الفساد في العراق هل هو ثقافة أم سلوك

 
الصدى-الفساد-في-العراق

دفع تفشي الفساد البعض إلى رده لعوامل ثقافية ، عادين شيوعه في العقود الأخيرة على أنه نتاجا لثقافة لا ترى فيه أمرا مستهجنا أو معيبا ، بل أمرا طبيعيا يتناسب مع منافسة الآخرين للفرد في تحقيق أهدافه وضمان مصالحه ، ويرى مؤيدو هذا الرأي ان في الثقافة الشعبية العراقية ما يؤيد ذلك ، إذ أن نظرة الناس في مجتمعنا إلى اللص ( الحرامي ) وقاطع الطريق ( الناهب ) ليست كنظرة الثقافات الأخرى له ، فإذا كان هذا في نظر الثقافات الأخرى مجرما مدانا و يستحق المقت والاستهجان ، فهو في نظر ثقافتنا شخصا قويا وجريئا يستحق الثناء والتقدير فضلا عن الافتخار به من قبل ابناءه و احفاده .

في مقابل ذلك نجد البعض الآخر ينفي أن يكون للفساد صلة بالعامل الثقافي بل بالعامل السياسي ، فبنظر هؤلاء لا توجد ثقافة تدعم الفساد إنما هناك عوامل أخرى تدعمه تبدو للمراقب وكأنها عوامل ثقافية فيما أنها لا تعدو ان تكون عوامل أخرى سواء أكانت اجتماعية أم سياسية ، ويرى هؤلاء أن للممارسة السياسية دور كبير في شيوع الفساد نظرا لعدم تمكنها من بناء منظومة قادرة على مناهضته ومكافحته ، إذ تبين الوقائع عجز الدولة عن إصدار القرارات التي تمكنها من محاكمة الفاسدين ومتابعة ملفات الفساد فضلا عن تفعيل أجهزة المراقبة والمحاسبة .

لكن ظاهرة الفساد ان أمكن ربطها بالعامل الثقافي للأسباب مارة الذكر لا يمكن عدم ربطها بالممارسة السياسية نظرا لأن الدولة بأجهزتها الرقابية والقضائية والتنفيذية كانت قادرة على منع الكثير من المعاملات الفاسدة ومحاسبة الفاسدين إلا انها لم تقم بذلك ، الأمر الذي أدى إلى تغول الفساد وتحوله إلى داء خطير يهدد كل شيء ، وهذا ما يصح أيضا على العامل السياسي الذي لا يمكن عده السبب الوحيد في تفشي هذه الظاهرة وانتشارها في مؤسسات الدولة ومرافقها المختلفة الذي ان دل على شيء فإنما يدل على وجود بعض العوامل الثقافية الداعمة سواء أكان مبعثها عوامل اجتماعية أم نفسية .

ومن ثم لا مناص من عده نتاجا لكلا العاملين : العامل السياسي نظرا لعدم وجود جدية كافية وعمل حقيقي في مكافحة الفساد ، الذي كان بالإمكان معالجته سواء أكان ذلك بالتشريعات التي يسنها البرلمان أم بالقرارات التي تصدرها المؤسسة القضائية أم بالإجراءات التي تتخذها السلطة التنفيذية ، والعامل الثقافي نظرا لعدم وجود ضوابط اخلاقية تقف بوجهه وتحد من انتشاره ، وإلا كيف تسنى للفساد ان يتغلغل في كل مفاصل الدولة ، ويغدو خطرا ليس على أمنها وحسب بل و استقرارها أيضا ، إلا يكون مرد ذلك أكثر من عامل واحد لاسيما وبشكل خاص العاملين السياسي والثقافي .

لا تعليقات

اترك رد