شكرا عزيزي مارك


 

هي حقيقة وليس من باب الاستخفاف أو الهزل، صارَ علينا أن نشكر مخترعي مواقع التواصل وعلى رأسهم العزيز ” مارك ” مؤسس موقع “الفيس بوك” الذي أتاح لنا ركناًنبوح فيه أحياناً، ونعشق فيه أحياناً، ونبكي فيه أحياناًكثيرة. وفي مرات هو يتيح لنا فرصة الثرثرة بكل ما يعترينا من هواجس وعقد واضطرابات عقلية.

لكن ثمة شكر من نوع خاص علينا أن نقدمه للعزيز مارك، وهو أنه قد منح العديد من المنتسبين إلى الفيس بوك مجاناً لمدى الحياة؛ في أن يكونوا قضاة رغم أنهم لم يدرسوا الحقوق. وصاروا قضاة يحكمون ويُطلقون على الناس أحكاماً ذات درجة قطعية، وهناك من صار مشرعاً ينص القوانين على مزاجه الشخصي وهناك من أعطاه مارك منحة مجانية ليمارس بها طقوسه المرضية ويُظهر منخلالها حالة الهوس وجنون العظمة التي يتوهم بها ويوهمها للآخرين.

امرأة لا تملك مؤهلات ثقافية، وليس لديها من شيء سوى أنوثة مفتعلة تتشدق على الدين وتكتب بكل جرأة عن إلحادها وسخريتها من المقدسات والرموز، والغريب أننا نرى حولها لفيف وقطعان من المراءين يصفقون بحرارة لها.

وأخرى تهدد بالحذف والحظر، وأخرى تصرخ وتضع الشروط القاسية لإبقاء الأصدقاء على قيد قائمتها، وآخر يجعل من نفسه فيلسوفاً مختصاً في فلسفة الكراهية وتصدير العبارات التي تنتقص من الآخرين.

مارك جعل نسبة 95% من رواد الفيس شعراء، وأدباء وتشكيليين، واعطاهم الحق في أن يعرّفوا عن أنفسهم بالألقاب الكبيرة مثل ” الأديب فلان، الشاعر القدير فلان. فيعصر مارك لم يعد من الصعب على أي شخص أن يصبح في ليلة وضحاها شاعراً فلم تعد هناك معايير ومقاييس لجودة الشعر ولم يعد كما كان سابقاً لجان تحكيمية تتلمس الكلام وتتمحص في أبعاده الاجتماعية والدينية والمذهبية قبل أن تعلن عن موافقتها بإصداره للنشر.

أصبح كل شخص يعاني من الاضطهاد في حياته الواقعية يعوض نقصه من خلال منشوراته ويدّعي عكس ما هو عليه. والغريب أن الغالبية يتكلمون وكأنهم يملكون الكون وباقي البشر لا قيمة لهم. مجرد أنثى فارغة تتفوه بكلام أكثر من سخيف ولا تجد من يعترض بل على العكس تراهم مؤيدون حتى وإن كان على حساب الدين والأخلاق والأعراف فقط لينال رضاها ولا يطاله الحذف أو الحظر.

مجرد فارغ وقشري لكونه مشهوراً أو معروف من قبل الإعلام المأجور يتفوه بكلام ليس به قيمة أدبية أو فكرية مجرد هلوسات رجل مخمور بالغرور كلماته تلقى التأييد والتصفيق.

إلى متى ونحن أكثرنا مثل الخراف يجترون الأفكار اجتراراً بلا قناعة ولا اختيار؟ إلى متى والأضواء والأسماء المشهورة تشعركم بالنقص وتخافون من مواجهة تفاهتهم وسخافتهم التي يكتبونها على صفحاتهم أو يغردون بها؟

يكفي وأنتم تمارسون نقصكم واضطرابكم النفسي على من حولكم، يكفي من يشعر بنقص بأخلاقه وقيمته في حياته الواقعية يقف ويتلمق ويتشدق على الآخرين بالأخلاق.

إن كان مارك قد اعطاكم الحق في التعبير عن أراءكم ووجهات نظركم، وما يحتبس في داخلكم من هواجس وإرهاصات؛ فلا تبالغوا كثيراً ولا تجعلوا من الناس فئران تقيمون عليهم تجاربكم النفسية واحقادكم الشخصية لتنشروا إما الفتنة، وإما الأخلاق الرخيصة أو العقد الاجتماعية والنفسية.

أما يكفي أيها المتابع وأنت تقف موقفاً سلبياً لا حول ولاقوة لك إلا الصمت أو التصفيق أما يكفي ونحن نمارس هذاالدور الذي مارسناه مع من حكمونا ظلماً وقهراً لأعوام طويلة؛ حتى هنا في الفيس بوك نفعل ذات الشيء؛ إذنمتى نتحرر ويصبح لنا كياناً مستقلاً، متى نتعلم أن نقول الحق بلا رياء ومجاملة؟ متى نتحرر من عقدة النقص أمام الأسماء المشهورة؟ ومتى يتعافى معشر الذكور من مرض التملق لكل امرأة جميلة هي أصلاً لم تصنع جمالها بذاتها، حتى وإن كانت مجرد شكلاً فارغاً مثل الطبل؟

لأننا نعيش الاضطهاد في عالمنا الداخلي من الصعب أن نتحرر في عالمنا الخارجي

طالما أننا قد تعودنا أن نخاف من قول الحق والحقيقة، وطالما أننا قد تعودنا أن نجامل الساسة الفاسدون ونصفق لخطبهم الكاذبة، ونمسح الجوخ للعصاة والطغاة ونبتسم لهم وهم يزرعون خناجرهم في خاصرتنا.

من هنا ومن هذا المنبر، نناشد العزيز مارك أن يوقف سيل كرمه، وأن يوقف تلك المنح المجانية وأن يضع حداً لهذا السخاء في مساواة الدجاج مع الصقور، وأن يضع قانوناً صارماً لمنع من يعاني من مرض النباح والصياح والنبش في مزابل التاريخ ليثير من حولنا رائحة نتنة ويلوث فضاء السلام بالفتن ويحرض الذين يجترون الكلام بلا هدى ولا بصيرة على الشتائم والتكفير، وأن يوقف أنهار الشائعات والتحري من مصداقيتها لأن الشائعات هي من حرك تنور أبو لهب وجعل الجاهلون يحملون على أكتافهم الحطب ليضرموا النار في غابات العرب.

في الختام أتقدم بجزيل الشكر للعزيز مارك فهو من أكثر الأشخاص على هذا الكوكب الذين أعطونا تلك المساحة الكبيرة للتعبير عن قهرنا وترك لنا بيته الأزرق مفتوحاً نسرح به ونمرح ونجلس في فنائه نتكئ على الأرائك نتعاطى الممنوعات دون أن تداهمنا مكافحة المخدرات والمخابرات وعناصر الأمن.

ونعتذر من العزيز مارك أننا لم نحترم تلك المساحة ولم نوظفها بالشكل الصحيح وقد عثنا ببته الأزرق ومزقنا أثاثه الأنيق من كثرة الخصومات وقطعنا ستائر بيته لكثرة ما تبادلنا الشتائم ولوثنا ماء بركته بعفن الطائفية وألقينا في المسبح الكبير حجر المذهبية والعنصرية وهو يراقبنا من خلف زجاج مكتبه المطل على البيت الأزرق دون ان يتفوه بكلمة رغم ما يراه من أفعالنا وسلوكنا، ظل طوال السنين يراقب ويحاول أن يجد تفسيراً للعقول العربية ويجد علماً يستطيع أن يشرح تلك التناقضات التي يقرأها على حيطان بيته الأزرق. وما زال مارك يقف واجماً يتأمل ويهزأ برأسه ويضحك على سطحية أفكارنا ويقول في قرارة نفسه ” كيف لهؤلاء العرب أن ينتصروا على اعدائهم وهم أعداء أنفسهم”

شارك
المقال السابقسيناريو العراق
المقال التالىهل السنة شريك اساسي في فرضية العراق الموحد ؟!!
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

2 تعليقات

  1. صحيح إلى متى ؟؟؟؟؟ …مقالة واقعية مئة بالمئة ولكن ترى ما السبب الخفي وراء انشاء هذا البيت الازرق الذي شيده لنا السيد مارك .. نحن العرب ننبهر وننساق وراء كل مجهول للاسف الشديد .. تحياتي لتحليك الصادق

اترك رد