا أعلم من أين أتت تلك الطّاقة في جسمي وأجسام رجال المطافي والجيش والحرس ، وبينما أنّا بين الحشود أمدّ العون ، تسرّب إلى أذني صوت ملكة النّمل تقول : يعزّ علينا فراقك يا تربة الأمجاد ، سليمان يغطّ في نومه العميق ، لم يلتفت إلينا سليمان ولو مرّة واحدة لا في شتاء ولا فيصيف ، حلّ الغروب ، ألسنة اللّهب بدأت تنهار و تذبل ، الأيدي تمتدّ بالماء ، هجعت نيران وارتفع ألسنة دخان أبيض قبيح ، لم أقدر على مغادرة المكان ، لابدّ أن تنتهي المعركة بانتصارنا ، لابدّ أن تنطفئ النّيران كلّها ، جاء خبر عاجل الحريق الخلفي انطفأ ، خبر ثان الحريق العنيد في أعلى الجبل انطفأ ، تغلّبت عليه طائرات الجيش الوطني ، نيران كثيرة انطفأت و خمدت وماتت إلى الأبد بلا رجعة ، دبّت فرحة بين الأعوان والجنود والضّباط والأهالي ، انطفأ هذا الحريق ، وغلبني النّعاس ، فنمت قرب عربة الحرس الوطني وعيون الأعوان تحرس المكان ، مرّت ساعات قليلة و انبلج الصّبح ، أفقت على صوت عون الحرس يقول : خذ القهوة أيّها الوفيّ لقد جاء الخبر منذ حين ، لقد اطفأت جميع النّيران ، الحمد لله ، اشرب قهوتك وافطر ثمّ سننقلك إلى المدينة لتعود إلى بيتك ترتاح ، فجأة رأيت النّملة تصرخ : عودا أيّها الجند عاد الأمل خمدت النّيران ، وأحسب أنّ سليمان انتبه إلى المذعورين ، يا سليمان ظالم هذه الأرض هالك ولو كان ابنها ، اتّق الله فينا يا سليمان ، حتما غدا سينبت الزّرع والورد ، وتعود الطّيور .

لا تعليقات

اترك رد