الحرية ، الاختيار والجوع ….

 

متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا … هكذا هتف الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في وجه عمرو بن العاص ….ما أعظمه قول بل ما أحكمه ، أحقا يولد المرء حرا ؟ وهل ينمو ويترعرع ويصير كذلك؟
إن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي كرمه الله بالاختيار والعقل والتشريع…هداه،أرشده ودله على الطريق السوي وترك له المقود بين يديه يسير بنفسه أنٌا شاء … يقول الحق سبحانه وتعالى في الآية 148 من سورة البقرة: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ويقول ايضاسبحانه وتعالى : ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾﴾الإنسان الآية 3 …..
إرادة الله شاءت أن نكون أصحاب مشيئة، أصحاب اختيار، هدانا سواء السبيل وترك لنا حرية المسير .. فحريةَ الاختيارِ هذه إنما لتثمين الأعمال وتقييمها ليظهر حسنها من سيئها ، وإلا ماكان لفعل الخير قيمةٌ، ولا للسيئة قيمةٌ، ولا حوسِبَ الإنسانُ أصلا … لكن ، هل حقا نحن احرار؟ فإن كانت الحرية هي امكانية اتخاذ قرار وتحديد الخيارات المتاحة في كل الامور المتعلقة بحياتنا الشخصية كأفراد او كعناصر داخل المجتمع الذي ننتمي اليه او قد لا ننتمي بحكم المفهوم الواسع للإنسانية …واذا كانت الحرية هي التحرر من القيود المادية والمعنوية التي تكبل طاقاتنا الابداعية المنتجة ، وهي أكيد التخلص من التبعية و العبودية لشخص معين أو لجماعة أو للذات نفسها ، تلك الذات الهدامة للمبادئ والمكتسبات ، وهي ايضا التخلص من الإجبار والفرض المؤديين للخضوع….فما سبب تأخرنا واندثارنا ؟أليس من العار ان نتأخر عن الركب ونتيه عن المسير أمم أخذت اللب منا ونحن ننظر باندهاش لما وصلت اليه قابعين نتفرج ونصفق … اليس من العار ان نخضع لإملاءات الأخر ؟ وننحني لإرضائه ؟ من اجل المساندة الواهية المغشوشة ؟ ما عسانا ننتظره من الآخر ونحن بين أيدينا كل مقومات العيش الكريم ؟ الإيمان والدين والعلم والعقول النيرة العالمة ؟
منذ صباي وانا اسمع جملة بكل صدق تشمئز لها نفسي حين اسمعها لانها كالوقر في اذني : اتفق العرب على ألا يتفقوا … فمتى تم هذا الاتفاق وهم في الأصل أخوف من ان يجلسوا الى مائدة واحدة خوفا من فقدان كراسيهم ؟ فمنهم من أسقط أباه وهناك من أرهق أخاه وهناك من ابتز شعبه وهناك وهناك فكل الاشارات ذبلت واصبحت تومئ للسراب ، لم يعد للعربي مجال للتفكير لان النفير قد علا ،والجموع تزحف صوب دوارات لا متوقفة، دواليب تديرها شياطين الإنس اما الجن فقد رفع قبعته من على رأسه انحناءا وتواضعا لسمو البشر وتفوقه عليه في الخراب والدمار، فلا السحر نفع ولا العلم سطع ، فأصبح الحياء برقع وأصبح الالتزام لحية بل مرتع …إلى أين المسير ؟ إلى أين المسار ؟ ألم يكفيكم خراب الديار ؟آتيتم على التاريخ والاثار و أبكيتم الثكالى وأكثرتم الأيتام …
فما جدوى هذه الحرية إن جاعت البطون وكممت الأفواه وقيدت الأيادي وكسرت الأقلام ؟ ماجدوى هذه الحرية وشريعة الله عز وجل تمس ولا من موقف للمهزلة.. الإسلام أرقى دين في الكون كله لأنه من الله عز وجل فهو للإنسانية جمعاء لا استثناء لقوم فيها عن اخر ،الإسلام مكارم الأخلاق شرائع وقوانين هي حدود الله ومن تعداها فقد ظلم نفسه اكيد …لكن ما بالبعض المسلمين مؤخرا ؟ أكيد هي موضة جديدة لاثارة الانتباه واستقطاب ملايين المعجبين لربح نقط بالفايس .. حين سمعت الخبر طار لبي وانحصر فصرت لا ادري ، أيهما المسلم وايهماالغجر ، صحيح القرآن الكريم نزل من قرون عديدة لكنه محمي من عند الله (إنٌا نحن نزلنا الذكر وإنٌا له لحافظون ) فلا يُعقَلُ، ولا يصحُّ، ولا يليقُ بكمالِ الله عز وجل أنْ يقولَ كلاماً لا معنى له، القرآن لم ولن يمسه تغيير تاكدوا من ذلك لانه من عند الله سبحانه وتعالى رسالة مليئة بالمعجزات التي لا تنقطع ولن تنقطع الى يوم الدين ، القرآن الكريم شريعة فيها ما هو غير قابل للتغيير كأحكام الإرث مثلا ، وفيه ما هو مفسر عبر الأزمنة ولا أقول قابل للتغيير لانه كامل ومضبوط انما العلم والاجتهاد من يفسر كنهه وخباياه واسراره ، وهي معجزته ….فما بال معالي الرئيس ؟أهي سهو أم وسوسة من إبليس ؟….﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾
ماذا يقصد معاليه بالمساواة وإعادة النظر في الإرث ومساواة الرجل بالمرأة في الميراث ؟ حقيقة لم افهم فهل حقا يطالب السيد الرئيس فعلا بالمساواة ؟أم هي مجرد خلق ثورة بل زوبعةفكرية لذر الرماد في العيون ؟
فالإرث معالي الرئيس في الإسلام قوانين وتوجيهات مذكورة في القرآن الكريم يقول عز وجل في محكم كتابه الكريم:﴿يوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ…﴾سورة النساء؛ ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ولِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾… القاعدة تقول بانه لا اجتهاد مع وجود النص والنص هنا قطعي لا مجال فيه للريب او وبالاحرى التعديل … فماذا يقصد معالي الرئيس ؟ اكيد لسنا ضد المساواة لكن لا مجال لتغيير سنن الله ومن يطالب بذلك فقد تعدى حدود الله ومن تعدى حدود الله فقد ظلم نفسه …الله يعلم وانتم لا تعلمون … ما أظن وضعية المرأة اشد ظلما من تلك التي كانت عليها في الجاهلية بدءا من وأد البنات الى الاقصاء الكلي من الحقوق .. وما أظنإنصاف الإسلام للمرأة اقل شأنا من وضعيتها في الديانات الأخرى … لنأخذ مثلا مسألة الإرث في الديانة اليهودية فقد ذكر في التوراة: «بِحَقٍّ تَكَلمَتْ بَنَاتُ صلف حاد فَتُعْطِيهِنَّ مُلكَ نَصِيبٍ بَيْنَ أَعْمَامِهِنَّ وَتَنْقُلُ نَصِيبَ أَبِيهِنَّ إِليْهِنَّ. 8 و تَقُول لِبَنِي إِسْرَائِيل: أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ وَليْسَ لهُ ابْنٌ تَنْقُلُونَ مُلكَهُ إِلى ابْنَتِهِ. 9 وَ إِنْ لمْ تَكُنْ لهُ ابْنَةٌ تُعْطُوا مُلكَهُ لِإِخْوَتِهِ. 10 وَ إِنْ لمْ يَكُنْ لهُ إِخْوَةٌ تُعْطُوا مُلكَهُ لأَعْمَامِهِ. 11 وَإِنْ لمْ يَكُنْ لأَبِيهِ إِخْوَةٌ تُعْطُوا مُلكَهُ لِنَسِيبِهِ الأَقْرَبِ إِليْهِ مِنْ عَشِيرَتِهِ فَيَرِثُهُ». لكن الأغرب من هذا فإن اليهود تورث البركة أي الموروث للابن الأكبر واللعنة للابن الأصغر أماالنسوة ففي خبر كان ..فأي تعديل تثوقون إليه معالي الرئيس ؟ أو ليس هذا الشعب من يموقع نفسه الاكثر ديمقراطية في العالم ؟ فهل للمرأة اليهودية مكانتها كالتي للمرأة المسلمة ؟
لنذهب ايضا للدول الغربية رغم اختلافهم في القضية ومن بلد لآخر فبالولايات المتحدة الامريكية مثلا فإن نصف الإرث يذهب إلى الزوج(ة) والنصف الآخر يتوزع بالتساوي بين الأبناء لا فرق بين ذكر وإنثى.لكن المورث له الحق الكامل أيضا في ترك وصية بكامل ما يملك لمن أردا سواء أكان قريباً أم غريباً أو حتى حيواناً كما يمكنه أن يحرم الأبناء كلياً من أي شيء في الإرث….فأيهما استند عليه معالي الرئيس لاعتماد المساواة ؟
أرى من وجهة نظري المتواضعة أن يطال التعديل الحريات والقوانين الوضعية لترقى بالشعب التونسي الشقيق الى ما يصبو اليه من عزة وكرامة ، لأنه بحق يستحق العيش الكريم أفضل مما هو عليه الآن وهذا لا يعني انه حاليا في وضعية غير لائقة لكن من الافضل اعادة توزيع الثروات عوض القوانين الإلهية…..
أيها الشعب العربي الأبي لا تختار وأنت جائع ، وإلا سيكون اختيارك معوي اكثر مما هو فكري …فالبطنة تذهب الفطنة ، وإن ذهبت فطنتك ذهب عقلك ومصيرك ووضعته بين ايادي قد تزيد من عبوديتك وخضوعك عوض حريتك وشموخك … لا تهدم ما بناه الأجداد والأسلاف لكن حاور وجادل بالتي هي أحسن وأنصت أكثر مما تتكلم وانصت أيضا لتفهم لا لترد ، لأن الإدراك سبيل التفاهم والتعايش … وأرجوك أخي العربي في حديثك غير أصبع الاتهام من السبابة للإبهام …..

لا تعليقات

اترك رد